الرئيسيةمقالات

سوريا والسلوك الاستعماري: كيف تتحول الدولة إلى سلطة احتلال داخلي؟

الكاتب: حسين قاسم ” بيوراسب “


إن توصيف السلوك السياسي والتاريخي للأنظمة المتعاقبة في دمشق تجاه الكرد بـ “الاحتلال الداخلي” (Internal Colonialism) ليس مجرد موقف عاطفي، بل هو توصيف أكاديمي وحقوقي دقيق يندرج تحت بنود القانون الدولي والعلوم السياسية، وذلك استناداً إلى أربعة أركان حاسمة:

1. الاستعمار الاستيطاني والتغيير الديموغرافي الممنهج

الاحتلال يُعرّف في الأساس بسلب الأرض وتغيير هويتها السكانية بالقوة. وقد تجسد هذا بوضوح في مشروع الحزام العربي (1962 – 1973)، وهو عملية استيطان رسمية أقدمت عليها السلطة عبر:

  • تجريد عشرات الآلاف من الكرد من أراضيهم الزراعية التاريخية.
  • إحلال مجتمعات مستوردة وتوطينها في هذه الأراضي لتغيير الجغرافيا والديموغرافيا.
  • هندسة حدود إدارية ومناطق مغلقة لفصل الامتداد الجغرافي الكردي.
2. التجريد من الحقوق المدنية والمواطنة (إحصاء 1962)

أقست صور الاحتلال هي حرمان أبناء الأرض الأصليين من حقهم في الانتماء القانوني لأرضهم. عبر إحصاء عام 1962 الاستثنائي في الحسكة، تم تحويل أكثر من 120 ألف كردي في ليلة واحدة إلى “أجانب” و”مكتومي القيد”. هذا الإجراء حرمهم من التملك، والتعليم، والعمل، وسلب منهم أبسط مقومات المواطنة، مما يحول السلطة من “دولة راعية” إلى “سلطة استعمارية تجرد السكان من إنسانيتهم”.

3. نهب الثروات واستغلال “التخوم” (اقتصاد السخرة)

تتعامل سلطات الاحتلال مع المناطق الخاضعة لها كـ “مستعمرة مواد خام”. ينطبق هذا بدقة على التعاطي مع روج آفا وشمال شرق سوريا، حيث:

  • تُستنزف الثروات السيادية (النفط، القمح الصلب، القطن، الطاقة المائية) وتُنقل كاملاً إلى المركز.
  • يُمنع أبناء المنطقة من إنشاء مصانع، أو مشاريع تنموية، أو بنية تحتية مستدامة، مما أبقى المنطقة في حالة فقَر وتهميش متعمدين لإبقائها مرتهنة للمركز.
4. الإبادة الثقافية والتطهير الهوياتي (Cultural Genocide)

الاحتلال التقليدي يكتفي بالسلب والسيطرة، أما الاحتلال القمعي فيسعى لـ “محو الهوية”. تمثل ذلك في:

  • تجريم التحدث باللغة الكردية في الدوائر الرسمية والمدارس، وحظر طباعة وتداول الكتب الكردية.
  • تعريب أسماء القرى، والبلدات، والجبال، والمعالم الجغرافية التاريخية وإلغاء أسمائها الأصلية.
  • منع إحياء المناسبات القومية (مثل نوروز) وتجريم ممارسة التراث والثقافة القومية عبر المحاكم العسكرية والأجهزة الأمنية.
عندما تُجرد السلطة الشعب من أرضه، وجنسيته، ولغته، وثرواته، وحقه في إدارة شؤونه، وتدير المنطقة بعقلية الثكنة العسكرية والمرسوم الأمني، فإنها تسقط عن نفسها شرعية “الدولة الوطنية”، وتتحول بجميع سلوكياتها وممارساتها إلى سلطة احتلال مكتملة الأركان.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *