أخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةقسم التاريخمقالات

الدولة المروانية: درة الحضارة والسيادة الكوردية في قلب آمد (ديار بكر)

تُعد الدولة المروانية واحدة من أزهى وأبرز المحطات السياسية والحضارية في التاريخ الكوردي الوسيط، وقد نشأت في إقليم آمد (ديار بكر) وما حوله من مناطق جغرافية استراتيجية في قلب كوردستان التاريخية، مستغلة ضعف الخلافة العباسية وتفكك السلطة المركزية لبسط سيادتها واستقلالها التام. تأسست هذه الدولة على يد الأمير باذ الكوردي في أواخر القرن العاشر الميلادي، وتحديداً في عام تسعمائة وثلاثة وثلاثين للميلاد، حيث نجح في توحيد القبائل الكوردية وفرض نفوذه على مدن كبرى مثل ميافارقين، آمد (ديار بكر)، ديار ربيعة، وأجزاء واسعة من أرمينيا والموصل، مؤسساً كياناً سياسياً وعسكرياً صلباً أثار دهشة المؤرخين المعاصرين له والمؤرخين اللاحقين على حد سواء.

بعد استشهاد المؤسس باذ، استلم زمام الأمور أبناء أخته وعشيرته، وفي مقدمتهم الأمير أبو علي الحسن بن مروان، الذي يُعتبر المؤسس الحقيقي للاستقرار المؤسسي والإداري للدولة المروانية، وتبعه أخوه الأمير ممتاز الدولة سعيد بن مروان، ومن ثم نصر الدولة أحمد بن مروان الذي شهدت الدولة في عهده عصرها الذهبي الأطول والأكثر ازدهاراً وامتداداً، حيث استمر حكمه عقوداً طويلة اتسمت بالحكمة السياسية والدبلوماسية البارعة التي وازنت بين قوى إقليمية ضخمة مثل الدولة البويهية، والحمدانية، والإمبراطورية البيزنطية، فضلاً عن الخلافة العباسية التي باتت تعامل المروانيين بندية واحترام متبادل.

لم تقتصر أهمية الدولة المروانية على قوتها العسكرية أو استقلالها السياسي فحسب، بل تميزت بنهضة حضارية وعمرانية وثقافية فريدة من نوعها. فقد اتخذت من مدينة ميافارقين عاصمة رئيسية لها، إلى جانب مدينة آمد (ديار بكر) التي حظيت بعناية بالغة من الأمراء المروانيين، حيث أُنشئت الأسوار الحصينة، والمساجد، والمدارس، والمستشفيات، والقنوات المائية، والجسور التي لا يزال بعضها شاهداً على عظمة تلك العمارة الكوردية الإسلامية. كانت الإدارة المروانية تتسم بالكفاءة والعدالة الاجتماعية، حيث حرص الأمراء على حماية الرعايا بمختلف انتماءاتهم الدينية والقومية، مما خلق مناخاً من التسامح والتعايش السلمي الذي انعكس بدوره على انتعاش الاقتصاد والتجارة والزراعة في المنطقة.

شهدت الحياة الثقافية والعلمية في ظل الدولة المروانية إشعاعاً غير مسبوق؛ فقد أصبحت العاصمة ميافارقين ومدينة آمد (ديار بكر) ملاذاً آمناً وقِبلةً للعلماء، والفقهاء، والأدباء، والشعراء، والمؤرخين من شتى بقاع العالم الإسلامي. وقد حظي العلماء برعاية فائقة وعطايا سخية من الأمراء، لاسيما في عهد نصر الدولة أحمد بن مروان الذي كان محباً للعلم ومقرباً لأهل الفكر، فبرزت أسماء لامعة في الفلك والرياضيات والفلسفة واللغة، وازدهرت حركة النسخ والتأليف، وضمّت القصور والمساجد خزائن كتب ومكتبات ضخمة غنية بأمهات الكتب والمصنفات النادرة.

على الصعيد الدبلوماسي والعسكري، أثبت المروانيون كفاءة عالية في حماية حدود دولتهم ودرء الأخطار الخارجية. فعلى الرغم من وقوعهم بين مطرقة الدولة البيزنطية وسندان القوى الإقليمية المتصارعة، فقد تمكنوا من فرض هيبتهم عبر تحالفات ذكية وحملات عسكرية ناجحة لردع الغزاة، فضلاً عن اعتمادهم سياسة اقتصادية رشيدة قامت على خفض الضرائب عن المزارعين والتجار، وسكّ عملات معدنية مستقرة عززت الثقة بالاستقلال المالي للدولة. غير أن صعود قوى كبرى جديدة في المنطقة، وعلى رأسها السلاجقة، إلى جانب الصراعات الداخلية على السلطة وضعف الأمراء اللاحقين، أدى تدريجياً إلى تراجع نفوذ الدولة المروانية وسقوطها النهائي في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، تاركة خلفها إرثاً حضارياً وتاريخياً ساطعاً يثبت قدرة الأمة الكوردية على بناء دول مؤسسية ناجحة ومزدهرة متى ما توفرت لها شروط السيادة والحرية.

________________________________________________

المصادر والمراجع:
_______________

1- تاريخ ميافارقين وآمد لابن الأزرق الفارقي، وهو يعد من أهم المصادر التاريخية الأصلية والمعاصرة لتلك الحقبة، حيث رصد بدقة تفاصيل نشأة الدولة المروانية وتطورها وأحوال مدينة آمد (ديار بكر) وعاصمتها.

2- الكامل في التاريخ لابن الأثير، والذي يوثق الأحداث السياسية والعلاقات الإقليمية للدول الإسلامية في تلك العصر، بما في ذلك تفاصيل صعود وسقوط الدولة المروانية في إقليم آمد (ديار بكر).

3- إسلام ميزوبوتاميا والدول الكوردية الوسيطة (دراسات أكاديمية حديثة في تاريخ الإمارات الإسلامية والكوردية في المنطقة)، والتي تفصل الجوانب الإدارية والعمرانية والاقتصادية للدولة المروانية في آمد (ديار بكر).

4- صورة الأرض لابن حوقل، وأحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم للمقدسي، اللذان قدما وصفاً دقيقاً لجغرافية آمد (ديار بكر) ومدنها وحصونها ومواردها الاقتصادية خلال الفترة التي حكم فيها المروانيون.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *