الإمارة الحسنوية: صرح العز والسيادة الكوردية في جبال زاغروس وإقليم آمد (ديار بكر)
الكاتب: حسين قاسم”بيوراسب”
تُعتبر الإمارة الحسنوية (أو الدولة الحسنوية) واحدة من أبرز المحطات السياسية والحضارية الكوردية في العصور الوسيطة، حيث قامت في منطقة جبال كوردستان لتشكل سداً منيعاً وكيانًا مستقلاً أثبت قدرة الكورد على الحكم وإدارة شؤون الدولة بكفاءة عالية. تأسست هذه الإمارة في أواخر القرن العاشر الميلادي على يد الأمير حسن بن بويه الكوردي، وتمكنت تدريجياً من توسيع رقعة نفوذها لتشمل مناطق واسعة وحيوية تمتد بين همدان، ودينور، ورمان، وكرمنشاه، وشهرزور، مما جعلها تحتل موقعاً جغرافياً واستراتيجياً فريداً يربط بين المرتفعات الكوردية والسهول المجاورة.
تميزت الدولة الحسنوية ببنية إدارية وعسكرية صلبة مكنتها من الصمود في وجه التحديات الكبرى والضغوط المستمرة من القوى الإقليمية المجاورة، مثل الدولة البويهية والخلافة العباسية. وقد سعى الأمراء الحسنويون، وعلى رأسهم بدر بن حسنویه الذي يُعد أبرز ملوك هذه الدولة وأعظمهم شأناً، إلى ترسيخ دعائم الأمن والاستقرار الداخلي، وفرض سيادة القانون، وحماية الطرق التجارية الحيوية التي كانت تمر عبر إقليم آمد (ديار بكر) وجبال زاغروس نحو حواضر المشرق، مما أدى إلى انتعاش الحركة الاقتصادية وازدهار التجارة في المنطقة.
على الصعيد العمراني والحضاري، أولى الحسنويون اهتماماً بالغاً بتشييد القلاع الحصينة، والحصون الجبلية المنيعة، والأسوار التي كانت تستخدم لأغراض دفاعية وإدارية في آن واحد، إلى جانب بناء المساجد والجسور وتوفير الخدمات للرعايا بغض النظر عن انتماءاتهم. كما عُرف عن الأمير بدر بن حسنویه عدله الشديد واهتمامه بعمارة الأرض وإصلاح الطرق وبناء دور الضيافة للمسافرين، فضلاً عن تقريب العلماء والأدباء والشعراء، مما خلق بيئة ثقافية مزدهرة في حواضر الدولة انعكست إيجاباً على التطور العلمي والفكري.
غير أن الدولة الحسنوية، كغيرها من الكيانات السياسية الكوردية في تلك الحقبة، واجهت صراعات داخلية على السلطة واضطرابات نتجت عن أطماع القوى الإقليمية الصاعدة، وفي مقدمتها السلاجقة، إلى جانب التغيرات السياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، مما أدى تدريجياً إلى اضمحلال نفوذها وسقوطها النهائي، تاركة خلفها إرثاً تاريخياً عريقاً يؤكد تجذر المؤسسات السياسية الكوردية في صلب التاريخ الإنساني وحقها الأصيل في السيادة وإدارة الأرض.
