بدء مقابلات الكورد المحرومين من الهوية في روجافا

أعلنت لجنة تسجيل الكورد المحرومين من الهوية السورية في روجافا كوردستان، أن المرحلة الأولى من مقابلات العائلات ستبدأ في 28 حزيران 2026، وذلك في ثلاثة مراكز رئيسية هي: الحسكة، قامشلو، وتربه سبي.

وقالت روباريا فيصل حسين، عضو اللجنة، لشبكة رووداو الإعلامية، إن اللجنة ستنشر قوائم أسماء جديدة أسبوعياً، مؤكدة أن العملية ستستمر إلى حين الانتهاء من جميع المسجلين. وأضافت: “لا يوجد موعد محدد لانتهاء المرحلة الأولى، وسيتم إعداد القوائم تباعاً وفق تسلسل التسجيل.”

المراكز المخصّصة للمقابلات

  • مركز الحسكة: لأهالي محافظة الحسكة ومدينة الدرباسية
  • مركز قامشلو: لأهالي قامشلو وديرك
  • مركز تربه سبي

وبحسب روباريا حسين، ستُجرى مقابلات مع 20 عائلة يومياً، مع تخصيص ساعة كاملة لكل عائلة لضمان سير العملية دون ازدحام. وقد شملت الدفعة الأولى 48 عائلة تم اختيارها وفق أسبقية التسجيل.

آلية المقابلات

تشمل المقابلة:

  • التقاط صور لجميع أفراد العائلة
  • أخذ بصمات الأصابع وأكدت روباريا حسين أنه لن يُطلب أي وثائق إضافية، باستثناء حضور جميع أفراد الأسرة.

أما بخصوص الخطوات التالية بعد المقابلات، فأوضحت أنه لم تصدر تعليمات رسمية بعد، ومن المتوقع الإعلان عنها فور انتهاء المرحلة الأولى.

تطمينات رسمية

طمأنت روباريا حسين جميع المسجلين قائلة: “عملية منح الهوية مستمرة وفقاً للمرسوم، والباب مفتوح أمام كل كوردي محروم من الهوية. نحن نعمل على تقديم كل التسهيلات اللازمة.”

خلفية المرسوم

وكان أحمد الشرع، رئيس الجمهورية للمرحلة الانتقالية في سوريا، قد أصدر في 16 كانون الثاني 2026 مرسوماً اعتبر فيه الكورد “جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري”، واعترف باللغة الكوردية لغة وطنية، وجعل عيد نوروز عطلة رسمية في عموم البلاد.

كما نصّ المرسوم على إلغاء آثار إحصاء 1962 في محافظة الحسكة، والذي حرم مئات الآلاف من الكورد من الجنسية السورية. وبموجب المرسوم، ستُمنح الجنسية السورية لجميع الكورد المقيمين في سوريا، بما في ذلك عديمو الهوية.

الأحزاب الكرتونية… والعقل الكوردي العالق بين الراية والحرية

الكاتب : حسين قاسم

طبيعة الأزمة الكوردية اليوم لا تكمن في الشعب، بل في الأحزاب الكرتونية التي صنعت واقعاً مشوّهاً لا يشبه تطلعات الكورد ولا يعكس رؤيتهم. إلى متى يبقى الكوردي أسير أيديولوجيات لا تمثله، ولا تعبّر عن حلمه الطبيعي بالحرية والاستقلال؟! ما زال في روج آفا يُمنع رفع علم كوردستان… لماذا؟ ولماذا يتحوّل العلم، وهو رمز شعبٍ قدّم آلاف الشهداء، إلى مادة للخصومة بدل أن يكون عنواناً لوحدة وطنية؟! العلم ليس قطعة قماش، بل رمز دولة مستقلة لها مكان في الأمم المتحدة، ورمز حق تقرير المصير الذي ناضلت الشعوب من أجله عبر التاريخ.

الأيديولوجيات التي أثقلت الكورد لعقود لم تقدّم لهم دولة، ولم تحمِهم من المجازر، ولم تمنحهم حرية التعبير. أي ديمقراطية نتحدث عنها بينما المواطن لا يستطيع أن يبدي رأيه أو يمارس نشاطه دون خوف من السجن أو الإقصاء؟! الديمقراطية ليست شعارات، بل ممارسة يومية، ومساحة آمنة للرأي، وحق طبيعي في رفع العلم، والتنظيم، والعمل السياسي. ما لم نغيّر أنفسنا، ونكسر القيود الفكرية التي كبّلتنا، لن نحرر حتى أنفسنا. الثورة الفكرية هي البداية الحقيقية، وهي التي تمهّد لثورة شعبية هدفها واحد: حق تقرير المصير ونيل الاستقلال.

والتاريخ مليء بشعوب تحررت عندما كسرت أيديولوجياتها الداخلية أولاً. الهند لم تتحرر من الاستعمار البريطاني إلا عندما تجاوزت صراعاتها الداخلية وتوحدت خلف مشروع وطني جامع. فيتنام لم تنتصر على الاحتلال إلا بعد أن حوّلت وعي الشعب إلى قوة مقاومة موحدة. الجزائر لم تنل استقلالها إلا عندما تجاوزت الانقسامات وتوحدت خلف جبهة واحدة. حتى دول أوروبا الشرقية لم تتحرر من الأنظمة الشمولية إلا بعد ثورة فكرية كسرت الخوف وفتحت الطريق لثورة شعبية.

هذه الشعوب لم تكن أقوى منا، لكنها كانت أوضح هدفاً. نحن قدمنا من الضحايا ما يكفي لبناء دولة كاملة، لكن الأيديولوجيات التعيسة تبعدنا عن الهدف في كل مرة. التحرر يبدأ من الوعي، من كسر الأصنام الفكرية، من إعادة تعريف القضية بعيداً عن الأحزاب، ومن فهم أن الدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بوحدة الهدف، واحترام الرموز، وحق الشعب في أن يقرر مصيره دون وصاية.

روج آفا بين مشروع الحرية ومحاولات الهيمنة: معركة هوية لا تُؤجَّل

الكاتب: حسين قاسم

تمرّ روج آفا اليوم بمرحلة مفصلية ستحدد مستقبلها السياسي والاجتماعي لعقود قادمة. فبعد سنوات طويلة من الحرب، والانقسام، ومحاولات طمس الهوية، كان أبناء المنطقة يتطلعون إلى بناء نموذج ديمقراطي يقوم على الإدارة الذاتية، والمواطنة المتساوية، واحترام التعددية القومية والدينية والثقافية.

لكن الواقع الراهن داخل مناطق سيطرة دولة الاحتلال يثير أسئلة عميقة حول الاتجاه الذي تُدفع إليه المنطقة، في ظل تصاعد الخطاب الديني المتشدد داخل قطاعات التعليم والإدارة والثقافة والشأن الاجتماعي. وهذا التحول يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل تتجه المنطقة نحو نموذج مدني ديمقراطي يتسع لجميع مكوناتها، أم نحو نموذج سلطوي ديني يسعى لفرض هوية واحدة على مجتمع متعدد الهويات؟

إن أي مجتمع يسعى إلى الاستقرار يحتاج إلى مؤسسات حيادية تمثل جميع أبنائه دون تمييز. فالمدرسة والجامعة والمؤسسة الثقافية والإدارة العامة ليست أدوات لنشر أيديولوجية معينة، بل هي مؤسسات يفترض أن تعكس التنوع القومي والديني الذي تتميز به روج آفا. وعندما تُختزل هذه المؤسسات في رؤية فكرية أو دينية واحدة، فإن ذلك يهدد مستقبل الحريات العامة وحقوق المواطنة، ويعيد إنتاج أنماط الإقصاء التي عانت منها المنطقة لعقود.

ويبدو أن أخطر ما في هذا التحول هو تأثيره على قطاع التعليم. فالمناهج لا تنقل المعرفة فقط، بل تصنع وعي الأجيال القادمة. وإذا تم توجيه التعليم وفق منظور ديني ضيق أو إقصائي، فإن ذلك سيؤدي إلى إنتاج أجيال تنظر إلى الاختلاف بوصفه تهديدًا، لا بوصفه مصدر غنى للمجتمع. وهذا يشكل خطراً مباشراً على مفهوم التعددية الذي قامت عليه تجربة روج آفا.

ولا يتوقف الأمر عند التعليم، بل يمتد إلى الثقافة والفنون والإعلام، وهي فضاءات يفترض أن تكون للتعبير الحر وتعدد الأصوات. وعندما تُفرض عليها قيود أيديولوجية، فإنها تفقد دورها في بناء مجتمع منفتح قادر على استيعاب التنوع. فالمجتمعات التي تنهض هي تلك التي تسمح بالنقاش والإبداع، لا تلك التي تُحاصر في رؤية واحدة مهما كانت مرجعيتها.

أما على المستوى الإداري، فإن نجاح أي نموذج ديمقراطي يعتمد على الكفاءة والنزاهة وسيادة القانون، وليس على الولاء الفكري أو الديني. وإذا أصبحت الوظيفة العامة مرتبطة بالانتماء الأيديولوجي، فإن ذلك سيقوض ثقة المواطنين بالمؤسسات، ويعيد إنتاج أنماط التمييز التي عانت منها روج آفا تاريخيًا.

هذا المسار يثير قلقًا مشروعًا لدى المكونات القومية والدينية في المنطقة: الكورد، السريان، الآشوريون، الأرمن، العرب، الإيزيديون، وغيرهم. فهذه المكونات لا تخشى الدين، بل تخشى أن تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لفرض هوية واحدة على مجتمع متعدد الهويات. الدولة المدنية بالنسبة لهم ليست شعارًا، بل ضمانة وجود وحماية حقوق.

وفي الوقت نفسه، فإن المجتمع الدولي يراقب بدقة طبيعة التحولات داخل مناطق الإدارة الذاتية. فالعلاقات السياسية والاقتصادية المقبلة، وإمكانية دعم الاستقرار، كلها ستكون مرتبطة بمدى التزام المنطقة بمبادئ حقوق الإنسان والحريات العامة والتعددية. وأي انطباع بأن روج آفا تُدفع نحو التشدد أو تضييق المجال العام سيؤثر على مستقبل الدعم الدولي.

إن احترام الدين بوصفه جزءًا من هوية المجتمع لا يتعارض مع بناء نموذج مدني ديمقراطي. المشكلة ليست في الدين، بل في تحويله إلى معيار لإدارة المجتمع وتحديد حقوق المواطنين. فالنموذج المدني لا يعادي الدين، لكنه يرفض أن يتحول إلى أداة سياسية.

إن مستقبل روج آفا لن يُقاس بالشعارات، بل بطبيعة المؤسسات التي ستُبنى في المرحلة المقبلة. فإذا نجحت المنطقة في ترسيخ نموذج يحترم التعددية ويضمن المساواة بين جميع المواطنين، فإنها ستضع الأساس لاستقرار طويل الأمد. أما إذا فُرضت هوية سياسية أو ثقافية أو دينية واحدة، فإن المنطقة قد تدخل في مرحلة جديدة من الصراعات، وهو ما لا تحتمله بعد سنوات الحرب.

الرهان الحقيقي اليوم ليس على انتصار فكر على آخر، بل على بناء نموذج يتسع للجميع، يكون فيه القانون هو المرجعية العليا، وتكون المواطنة أساس الحقوق والواجبات، بما يحفظ وحدة روج آفا ويصون تنوعها التاريخي والإنساني.

وحدة الشعب الكُردي:( بين الشعار والأسس )

الكاتب: فيصل يعقوب


🛑 تتردد المطالبة على ألسنة الأحزاب الكُردية و على لسان كثير من المثقفين الكُرد و ابناء و بنات الشعب الكُردي مطالبة صريحة بـوحدة الشعب الكُردي. و هي مطالبة تكتسب شرعيتها من واقع التشرذم القسري الذي فرضته التقسيمات الاستعمارية على أرض كُردستان.🔸 لكن الملاحظ أن هذه المطالبة تتوقف عند حدود الشعار❗، دون أن تُترجم إلى أسس واضحة و محددة لهذه الوحدة. و هنا يبرز السؤال المحوري:
🟨 هل يكفي أن ترفع شعار وحدة شعب مضطهد قومياً، دون أن تضع تلك الوحدة على قواعد ثابتة من الثوابت والمبادئ الوطنية❓؟
🔸أسس الوحدة الشعبية: المشتركات اللاإرادية من المسلم به في علم الاجتماع السياسي أن وحدة أي شعب لا تُبنى على المشاعر العابرة أو المصلح الحزبي الضيق❗، بل تقوم على مشتركات لاإرادية تشكل هوية الشعب الجامعة. و هذه المشتركات تتضمن على الأقل: 🔸 وحدة الأصل والتاريخ المشترك🔸 الذاكرة الجماعية التي تربط الأجيال بمسار تاريخي واحد. 🔸 وحدة اللغة والثقافة🔸 كوسيلة تواصل وتعبير وتشكيل للوعي الجمعي. 🔸وحدة الأرض والجغرافيا🔸 كفضاء وجودي مشترك يتشكل فيه التفاعل الاجتماعي والثقافي. العادات والتقاليد والقيم المشتركة🔸 كمنظومة أخلاقية واجتماعية تحكم العلاقات بين أفراد الشعب.
💥هذه الأسس ليست خياراً حزبياً يُتفاوض عليه، بل هي حقائق تاريخية وثقافية واجتماعية تشكل الهوية الجامعة للشعب، وتُشكّل الحد الأدنى الذي يمكن الاتفاق عليه بين أبنائه.
🛑الإشكالية: الأحزاب الكُردية بين وطنية كُردستانية و وطنية الدول المحتلة هنا تبرز الإشكالية الجوهرية: 💥هل يمكن لأحزاب كُردية تنسب وطنيتها إلى وطنية الدول التي تحتل أجزاء من كُردستان أن تكون قاطرة لوحدة الشعب الكُردي❓؟ الإجابة القاطعة هي: 🔸لا🔸
💥 والسبب واضح: هذه الأحزاب، باختيارها الانتماء الوطني للدول المحتلة لأرض كُردستان، 🔸قد اختارت مسبقاً ثوابتها ومبادئها الوطنية من منظور تلك الدول، وليس من منظور الثوابت والمبادئ الوطنية الكُردستانية.
💥 فالوطنية التركية أو العربية أو الفارسية، وإن اختلفت في تفاصيلها، تشترك في أنها وطنية مناهضة للوجود الكُردي كشعب مستقل بذاته، 🔸وتسعى لذوبانه في هوية الدولة المركزية.💥 وبالتالي، فإن هذه الأحزاب وإن اختلفت في مصالحها الحزبية والشخصية وهو أمر طبيعي لطبيعة المصالح المتباينة إلا أنها متفقة أو موحدة في جوهرها من حيث الثوابت الوطنية للدول المحتلة. 💥وهذا الاتفاق على ثوابت 🔸الآخر🔸 يجعلها عاجزة عن تقديم أسس حقيقية لوحدة الشعب الكُردي،🛑 لأنها في الأساس قد تنازلت عن المشترك الأهم: 🔸الهوية الوطنية الكُردستانية الجامعة🔸 ✅الخلاصة:
🔸 نحو وحدة حقيقية من يريد فعلاً تحقيق وحدة الشعب الكُردي، عليه أن يبدأ من حيثية أولى و ضرورية: الاتفاق على الثوابت والمبادئ الوطنية الكُردستانية. وهذا يعني:
1️⃣. الاعتراف بالهوية الوطنية الكُردستانية المستقلة عن هويات الدول المحتلة. 2️⃣. القبول بحق الشعب الكُردي في تقرير مصيره بشكل حر ومستقل. 3️⃣. بناء مشروع وطني كُردستاني في كل جزء من كردستان المحتلة على حدة أو إذا أمكن يجمع الأجزاء المشتتة على أسس تاريخية وثقافية وجغرافية مشتركة. 🔸هذا هو الحد الأدنى الذي يمكن أن يتم الاتفاق عليه بين أبناء الشعب الواحد. ومن دونه، تبقى 🔸الوحدة🔸 مجرد شعار فارغ يُرفع في المناسبات، دون أن يترجم إلى واقع سياسي أو اجتماعي أو ثقافي ملموس.

حول حقّ الشعوب في تقرير المصير وموقع الشعب الكوردي ضمن هذا الإطار

الكاتب: حسين قاسم ( بيوراسب)

يُعدّ حقّ الشعوب في تقرير مصيرها أحد أكثر المبادئ رسوخاً في القانون الدولي الحديث، وقد تحوّل من فكرة أخلاقية إلى قاعدة قانونية مُلزِمة عبر سلسلة من القرارات والمواثيق الدولية التي أرست الأساس النظري والعملي لإنهاء الاستعمار، ولإقامة الدول على أساس إرادة الشعوب لا على أساس القوة. وقد شكّلت قرارات الأمم المتحدة – منذ منتصف القرن العشرين – بنية متكاملة تؤكد أن إخضاع أي شعب لسيطرة أجنبية أو لحرمانه من هويته السياسية والثقافية هو انتهاك مباشر لحقوق الإنسان وللسلم الدولي.

من أبرز هذه القرارات: ميثاق الأمم المتحدة الذي وضع في مادته الأولى مبدأ المساواة بين الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، ثم العهدان الدوليان لحقوق الإنسان اللذان جعلا هذا الحق مادة أولى مشتركة، تليهما القرارات الكبرى مثل 1514 الخاص بمنح الاستقلال للشعوب المستعمَرة، و1541 الذي حدّد أشكال ممارسة هذا الحق، و2625 الذي كرّسه كقاعدة آمرة في القانون الدولي، إضافة إلى قرارات أخرى مثل 2621، 3314، 421، 545، 637، وغيرها من القرارات التي رسّخت أن تقرير المصير ليس خياراً سياسياً بل حقّاً قانونياً لا يمكن مصادرته. هذه القرارات – التي تشكّل أكثر من عشرة نصوص أساسية – تؤكد جميعها أن الشعب، أي شعب، يمتلك الحق في اختيار وضعه السياسي، وفي بناء كيانه الوطني على أرضه التاريخية، وأن أي محاولة لدمجه قسراً أو صهره أو محو هويته تُعدّ شكلاً من أشكال الاستعمار الحديث.

ضمن هذا الإطار، تبدو القضية الكوردية واحدة من أكثر القضايا التي ينطبق عليها مفهوم الشعب المحروم من حقّه الطبيعي في تقرير مصيره. فالشعب الكوردي يمتلك كل عناصر “الشعب” في القانون الدولي: أرض تاريخية متصلة، لغة وهوية وثقافة مميزة، ووعي قومي ممتدّ عبر قرون، إضافة إلى تعرضه لسياسات قمعية ممنهجة في دول التقسيم. ومع ذلك، لم تُقدَّم القضية الكوردية في المحافل الدولية بالشكل الذي يعكس حقيقتها القانونية. فالأحزاب الكوردية – في معظم مراحلها – لم تتقدّم إلى الأمم المتحدة بوصفها ممثلاً لشعب يعيش على أرضه التاريخية، بل بوصفها “أحزاباً معارضة” داخل دول الاحتلال، منسوبة إلى تلك الدول لا إلى كوردستان.

هذا الخطأ البنيوي في تعريف الذات أدّى إلى تحويل القضية من قضية شعب وأرض إلى قضية أقلية داخل دولة. وهكذا انحصر الصراع في مطالب ثقافية وتعليمية وحقوق لغوية، بينما بقي السؤال الجوهري – سؤال السيادة على الأرض التاريخية – خارج الطاولة. وبذلك تحوّل النضال الكوردي إلى معركة وجود ثقافي داخل حدود مفروضة، لا إلى معركة تقرير مصير لشعبٍ مقسوم قسراً بين أربع دول.

نتيجة هذا الإطار الضيق، تعرّض التراث الكوردي والعقل الكوردي إلى ما يمكن وصفه بـ جينوسايد مجتمعي–سياسي صامت: تغيير الأسماء الجغرافية، محو الذاكرة، تهميش اللغة، تفتيت الهوية، ودمج وصهر شعب أصيل ضمن شعوب ليست أصلية على أرضه. هذا النوع من الإبادة لا يُمارَس دائماً بالسلاح، بل عبر سياسات طويلة الأمد تهدف إلى تحويل الشعب إلى “مكوّن” داخل دولة، لا إلى شعبٍ له حقّ في دولة.

لكن القانون الدولي – كما تعكسه القرارات الكبرى للأمم المتحدة – لا يرى الأمور بهذه الطريقة. فالمعيار القانوني واضح: الشعب الذي يمتلك أرضاً وهوية وتاريخاً، وتُفرض عليه سيطرة خارجية أو تقسيم قسري، يمتلك حقّاً أصيلاً في تقرير مصيره، بما في ذلك إقامة دولته المستقلة. وهذا ينطبق على الشعب الكوردي كما انطبق على عشرات الشعوب التي نالت استقلالها عبر القرارات نفسها.

إنّ حقّ الشعب الكوردي في إقامة دولته ليس مطلباً سياسياً طارئاً، ولا مشروعاً انفصالياً كما تحاول دول الاحتلال تصويره، بل هو امتداد مباشر لمبدأ تقرير المصير الذي صاغته الأمم المتحدة، والذي أُنشئت من أجله عشرات الدول الحديثة. وما لم تُصَغ القضية الكوردية في إطارها الصحيح كقضية تحرر وطني لشعبٍ على أرضه التاريخية، سيبقى الصراع محصوراً في الهوامش، بينما يستمر الجينوسايد المجتمعي والسياسي ضد هوية هذا الشعب.

إنّ كوردستان ليست مطالبة بالاعتذار عن وجودها، بل العالم هو الذي مدعوّ للاعتراف بأنّ شعباً كاملاً حُرم من حقّه الطبيعي في الدولة. والقانون الدولي – بكل نصوصه وقراراته – يقف إلى جانب هذا الحق، ويمنحه شرعية كاملة لا يمكن إنكارها.

عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا

د. محمود عباس

الحلقة الثامنة

ويكفي التذكير بأن طرفة بن العبد، أحد أشهر شعراء بكر بن وائل في الجاهلية، ارتبطت سيرته بإقليم البحرين التاريخي وبلاط الحيرة، وفي هذا المجال الممتد بين البحرين والحيرة كان الحضور الأشهر لقبيلة بكر بن وائل، لا في آمد ولا في جغرافيتها. وهذا يبيّن أن تحويل اسم ديار بكر اللاحق إلى دليل على حضور ديمغرافي عربي أصيل في آمد ليس قراءة تاريخية، بل إسقاط متأخر لتسمية إدارية على مدينة كانت تُعرف قديمًا باسم Amida/Āmid. أما ما تذكره بعض المصادر عن إسكان مجموعات من بكر بن وائل أو ربيعة في نواحي الجزيرة في العهد الأموي، فلا يغيّر جوهر المسألة؛ فهناك فرق واضح بين إسكان عائلات عسكرية أو مجموعات مرتبطة بالسلطة، وبين وجود ديمغرافي عربي واسع قادر على صبغ المدينة وهويتها وتاريخها. فالحضور الإداري أو العسكري لا يصنع وحده هوية حضرية، ولا يحوّل مدينة عريقة كآمد إلى جغرافيا عربية الأصل.

ومن هنا تظهر المفارقة الفاضحة في خطاب القبيسي وأمثاله: يريدون محاكمة الكورد بشاهد جزئي أو تسمية إدارية أو خبر سفير، لكنهم لا يجرؤون على تطبيق المنهج نفسه على تكويناتهم الحديثة. فإذا كانت خريطة أو تسمية أو خبر عابر كافيًا عندهم لنفي الكورد من كوردستان، فعليهم أولًا أن يسألوا أنفسهم: أين كانت دولهم القومية الحديثة قبل انهيار الدولة العثمانية؟ وأين كانت خرائطهم الراهنة قبل الانتدابين الفرنسي والبريطاني؟ وكيف تحولت جغرافيات واسعة إلى فضاء عربي حديث؟ أكان ذلك امتدادًا نقيًا بسيطًا منذ الأزل، أم مسارًا تاريخيًا طويلًا من التحول والسلطة والتعريب وإعادة التسمية؟

أما الكورد، فوجودهم في هذه المنطقة ليس اختراعًا متأخرًا، ولا اختلاقًا سياسيًا حديثًا، بل حضور موثق في الجبال والجزيرة والمصادر الإسلامية نفسها، فضلًا عن الشواهد الأقدم. وحين تذكر المصادر الإسلامية الكورد في أخبار الجبال والجزيرة والحدود ومناطق الصراع، فهل كانت تتحدث عن وهم؟ أم أن الوهم الحقيقي هو هذا الخطاب المتأخر الذي يريد شطب أمة كاملة لأنها تعجز عن الانصهار في سردية قومية مصطنعة؟

إن القبيسي لا يقرأ التاريخ ليكشف طبقاته، بل ليبحث فيه عن سكين أيديولوجي. يريد أن يختصر كوردستان في زاوية، وأن يحشر الكورد في هامش، ثم يطلب منهم الاعتراف بأنهم بلا أرض وبلا حق. ولهذا لا تعود المسألة خطأ في قراءة ابن حوقل، ولا سوء فهم لخبر مبعوث روماني، ولا التباسًا في اسم قديم أو إقليم سرياني، بل تصبح مثالًا صارخًا على تسليح المعرفة ضد أصحاب الأرض. والفرق كبير بين باحث يحاول فهم الماضي، وبين من يفتش في النصوص عن ذريعة لمحو شعب.

وهنا لا نقف أمام زلة عابرة في قراءة مصدر، بل أمام منهج كامل يتكرر بأشكال مختلفة: مرة في تحويل تسمية إدارية إلى هوية إثنية، ومرة في تحويل خبر عابر إلى دليل قومي، ومرة في جعل اللقب الجغرافي نسبًا، ومرة في محاكمة الكورد بأسماء الدول والسلالات بدل قراءة حضورهم في الجغرافيا واللغة والذاكرة. ومن هذا الباب تحديدًا يتضح جوهر الخلل المنهجي في هذا الخطاب: فليس كل من وُلد في مقاطعة حملت اسمًا معينًا صار منسوبًا إليها دمًا وهوية، وليس كل لقب جغرافي يصلح لإنتاج نسب قومي، وليس كل ما حفظته السرديات المتأخرة بريئًا من أثر السلطة والتحيز وسوء القراءة. فالإمبراطوريات الكبرى كانت فضاءات واسعة تتحرك فيها العائلات العسكرية والإدارية بين المقاطعات، وتُنسب الشخصيات أحيانًا إلى موضع الميلاد، أو إلى مجال الخدمة، أو إلى الإطار الإداري، لا إلى أصل قومي صافٍ كما تريد السرديات القومية الحديثة أن تتخيل.

والأشد غرابة أن هذا المنطق نفسه يُستعمل عند هؤلاء بطريقة انتقائية مكشوفة. فإذا تغيّر اسم الدولة أو السلالة أو الجغرافيا في التاريخ الكوردي، قيل فورًا: لا علاقة للكورد بها. أما إذا ظهر لقب ملتبس، أو وصف جغرافي عابر، أو تسمية لاحقة في رواية رومانية أو إسلامية، حُوِّل مباشرة إلى دليل قاطع على عروبة منطقة كاملة. وهكذا تصبح الجغرافيا إثنية حين تخدم الخطاب العروبي، وتصبح الأسماء حجة للنفي حين تتعلق بالكورد. وهذه ليست منهجية مؤرخ، بل انتقاء أيديولوجي يمدّ السلسلة بلا حدود حين تخدم العروبة، ويقطعها عند أول منعطف حين تخدم الكورد.

وعلى هذا المنطق ذاته، يحاول بعضهم، ومن بينهم الدكتور محمد بهجت القبيسي، ربط الأراميين والكلدانيين والبابليين بالعرب، وكأن شعوب الشرق القديم كلها لم تكن سوى مقدمات متدرجة للعروبة، وكأن التاريخ وُلد ليصب أخيرًا في نهر قومي واحد. وهذه محاولة واهية لا تختلف، في بنيتها الذهنية، عن محاولات ربط شعوب متباعدة داخل أعراق أو سلالات كبرى لإنتاج مجد مصطنع. فالأرامي ليس عربيًا، والكلداني ليس عربيًا، والبابلي ليس عربيًا، كما أن وجود تسمية جغرافية أو لقب لاحق لا يكفي أبدًا لتحويل شعب أو دولة أو حضارة إلى أصل قومي لعرب ما بعد القرون الحديثة.

ولا تقف هذه الآلية عند هذه الأمثلة، بل هي المنهج نفسه الذي غيّب حقيقة الدولة الساسانية، ثم أعاد تقديمها لاحقًا بوصفها “إمبراطورية فارسية” خالصة، متجاهلًا تعقيد بنيتها القومية واللغوية والجغرافية، وسماتها الكوردية اللافتة من أصول مؤسسها إلى اللغة الرسمية والجيش ومركزية جغرافيتها والبنية الديمغرافية. فهذه الدولة عُرفت في سياقها التاريخي باسم الدولة أو الإمبراطورية الساسانية، وارتبطت بلغات إيرانية وسطى، ومنها الفهلوية/البهلوية ضمن المجال الإيراني الغربي الذي تتصل به الكوردية. غير أن صعود السردية الفارسية لاحقًا، ولا سيما بعد السامانيين ومرحلة إعادة صوغ الذاكرة الإيرانية في اتجاه فارسي أوضح، ساهم في فرسنة الماضي الساساني، ثم تلقّف كثير من المؤرخين هذه القراءة كما لو أنها حقيقة نهائية.

والحال أن اختزال الساسانيين في الفرس وحدهم لا يختلف، في جوهره، عن أي محاولة لاختزال الألقاب الجغرافية إلى أنساب قومية حديثة. ففي الحالتين يجري تحويل الجغرافيا إلى قومية، واللقب إلى نسب، والسلطة إلى هوية، ثم يُقدَّم ذلك كله على أنه تاريخ لا يقبل النقاش. وكما لا يجوز أن يُسلَّح لقب جغرافي متأخر لصناعة عروبة سياسية سابقة لأوانها، لا يجوز أيضًا تحويل الإمبراطورية الساسانية المتعددة الشعوب واللغات إلى كيان فارسي خالص بالمعنى القومي الحديث.

الولايات المتحدة الأمريكية

1/6/2026 م

احتجاجات في قامشلو تطالب باستكمال عودة مهجري عفرين

نظم عدد من مهجري عفرين – Efrîn المقيمين في مدن وبلدات منطقة الجزيرة، اليوم السبت 20 حزيران 2026، وقفة احتجاجية أمام مبنى مجلس عفرين في مدينة قامشلو – Qamişlo، للمطالبة بتسريع عودتهم إلى منطقة عفرين – Efrîn وتنظيم قافلة جديدة للعودة.

ورفع المشاركون في الاحتجاج مطالب تدعو الجهات المعنية إلى استكمال ملف عودة المهجرين، مؤكدين رغبتهم في العودة إلى منطقة عفرين – Efrîn بعد سنوات من النزوح.

ويأتي ذلك في وقت عاد فيه أكثر من 8720 عائلة مهجرة إلى منطقة عفرين – Efrîn خلال الأشهر الماضية عبر ثماني قوافل، فيما ما تزال مئات العائلات من مهجري عفرين – Efrîn تقيم في مدن وبلدات الجزيرة، وسط ظروف معيشية وإنسانية صعبة.

وكانت تصريحات رسمية سابقة قد أشارت إلى أن القافلة الثامنة التي انطلقت يوم الأربعاء 10 حزيران 2026 هي القافلة الأخيرة، الأمر الذي أثار تساؤلات لدى العائلات المتبقية حول آلية وموعد عودتها إلى منطقة عفرين – Efrîn خلال الفترة المقبلة.

عفرين الان

طبيبٌ كوردي ينال أرفع جائزة طبية في روسيا لعام 2026

حصد الطبيب الكوردي واختصاصي جراحة الأطفال، الدكتور روني بهاء مايي، أرفع جائزة طبية في جمهورية روسيا الاتحادية لعام 2026، تكريماً لابتكاره العلمي والطبى الثوري في مجال جراحة الدماغ والأعصاب، والذي يفتح باب الأمل لعلاج الأمراض الوراثية المستعصية عند الأطفال.

وشهد حفل توزيع جوائز “بريزفانيي” (النداء) السنوية، الذي أقيم في العاصمة موسكو بحضور نائبة رئيس الوزراء الروسي تاتيانا غوليكوفا ووزير الصحة ميخائيل موراشكو، تكريم الدكتور روني كطبيب كوردي وحيد ضمن النخبة الطبية المكرمة لهذا العام.

وجاء الفوز بالجائزة بعد نجاحه برفقة فريقه العلمي في ابتكار طريقة علاجية هي الأحدث عالمياً لإنقاذ الأطفال المصابين بمرض “نقص ديكاربوكسيليز الأحماض الأمينية العطرية” الوراثي النادر.

وفي تصريحٍ لـه ، أوضح الدكتور روني مايي أن التقنية الجديدة تعتمد على التدخل الجراحي الدقيق لإدخال جينات سليمة ومعدلة إلى عمق دماغ الطفل المصاب لتعويض الجينات التالفة، مما يسمح للجسم بالنمو والحركة الطبيعية بعد أن كان المرض يتسبب بشلل كامل وإعاقة حادة تمنع الطفل من التغذية إلا عبر الأنابيب.

وتُجرى هذه العمليات المعقدة، بحسب الفريق الطبي، باستخدام شاشات ذكية ومنظومات مراقبة مرئية متطورة تتيح حقن الدواء الجيني بكميات ميكروسكوبية دقيقة في مراكز الدماغ المستهدفة.

من جانبه، أكد جراح الأطفال ديمتري ريشكيفي أن هذا الابتكار أتاح إجراء الجراحة للأطفال دون سن السنة الواحدة، مؤكداً أنها خطوة أنقذت حياة أطفال كانوا يواجهون الموت المحتم.

فيما عبر طبيب التخدير سيرغي غريليك عن تطلعات الفريق لتطوير هذه التكنولوجيا مستقبلاً لتشمل مروحة أوسع من الأمراض.

ويعدُّ مرض “نقص الديكاربوكسيليز” من الأمراض الجينية النادرة جداً التي تضرب الجهاز العصبي المركزي، وتعطل قدرة الدماغ على إنتاج هرمونات وناقلات عصبية حيوية مثل “الدوبامين” و”السيروتونين”، ويمثل العلاج المبتكر عبر الهندسة الجينية قفزة نوعية في الطب الحديث لإنهاء معاناة مئات العائلات حول العالم.

كوردستان 24