الفكر الوطني الكوردستاني (18 – 28)
د.مهدي كاكەيي
هل حل القضية الكوردستانية يكمن في النظام الفيدرالي؟قبل الحديث عن الموضوع الذي نحن بصدده، ينبغي تعريف الفيدرالية وشروط نجاحها. الفيدرالية هي نظام سياسي وإداري تتفق على إقامته وحدتان سياسيتان مستقلتان أو مجموعة وحدات سياسية مستقلة (دول، أقاليم، ولايات، كانتونات) للعيش معاً ضمن كيان سياسي موحد. يتم خلال الإتفاق المُبرَم بين الطرفَين المعنيين أو الأطراف المعنية، وضع دستور وقوانين تُنظّم العلاقة بين الأطراف المؤسسة للدولة الفيدرالية. من شروط تأسيس دولة فيدرالية، هي أن تكون هناك عدة وحدات سياسية مستقلة ذات إرتباط وثيق ببعضها محلياً وتاريخياً وعِرقياً، يجعلها قادرة على خلق هوية وطنية مشتركة. كما أنّ إقامة دولة فيدرالية تتطلب رغبة الجهات المشارِكة في الدولة الفيدرالية في خلق وحدة وطنية فيما بينها والعمل على المحافظة على إستقلال كل وحدة سياسية في الإتحاد. كما أنه يُشترط في تأسيس دولة فيدرالية أن تتوفر الثقة بين الجهات الداخلة فيها لتستطيع الجهات المشترِكة فيها، التعاون معاً والتأكد من عدم قيام جهة أو جهاتٍ ما بِخرق الدستور والقوانين التي تنظم الشراكة بينها. يجب أن يكون الإتحاد مقبولاً لدى أطراف الإتحاد ليكون إتحاداً إختيارياً بين أطرافه. يشترط أيضاً أن يكون المستوى الحضاري لشعوب الإتحاد راقياً لمنع الإخلال بقوانين الإتحاد وتفادي هيمنة جهة ما على الجهات الأخرى في حالة حصول سوء تفاهم في تفسير الدستور أو قانون ما وإتباع وسائل حضارية وأساليب ديمقراطية في حل الخلافات بين أطراف الإتحاد. توفر هذه الشروط تخلق علاقة متكافئة بين الجهات المشارِكة في الدولة الفيدرالية والذي يعني إختفاء جهة حاكمة وجهة أو جهات محكومة.يرتكز النظام الفيدرالي على قاعدتَين أساسيتَين: القاعدة الأولى هي أن يتوفر لكل ولاية أو إقليم نظام ذاتي مستقل، حيث تكون لكل ولاية أو إقليم، سلطة تشريعية وتنفيذية وكذلك سلطة قضائية مستقلة، لها حق السيادة على حدودها الطبيعية. القاعدة الثانية هي أنّ هذه الولايات أو الأقاليم تشترك مع البعض ببعض الخصائص، وتتنازل عن كياناتها السياسية المستقلة لصالح دولة مؤلفة من حكومة أو هيئة موحدة تجمع كل الولايات أو الأقاليم. كما أنه في النظام الفيدرالي، للوحدات الفيدرالية حكومات كاملة الصلاحيات في إدارة شؤونها المحلية، في حين تؤول للحكومة المركزية السلطات المتعلقة بالسياسة الخارجية والدفاع، كما تتولى جميع الشؤون المالية، كالحصول على الضرائب ووضع الميزانية الفيدرالية، ويكون للوحدات السياسية الفيدرالية نصيب من عائدات الضرائب والنشاط الإقتصادي والإستثماري الذي يتم على أراضيها.كما أسلفنا، في النظام الفيدرالي، تحتفظ الحكومة المركزية بالصلاحيات المتعلقة بالسياسة المالية والخارجية وشؤون الدفاع. هكذا نرى أنه في النظام الفيدرالي، فأن الحكومة الإتحادية تحكم سيطرتها على المسائل المالية والعلاقات الخارجية ووزارة الدفاع وبذلك تحتكر السلطة في القضايا السيادية وتهيمن على الحكومات المحلية وتُكبّلها وتُفقدها إستقلاليتها وتجعلها حكومات تابعة لها، تتأثر بسياساتها وتخضع لإبتزازها وضغوطها.من هنا نرى أن في الدولة الفيدرالية، الحكومات الإقليمية تابعة للحكومة الإتحادية والتي تعني أن العلاقات بين الحكومة الإتحادية والحكومات الإقليمية هي علاقات غير متكافئة والنظام الفيدرالي ليس نظاماً يستجيب لحقوق الجهات المشاركة فيه وإنما هذا النظام هو نظام إدارة لامركزية لِتجنّب البيروقراطية. لِنأخذ ألمانيا كمثال، حيث أن الشعب الألماني هو شعب واحد متجانس، يشتركون في اللغة والثقافة والتأريخ، ومع ذلك فأن هذه البلاد لها نظام فيدرالي لتطبيق إدارة لامركزية من خلال تخويل الحكومات المحلية بعض الصلاحيات الإدارية. كما أن الأنظمة الفيدرالية تختلف عن بعضها البعض تبعاً للدساتير والقوانين التي تُنظّم العلاقة بين الحكومة الإتحادية والحكومات الإقليمية ولذلك توجد نماذج عديدة ومختلفة من النظام الفيدرالي في العالَم، معتمداً على كيفية تنظيم العلاقة بين أطراف الدولة الفيدرالية. من خلال تطبيق شروط قيام دولة فيدرالية على الواقع الكوردستاني، نرى أن هذه الشروط غير متوفرة فيه، حيث أن شعوب الدول المُغتصِبة لكوردستان هي شعوب متخلفة، غير مؤهلة لبناء دولة فيدرالية ناجحة، تستجيب لثقافة وحقوق وحريات وطموحات شعب كوردستان. كما أنّ الثقة مفقودة بين شعب كوردستان وشعوب الدول المُغتصِبة لكوردستان وأن شعب كوردستان لا يرتبط بِصلات عرقية وتاريخية مع شعوب الدول المُغتصِبة لكوردستان. ظروف كوردستان تختلف عن ظروف شعوب أخرى، حيث أنّ كوردستان مُحتلة إستيطانياً من قِبل عدة دول وإذا قبِل كل إقليم من الأقاليم الكوردستانية الإنضمام الى دولة فيدرالية مع تلك الدولة التي تحتله حالياً، فأنّ كوردستان ستنقسم وتنفصل أقاليمها عن البعض وبذلك يتشتت وينقسم شعب كوردستان. كما أنه يجب إجراء إستفتاء شعبي لإبداء شعب كوردستان رأيه في القبول بالإنضمام الى دولة فيدرالية. بناء على ما تقدم، فأنه لا يمكن أن يعيش شعب كوردستان في دول فيدرالية مع شعوب الدول المُغتصِبة لكوردستان وأن الدستور الفيدرالي والقوانين المستمدة منه سيكون حبراً على الورق ولا يتم الإلتزام به وتطبيقه. الفيدرالية في العراق خير مثال على إستحالة نجاح دول فيدرالية، تضم الشعب الكوردستاني. في البداية يجب القول بأن الدولة العراقية في الواقع هي دولة كونفيدرالية وليست فيدرالية، حيث أن لإقليم جنوب كوردستان قواته المسلحة المستقلة وله ممثلون في البعثات الدبلوماسية العراقية وأن حكومة الإقليم تتعامل مباشرةً مع الدول الأجنبية وتجبي الضرائب وأن الإقليم شبه مستقل إقتصادياً. رغم كون النظام العراقي عملياً هو نظام كونفيدرالي وأن البلاد تخوض حرب أهلية منذ سنة 2003 ورغم ضعف الحكومة العراقية، إلا أنها بإستمرار تهدد الإقليم وبعد إنتهاء المشاكل الداخلية للدولة العراقية، فأن حكومتها ستعمل على إفشال التجربة الكوردستانية في الإقليم وغزوه وإحتلاله من جديد، وخير مثال على ذلك هو ما حصل في سنة 2017 عندما إحتل العراق حوالي نصف مساحة جنوب كوردستان (محافظة كركوك وقضاء خانقين ومندلي ومساحات واسعة من محافظة الموصل). لذلك ينبغي على القوى السياسية الكوردستانية أخذ الدروس من تجربة إقليم جنوب كوردستان وتستند على الوقائع الموجودة.