الحــزام العربي يعود إلى الواجـهة..هل تنجــح لـجان الدمـج في معـالجة واحدة من أعقـد القـضايا الكردية في سوريا؟

عادت قضية “الحزام العربي” وملف الحقوق الكردية في شمال وشرق سوريا إلى واجهة النقاش السياسي والقانوني، بالتزامن مع الاجتماعات المتواصلة بين لجان الدمج المشتركة المنبثقة عن اتفاقية الـ 29 من كانون الثاني بين قوات سوريا الديمقراطية وسلطة الحكومة المؤقتة في سوريا. وتُعد هذه القضية من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في تاريخ سوريا الحديث، نظراً لما ترتب عليها من تغييرات ديمغرافية واجتماعية واقتصادية امتدت آثارها لعقود طويلة.
وبحسب مصادر خاصة، ناقشت الاجتماعات الأخيرة آليات معالجة آثار مشروع “الحزام العربي”، وإعادة الممتلكات المصادرة أو تعويض أصحابها، إلى جانب بحث تداعيات الإحصاء الاستثنائي لعام 1962، الذي حرم آلاف الكرد من الجنسية السورية لعشرات السنوات.
ويرى متابعون أن فتح هذا الملف حالياً يحمل أبعاداً سياسية وحقوقية مهمة، خاصة مع الحديث المتزايد عن صياغة دستور سوري جديد، ومساعٍ لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة السورية والمكونات القومية المختلفة، وفي مقدمتها الشعب الكردي.
يُعرف “الحزام العربي” بأنه مشروع سياسي–ديمغرافي نُفذ في سبعينات القرن الماضي على طول الشريط الحدودي شمال محافظة الحسكة، ضمن سياسات تبناها النظام البعثي آنذاك. واستند المشروع إلى إنشاء شريط سكاني عربي في مناطق ذات غالبية كردية، عبر مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وتوطين عائلات عربية قادمة من مناطق الرقة والطبقة ودير الزور وريف حلب.
وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1973 و1976، أُنشئت عشرات القرى التي عُرفت لاحقاً باسم “قرى الغمر” أو “القرى النموذجية”، بالتزامن مع فرض قيود على تسجيل الملكيات والتوسع العمراني للكرد في بعض المناطق الحدودية.
وبحسب توصيفات حقوقية وسياسية، أدى المشروع إلى فقدان آلاف العائلات الكردية لأراضيها الزراعية ومصادر رزقها، وخلق اختلالات اجتماعية وديمغرافية ما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.
لا ينفصل ملف الحزام العربي عن قضية الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 في محافظة الحسكة، والذي شكّل بدوره إحدى أكثر القضايا حساسية بالنسبة للكرد السوريين. فقد تسبب الإحصاء بحرمان عشرات الآلاف من الجنسية السورية، وتحويل قسم منهم إلى فئة “أجانب الحسكة” و”مكتومي القيد”.
وخلال العام الجاري، صدر المرسوم الرئاسي رقم 13 عن أحمد الشرع، متضمناً إلغاء الإجراءات الاستثنائية المرتبطة بذلك الإحصاء، وإعادة الجنسية السورية للمواطنين الكرد الذين حُرموا منها، إضافة إلى التأكيد على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات.
ورغم الترحيب بهذه الخطوة، إلا أن متابعين يؤكدون أن المرسوم اقتصر على معالجة ملف الجنسية، دون التطرق بشكل مباشر إلى قضية الممتلكات المصادرة أو التعويضات الناتجة عن سياسات التهجير والتغيير الديمغرافي.
منذ سقوط النظام البعثي أواخر عام 2024، تصاعدت المطالب الكردية بإلغاء الآثار القانونية والإدارية لمشروع الحزام العربي، وإعادة الأراضي المصادرة إلى أصحابها الأصليين أو تعويضهم بشكل عادل، إضافة إلى ضمان الحقوق القومية للكرد ضمن الدستور السوري الجديد.
كما يطالب الكرد بالاعتراف باللغة والهوية الكردية كشريك أساسي في سوريا، واعتماد صيغة حكم تضمن اللامركزية أو الإدارة الذاتية، بما يحفظ حقوق جميع المكونات.
وفي المقابل، تشدد الأطراف المشاركة في اجتماعات لجان الدمج على ضرورة معالجة الملف ضمن إطار قانوني يضمن عدم خلق مظالم جديدة، خصوصاً فيما يتعلق بملف “الغمر”، إذ تؤكد النقاشات الجارية ضرورة الوصول إلى حلول عادلة لا تؤدي إلى توترات أو صدامات مجتمعية بين العرب والكرد.
ورغم التقدم في فتح النقاش حول هذه الملفات، فإن الاجتماعات لم تحسم بعد الجهة التي ستتلقى طلبات المتضررين، أو الآلية القانونية والإدارية الخاصة بتوثيق الملكيات والأضرار.
وبحسب المصادر، طلبت الجهات المختصة في الحكومة المؤقتة من المواطنين الكرد المتضررين التقدم بطلبات رسمية فردية مرفقة بالوثائق التي تثبت الملكية أو حجم الضرر، فيما طُلب من لجان الدمج التابعة لقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية المساهمة في توجيه الأهالي نحو الإجراءات المطلوبة.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل بداية عملية طويلة ومعقدة، لكنها تحمل للمرة الأولى مؤشرات على وجود اعتراف رسمي بضرورة معالجة إرث السياسات السابقة، ضمن تسوية قانونية ومؤسساتية.
ومع استمرار الاجتماعات بين الأطراف المعنية، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت هذه النقاشات ستتحول إلى خطوات تنفيذية فعلية، قادرة على معالجة واحدة من أقدم القضايا العالقة في شمال وشرق سوريا، وإرساء مرحلة جديدة تقوم على العدالة القانونية والاستقرار المجتمعي.

المصدر: روز برس