التنافس التركي الإسرائيلي وإعادة تشكيل الشرق الأوسط:القضية الكوردية بين هامش المناورة ومخاطر التوظيف
بقلم: مروان فلو
ملخص
تبحث هذه الورقة في انعكاسات التنافس التركي الإسرائيلي على القضية الكوردية، في سياق التحولات السياسية والعسكرية التي يشهدها الشرق الأوسط. وتنطلق من سؤال أساسي: هل يتيح هذا التنافس للقوى الكوردية توسيع هامش المناورة السياسية، أم يزيد مخاطر توظيفها في صراعات إقليمية لا تتحكم في مساراتها ونتائجها؟
تجادل الورقة بأن التنافس بين أنقرة وتل أبيب حقيقي، ولا سيما في سوريا، لكنه لا يثبت وجود خطة مشتركة لتوظيف القوى الكوردية. وتستند في تحليلها إلى التحولات التي شهدتها سوريا عام 2026، والتطورات المرتبطة بالحرب على إيران، ومسار السلام الداخلي في تركيا، فضلاً عن تجربة استفتاء إقليم كوردستان العراق عام 2017.
وتخلص إلى أن تقاطع المصالح بين القوى الإقليمية والدولية قد يفتح فرصاً سياسية مؤقتة، لكنه لا يشكل ضمانة للاستقلال أو الحماية. فالمعيار الاستراتيجي الأهم ليس حجم التأييد الخارجي المعلن، بل قدرة القوى الكوردية على تحويل علاقاتها الدولية إلى حقوق ومؤسسات وضمانات قابلة للاستمرار، مع الحفاظ على استقلال قرارها السياسي.
مقدمة: بين حقيقة الصراع وحسابات توظيفه
يشهد الشرق الأوسط إعادة تشكيل لموازين القوى، تتداخل فيها الصراعات العسكرية مع التنافس على النفوذ السياسي والأمني، وتبرز فيها سوريا بوصفها إحدى الساحات الرئيسية التي تتقاطع فيها مصالح تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة وإيران.
وفي هذا السياق، لم يعد التوتر التركي الإسرائيلي مقتصراً على الخلافات الدبلوماسية المرتبطة بحرب غزة أو التصريحات السياسية المتبادلة. فقد امتد إلى التنافس على مستقبل سوريا وترتيباتها الأمنية، وحدود الانتشار العسكري، وطبيعة السلطة القادرة على بسط نفوذها في المناطق الاستراتيجية.
وقد ظهر هذا التوتر بوضوح في آب/أغسطس 2026، عندما شنّت إسرائيل غارات على قاعدة أبو الظهور الجوية السورية، معللة موقفها بمخاوف أمنية مرتبطة باحتمال نشر قوات تركية في الموقع. وأعقب ذلك سجال سياسي بين أنقرة وتل أبيب، فيما أعلنت واشنطن سعيها إلى إنشاء آلية لتفادي الاحتكاك العسكري بين تركيا وإسرائيل وسوريا. وتكشف هذه التطورات عن تصاعد التنافس، لكنها تظهر أيضاً أن الأطراف المعنية لا تزال تسعى إلى تجنب انزلاقه إلى مواجهة مباشرة. (1)(2)
غير أن وجود تنافس حقيقي بين دولتين لا يعني بالضرورة وجود خطة مشتركة لإعادة تشكيل المنطقة، كما أن تقاطع مصالحهما في ساحة معينة لا يثبت اتفاقهما على توظيف طرف ثالث.
ومن هنا، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات: تضارب المصالح الاستراتيجية، واستثمار هذا التضارب في الخطاب السياسي والحسابات الداخلية، والادعاء بوجود خطة منسقة لاستخدام القوى الكوردية في صراع إقليمي أوسع.
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى الكورد، الذين يعيشون في أربع دول رئيسية، هي العراق وسوريا وتركيا وإيران، ويواجهون أوضاعاً قانونية وسياسية وأمنية مختلفة. فالقوى الكوردية ليست كتلة سياسية موحدة، ولا تتطابق مصالحها وأولوياتها بالضرورة في مختلف الساحات.
وعليه، لا يتمثل السؤال المركزي في معرفة ما إذا كان التنافس التركي الإسرائيلي مفيداً للكورد أو ضاراً بهم بصورة مطلقة، بل في تحديد الشروط التي يمكن أن تحوّل التناقضات الإقليمية إلى فرص سياسية، وتمنع في الوقت نفسه انتقال تكاليف الصراع إلى المجتمعات والقوى الكوردية من دون ضمانات حقيقية.
أولاً: الإطار التحليلي – مخاطر الهجر والتوريط
يوفر مفهوم “معضلة الأمن في التحالفات”، الذي تناوله الباحث غلين سنايدر، إطاراً نظرياً مفيداً لفهم المخاطر التي تواجه الأطراف الأضعف عندما تعتمد على قوى أكبر منها. ويشير هذا الإطار إلى معضلتين أساسيتين: الخشية من الهجر، أي احتمال تخلي الشريك عن الطرف الذي يعتمد عليه عندما تتغير مصالحه؛ والخشية من التوريط، أي احتمال جرّ الطرف المحلي إلى مواجهة لا تتناسب أهدافها مع مصالحه أو قدراته. (3)
ويمكن الاستفادة من هذين المفهومين في تحليل علاقات القوى الكوردية بالدول الإقليمية والدولية، مع ضرورة التنبيه إلى أن العلاقة السياسية أو الأمنية لا تعادل بالضرورة تحالفاً رسمياً، وأن تطبيق النظرية لا يثبت وحده وجود نيات محددة لدى أي دولة.
تاريخياً، ارتبط جانب من السياسة الإسرائيلية في الشرق الأوسط بما عُرف باستراتيجية “الأطراف”، التي هدفت إلى بناء علاقات مع دول وقوى غير عربية أو مع أطراف يمكن أن تسهم في موازنة نفوذ الخصوم الإقليميين. وفي هذا الإطار، تطورت علاقات بين إسرائيل وأطراف كوردية، ولا سيما في العراق، منذ ستينيات القرن العشرين، وفقاً لدراسات تناولت تاريخ هذه الصلات ودوافعها وحدودها. (4)
لكن العلاقات التاريخية لا تعني وجود التزام إسرائيلي دائم بإقامة دولة كوردية مستقلة، ولا تثبت استعداد إسرائيل لتحمل تكاليف عسكرية أو دبلوماسية من أجل تحقيق هذا الهدف.
فثمة فرق جوهري بين التعاطف السياسي، والعلاقات الأمنية، وتقديم الدعم المادي، والاعتراف الدولي، وتوفير الضمانات الأمنية. وقد تجتمع بعض هذه العناصر في مرحلة معينة، بينما تغيب عناصر أخرى عندما تتغير الظروف.
لذلك، فإن تقييم أي علاقة خارجية ينبغي ألا يقتصر على التصريحات أو الاتصالات، بل يجب أن يشمل طبيعة الالتزامات الفعلية، ومدى استمراريتها، وقدرة الطرف الداعم على الوفاء بها عند الأزمات.
ثانياً: التنافس التركي الإسرائيلي في سوريا – تضارب المصالح وحدود التصعيد
تختلف تركيا وإسرائيل في عدد من القضايا المتعلقة بمستقبل سوريا. فأنقرة تسعى إلى ترسيخ نفوذها السياسي والأمني في البلاد، وتولي أهمية خاصة للمناطق الشمالية والشرقية، بسبب ارتباطها بالأمن الحدودي والملف الكوردي. أما إسرائيل، فتركز على منع ظهور ترتيبات عسكرية تراها مهددة لأمنها، وتعمل على الحفاظ على حرية تحركها العسكري في الساحة السورية.
ولا يعني هذا أن لكل طرف تصوراً ثابتاً لا يتغير بشأن مستقبل سوريا، أو أن أهدافهما متعارضة في جميع الملفات. فالمصالح الإقليمية متعددة، وقد تتقاطع في قضية معينة وتتعارض في أخرى.
وتوضح غارات آب/أغسطس 2026 على قاعدة أبو الظهور أن التنافس بات يمسّ ترتيبات الانتشار العسكري والبنية الأمنية السورية، وليس الخطاب السياسي وحده. ووفقاً لتغطية رويترز، بررت إسرائيل الضربات بمخاوف من احتمال نشر قوات تركية في الموقع، بينما أدانت تركيا الهجوم، وانتقدت واشنطن التصعيد، مؤكدة ضرورة ضبط النفس وتفادي الحوادث العسكرية. (1)
وفي 23 آب/أغسطس، أفادت رويترز بأن سوريا وإسرائيل عقدتا محادثات بوساطة أمريكية في الأردن بهدف خفض التوتر واستئناف المفاوضات الأمنية. وشملت المحادثات، وفق التقرير، السعي إلى منع انعكاس التنافس التركي الإسرائيلي على الأراضي السورية. (2)
وتكشف هذه التطورات عن حقيقتين مترابطتين.
الأولى أن التنافس بين تركيا وإسرائيل حقيقي، وأنه قد يتحول إلى احتكاك عسكري عندما تتعارض التصورات الأمنية للطرفين بشأن الانتشار والنفوذ في سوريا.
والثانية أن وجود هذا التنافس لا يعني أن الحرب المباشرة أصبحت حتمية. فارتفاع كلفة المواجهة، واستمرار القنوات الدبلوماسية، ودور الولايات المتحدة في الوساطة، كلها عوامل يمكن أن تحد من التصعيد، حتى إذا لم تضع حداً للتنافس نفسه.
أما القضية الكوردية، فتتأثر بهذه المعادلة من خلال مستقبل المؤسسات العسكرية والإدارية في شمال شرقي سوريا، وموقع الحقوق الكوردية في ترتيبات الدولة الجديدة، ومدى استعداد القوى الخارجية للتدخل عندما تتعارض مصالحها مع مطالب الأطراف المحلية.
ومن هنا، لا ينبغي تفسير كل خلاف تركي إسرائيلي على أنه فرصة تلقائية للكورد، بل يجب تقييم أثره الفعلي في موازين القوى والحقوق والمؤسسات.
ثالثاً: الكورد في سوريا – من السيطرة الميدانية إلى اختبار الضمانات السياسية
شهدت سوريا خلال عام 2026 تحولاً مهماً في وضع قوات سوريا الديمقراطية، بعد مواجهات عسكرية مع القوات الحكومية أدت إلى خسارة قسد مساحات واسعة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها.
وفي 18 كانون الثاني/يناير، أُعلن اتفاق لوقف إطلاق النار وترتيبات تتعلق بانتشار مؤسسات الدولة في الرقة ودير الزور والحسكة، ودمج المؤسسات والقوات التابعة لقسد ضمن هياكل الدولة السورية. ثم أُعلن في 30 كانون الثاني/يناير اتفاق شامل للدمج التدريجي للقوات والمؤسسات المدنية. (5)(6)
وفي 25 آب/أغسطس، أعلن مظلوم عبدي انتهاء قوات سوريا الديمقراطية بوصفها قوة عسكرية مستقلة، في إطار اتفاق الدمج مع الحكومة السورية. غير أن هذا الإعلان لم يعنِ أن جميع المسائل العسكرية والأمنية والسياسية قد حُسمت نهائياً؛ فقد أشارت تحليلات لاحقة إلى استمرار أسئلة تتعلق بسلسلة القيادة، وترتيبات انتشار القوات، ووضع بعض التشكيلات، والضمانات اللازمة لحقوق الكورد. (7)(8)
وتشير هذه التطورات إلى تغير جوهري في موقع قسد: فبعد أن كانت قوة عسكرية مستقلة تسيطر على مناطق واسعة، انتقلت إلى مسار دمج ضمن مؤسسات الدولة، في ظل تغير موقف الولايات المتحدة من علاقتها بالحكومة السورية الجديدة وتراجع الحماية السياسية والعسكرية التي كانت تتمتع بها قسد.
لكن ينبغي التمييز بين إعلان الدمج واستكماله عملياً. فدمج القوات في مؤسسة عسكرية وطنية لا يتحقق بمجرد الإعلان السياسي، بل يتطلب اتفاقاً واضحاً على القيادة والتسليح والانتشار والرتب والمسؤوليات، فضلاً عن تسوية وضع المؤسسات الأمنية والإدارية المحلية.
ويطرح هذا التحول سؤالاً أساسياً بشأن مستقبل الحقوق الكوردية. فإذا كان الدمج العسكري يعني انتهاء وجود قوة مستقلة، فإن ذلك لا يحسم تلقائياً قضايا اللغة والتعليم والتمثيل السياسي والإدارة المحلية والحقوق الثقافية والمدنية.
وقد أظهرت التطورات أن هذه الحقوق تحتاج إلى معالجة سياسية وقانونية مستقلة عن الترتيبات العسكرية، حتى لا تصبح رهينة لتوازنات القوة أو لتغير مواقف الأطراف.
أما فيما يتعلق بإسرائيل، فلا تقدم المصادر العلنية التي تستند إليها هذه الورقة دليلاً كافياً على تدخل عسكري إسرائيلي لحماية قسد خلال تراجعها الميداني، أو على وجود ضمانة إسرائيلية ثابتة لمستقبلها السياسي. ولا يثبت غياب دليل علني عدم وجود أي اتصال غير معلن، لكنه يمنع التعامل مع فرضية الحماية الإسرائيلية بوصفها حقيقة مؤكدة.
والاستنتاج الأهم هو أن مستقبل الكورد في سوريا لا يمكن ضمانه بالاعتماد على التوازنات العسكرية وحدها. فاستدامة الحقوق تتطلب ترتيبات قانونية واضحة، وتمثيلاً سياسياً حقيقياً، وآليات تنفيذ ورقابة، وضمانات تمنع إفراغ الاتفاقات من مضمونها.
رابعاً: استفتاء إقليم كوردستان عام 2017 – التأييد السياسي ليس ضمانة للاستقلال
يمثل استفتاء إقليم كوردستان العراق في أيلول/سبتمبر 2017 تجربة مهمة في دراسة العلاقة بين التأييد الخارجي والمشروعات السياسية الكوردية.
ففي 13 أيلول/سبتمبر 2017، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأييد إسرائيل مساعي الشعب الكوردي لإقامة دولة خاصة به. وجاء هذا الموقف في وقت كانت فيه الحكومة العراقية وتركيا وإيران تعارض الاستفتاء أو تحذر من تداعياته. وقد أشارت التغطية الصحفية المعاصرة إلى أن إسرائيل كانت قد أقامت علاقات عسكرية واستخبارية وتجارية مع أطراف كوردية عراقية منذ عقود. (4)(9)
لكن تأييد الاستقلال لم يكن مصحوباً بضمانات دولية قادرة على تغيير موقف بغداد أو منع التحولات العسكرية التي أعقبت الاستفتاء.
ففي تشرين الأول/أكتوبر 2017، استعادت القوات الاتحادية العراقية السيطرة على كركوك ومناطق متنازع عليها، فيما قضت المحكمة الاتحادية العليا في العراق، في 20 تشرين الثاني/نوفمبر، بعدم دستورية الاستفتاء وببطلان نتائجه. ولم يتحول التصويت إلى استقلال معترف به دولياً. (10)
لا تعني هذه النتيجة أن التأييد الإسرائيلي كان بالضرورة زائفاً، كما لا تسمح وحدها بالحكم على النيات الإسرائيلية. لكنها تظهر أن الموقف السياسي، حتى عندما يصدر عن دولة ذات نفوذ إقليمي، لا يساوي التزاماً بحماية مشروع الاستقلال أو توفير الاعتراف الدولي له.
ويمكن قراءة هذه التجربة في ضوء مفهوم “الهجر” في أدبيات التحالفات، مع مراعاة أن العلاقة لم تكن تحالفاً دفاعياً رسمياً يفرض التزامات محددة على إسرائيل. فقد ظل الفارق قائماً بين التأييد السياسي للمطلب الكوردي وبين الاستعداد لتحمل تكاليف تحقيقه.
والدرس الاستراتيجي هنا لا يقتصر على العلاقة مع إسرائيل، بل يشمل التعامل مع جميع القوى الخارجية: لا ينبغي بناء مشروع سياسي طويل الأمد على افتراض أن الدول ستواصل دعمه عندما تتعارض تكاليفه مع مصالحها الأخرى.
كما أن نجاح أي مشروع سياسي لا يتوقف على التأييد الخارجي وحده، بل يحتاج إلى توافق داخلي، وتقدير دقيق لموازين القوى، وإدارة العلاقات مع الحكومة المركزية والدول المجاورة، وفهم موقف القوى الدولية القادرة على التأثير في النتائج.
خامساً: الحرب على إيران ومخاطر الرهان على الدعم الخارجي
أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 شباط/فبراير 2026، طرح التساؤلات بشأن احتمال توظيف الجماعات الكوردية الإيرانية المعارضة في صراع أوسع ضد طهران.
ففي أوائل آذار/مارس، أفادت تقارير لوكالتي أسوشيتد برس ورويترز بأن جماعات كوردية إيرانية معارضة متمركزة في شمال العراق أجرت اتصالات مع مسؤولين أمريكيين بشأن احتمال القيام بعمليات ضد القوات الإيرانية. وتحدثت بعض الجماعات عن استعدادها للمشاركة في ظروف معينة، بينما أكدت أطراف أخرى أنها لا تخطط لشن هجوم وشيك عبر الحدود. (11)(12)
وفي الوقت نفسه، أبدت قيادات كوردية عراقية حذراً من الانخراط المباشر في الحرب، خشية أن تتعرض أراضي إقليم كوردستان العراق لهجمات إيرانية أو أن يتحول الإقليم إلى ساحة إضافية للصراع.
وتكشف هذه التقارير عن وجود اتصالات ومداولات بشأن احتمال إشراك بعض الجماعات الكوردية الإيرانية في الحرب، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود خطة أمريكية إسرائيلية مشتركة ومتكاملة لتسليح هذه الجماعات أو استخدامها في عملية برية.
ومن الضروري التمييز هنا بين أربعة أمور: الاتصال السياسي، والتشجيع على التحرك، وتقديم الدعم العسكري، والاتفاق على تنفيذ عمليات محددة. فكل مستوى منها يتطلب أدلة مختلفة، ولا يجوز الاستنتاج من وجود أحدها أن المستويات الأخرى قد تحققت تلقائياً.
كما أن استعداد بعض الجماعات للمشاركة لا يعني أن قرار المشاركة اتُخذ، أو أن تلك الجماعات تمتلك القدرات اللازمة لتحقيق أهداف عسكرية واسعة. وقد أظهرت التقارير المنشورة في الأيام الأولى للحرب أن حجم الدور المحتمل للفصائل الكوردية وظروف مشاركتها كانا موضع نقاش، وأن حكومة إقليم كوردستان كانت قلقة من العواقب الأمنية والسياسية لأي تصعيد عبر الحدود. (11)(12)
وتتمثل المعضلة الاستراتيجية في أن القوى المحلية قد ترى في الحرب فرصة لإضعاف خصمها أو تحسين موقعها السياسي، لكنها قد تتحمل كلفة الرد العسكري على أراضيها، في حين تبقى قرارات القوى الكبرى مرتبطة بأهداف أوسع من القضية المحلية.
ولا يكفي ذلك للجزم بأن الجماعات الكوردية استُخدمت فعلياً ضمن خطة عسكرية متكاملة، لكنه يبرز خطورة الدخول في ترتيبات لا تتضح فيها حدود الدعم، وطبيعة الالتزامات، والجهة التي ستتحمل المسؤولية عند تغير الظروف.
ومن منظور نظرية التحالفات، يمكن أن تنشأ مخاطر الهجر عندما يتراجع الشريك الخارجي عن التزاماته، ومخاطر التوريط عندما تجد الجماعة المحلية نفسها أمام مواجهة تتجاوز قدرتها على التحكم في نتائجها. غير أن تحديد وقوع أي من الحالتين في هذه الحرب يتطلب أدلة أكثر تحديداً من مجرد وجود اتصالات أو تصريحات سياسية.
والنتيجة التي يمكن استخلاصها بثقة أكبر هي أن أي تعاون خارجي يحتاج إلى تقدير واقعي للقدرات والمخاطر، وإلى وضوح بشأن الأهداف والالتزامات، وإلى حساب العواقب التي قد يتحملها السكان والمناطق التي تنطلق منها العمليات.
سادساً: مسار السلام في تركيا – هل تتغير معادلة الملف الكوردي؟
لا يمكن تحليل التنافس التركي الإسرائيلي في علاقته بالقضية الكوردية من دون النظر إلى التطورات الداخلية في تركيا، ولا سيما مسار السلام المتعلق بحزب العمال الكوردستاني ونزع السلاح وإعادة دمج الأفراد.
ففي 18 شباط/فبراير 2026، أقرت لجنة برلمانية تركية تقريراً يتضمن خريطة طريق للإصلاحات القانونية المرتبطة بنزع سلاح الحزب. وتناول التقرير مقترحات بشأن الإصلاح القانوني، والضمانات القضائية، وإعادة دمج المقاتلين السابقين، مع استمرار الخلافات بشأن طبيعة المعالجة السياسية الأوسع للقضية الكوردية. (13)
وفي آب/أغسطس، قدم التحالف الحاكم مشروع قانون يهدف إلى وضع إطار قانوني لعودة بعض أعضاء الحزب السابقين وإعادة دمجهم، وفق شروط تتصل بنزع السلاح وطبيعة الجرائم المنسوبة إلى الأفراد. ويشير ذلك إلى انتقال المسار من المبادرات السياسية العامة إلى محاولة وضع آليات قانونية للتنفيذ. (14)
لكن ينبغي التمييز بين نزع السلاح، وإعادة دمج الأفراد، وتسوية المطالب السياسية والثقافية. فقد يحقق المسار الأمني تقدماً في خفض العنف، من دون أن يؤدي تلقائياً إلى معالجة قضايا الحقوق والتمثيل السياسي والحريات العامة.
كما أن إقرار التشريعات لا يضمن نجاحها وحده؛ إذ يتوقف ذلك على طريقة تطبيقها، ومواقف المؤسسات الأمنية والقضائية، واستعداد الأطراف السياسية لمواصلة المسار، ومدى بناء الثقة بين الدولة والمجتمع الكوردي.
وعلى المستوى الإقليمي، يرتبط الملف التركي بالتطورات في شمال سوريا، لأن أنقرة تنظر إلى البنية العسكرية الكوردية هناك من زاوية أمنها الحدودي وعلاقتها بحزب العمال الكوردستاني. ولهذا، فإن أي تقدم في المسار الداخلي قد يؤثر في حسابات تركيا تجاه سوريا، كما أن الانتكاسات الميدانية والسياسية في سوريا قد تنعكس على الثقة بالمسار التركي.
ومع ذلك، سيكون من السابق لأوانه اعتبار هذه التطورات دليلاً على انتهاء قدرة الأطراف الخارجية على التأثير في الملف الكوردي داخل تركيا. فالنتيجة ستتوقف على مدى نجاح المسار في التحول من إجراءات أمنية وتشريعية إلى تسوية سياسية أكثر استدامة.
والأدق، إذن، ألا يُنظر إلى سياسة أنقرة تجاه الكورد باعتبارها ثابتة لا تتغير، ولا أن يُفترض أن بدء مسار السلام يعني حدوث تحول نهائي. فالمعيار الحقيقي هو ما إذا كانت المبادرات والتشريعات ستترجم إلى حقوق قابلة للتطبيق، ومؤسسات أكثر شمولاً، وانخفاض مستدام في العنف.
سابعاً: هل توجد خطة لخلط الأوراق؟ ما الذي تثبته الأدلة؟
تتكرر في النقاشات السياسية فرضية أن التنافس التركي الإسرائيلي قد يكون جزءاً من خطة أوسع لاستخدام القضية الكوردية في صراعات إقليمية. لكن تقييم هذه الفرضية يتطلب الفصل بين ما هو ممكن نظرياً، وما تدعمه الأدلة فعلياً.
فوجود مصالح مشتركة بين طرفين في مواجهة خصم لا يعني بالضرورة أنهما نسقا جميع تحركاتهما. كما أن وجود اتصالات بين مسؤولين وجماعات محلية لا يثبت وحده أن تلك الاتصالات جزء من خطة عسكرية مشتركة.
ولإثبات وجود خطة منسقة، ينبغي البحث عن أدلة محددة، مثل وثائق موثوقة بشأن تسليح جماعات بعينها، أو معلومات مستقلة ومتقاطعة عن تنسيق عملياتي، أو التزامات سياسية وأمنية معلنة يمكن التحقق من تنفيذها. أما التصريحات العامة أو التقارير التي تعتمد على مصادر مجهلة، فينبغي التعامل معها بحذر، خصوصاً عندما تتعلق بخطط عسكرية سرية.
وتقدم التطورات السورية خلال عام 2026 اختباراً مهماً لهذه الفرضية. فقد تراجعت السيطرة الميدانية لقسد، ثم أُعلن دمجها في القوات والمؤسسات السورية، من دون أن تظهر في المصادر العلنية التي تستند إليها هذه الورقة أدلة كافية على تدخل إسرائيلي عسكري لحمايتها. وهذا لا يثبت عدم وجود أي اتصال غير معلن، لكنه لا يسمح بالقول إن إسرائيل كانت ملتزمة بحماية قسد أو إن هناك خطة إسرائيلية ثابتة لضمان استمرار استقلالها العسكري.
أما الحرب على إيران، فتثبت التقارير وجود اتصالات بين مسؤولين أمريكيين وبعض الجماعات الكوردية الإيرانية بشأن احتمال المشاركة في الحرب، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود خطة إسرائيلية أمريكية متكاملة لتوظيف هذه الجماعات. (11)(12)
ومن ثم، فإن التفسير الأكثر اتزاناً هو أن التنافس التركي الإسرائيلي يخلق تقاطعات مصالح متغيرة، قد تؤثر في خيارات القوى الكوردية، لكنه لا يثبت بمفرده وجود خطة موحدة لتوظيف القضية الكوردية.
كما أن الولايات المتحدة تظل عاملاً رئيسياً في هذه المعادلة، بحكم دورها في سوريا، وعلاقاتها بتركيا وإسرائيل، وتأثيرها في الجماعات التي تعاونت معها في مراحل مختلفة. لكن ذلك لا يعني أن واشنطن تتحكم وحدها بجميع النتائج، أو أن القوى المحلية عاجزة عن التأثير في مساراتها.
والأهم هو ألا تتحول فرضية “خلط الأوراق” إلى تفسير شامل لكل حدث. فالتنافس الإقليمي قد يكون حقيقياً من دون وجود مؤامرة مشتركة، وقد تستخدم الدول خطاب دعم قضية ما لتحقيق مصالحها، من دون أن تكون مستعدة لتحمل تكاليف تحقيق أهداف تلك القضية.
لذلك، ينبغي أن يبقى الحكم على أي خطة محتملة مرتبطاً بالأدلة القابلة للتحقق، لا بمجرد تزامن الأحداث أو تشابه المصالح.
ثامناً: الاستنتاجات الاستراتيجية للقوى الكوردية
تتيح التطورات السابقة استخلاص مجموعة من الدروس العملية التي تتجاوز تقييم مواقف تركيا وإسرائيل، وتمسّ أسس إدارة العلاقات الخارجية للقوى الكوردية.
أولاً: التمييز بين الساحات الكوردية.
تختلف مصالح إقليم كوردستان العراق عن مصالح الكورد في سوريا وتركيا وإيران. فالإقليم العراقي يرتبط بعلاقات اقتصادية وأمنية مع تركيا، وبعلاقات دستورية ومالية مع بغداد، وبشراكة مع الولايات المتحدة. أما الكورد في سوريا، فيواجهون تحدي تثبيت الحقوق السياسية والثقافية والإدارية ضمن ترتيبات الدولة الجديدة. وترتبط آفاق الكورد في تركيا بنجاح المسار السياسي والقانوني، في حين يواجه الكورد في إيران ظروفاً أمنية وسياسية مختلفة.
وعليه، فإن أي تنسيق كوردي إقليمي ينبغي أن يقوم على فهم الفروق بين هذه الساحات، وتحديد المصالح المشتركة من دون افتراض تطابق الأهداف أو الأدوات.
ثانياً: تحويل المكاسب المؤقتة إلى حقوق مؤسسية.
لا تكفي السيطرة الميدانية أو المشاركة في إدارة محلية لضمان استدامة الحقوق. فالمكاسب تحتاج إلى إطار قانوني واضح، ومؤسسات قادرة على تطبيقه، وآليات مستقلة للرقابة وتسوية النزاعات.
وفي الحالة السورية، ينبغي أن تكون الأولوية لمتابعة تنفيذ التفاهمات المتعلقة بالحقوق المدنية والثقافية واللغوية، والتمثيل السياسي، والإدارة المحلية، ومكانة الكورد في الدستور. فالإعلان السياسي خطوة مهمة، لكنه لا يعادل ضمانة قانونية مكتملة، كما أن النص الدستوري لا يكفي وحده إذا غابت مؤسسات تنفيذه.
ثالثاً: تقييم الدعم الخارجي وفق الالتزامات الفعلية.
ينبغي التمييز بين التصريحات المؤيدة، والعلاقات السياسية، والتعاون الأمني، والضمانات القابلة للتحقق. فلكل مستوى طبيعة مختلفة من الالتزامات والمخاطر.
ولا ينبغي لأي قوة كوردية أن تفترض أن الدعم الذي تتلقاه في مرحلة معينة سيستمر عندما تتغير أولويات الشريك الخارجي. كما ينبغي أن تكون أي ترتيبات أمنية مصحوبة بتقدير واضح للمخاطر التي قد يتحملها السكان والمناطق المحلية.
رابعاً: تجنب الانخراط في صراعات لا تتناسب أهدافها مع القدرات المحلية.
قد تبدو الأزمات الإقليمية فرصة لتحسين الموقع السياسي أو العسكري، لكنها قد تتحول إلى مصدر خسائر عندما تدخل القوى المحلية في مواجهات لا تملك التحكم في توقيتها أو نطاقها أو نهايتها.
وتوضح الاتصالات التي تناولتها التقارير بشأن الجماعات الكوردية الإيرانية خلال الحرب على إيران أهمية التمييز بين الاستعداد السياسي للمشاركة، والقدرة الفعلية على تحقيق الأهداف، ووجود ضمانات واضحة للحماية.
خامساً: تعزيز التنسيق السياسي الكوردي من دون إلغاء خصوصية كل ساحة.
يمكن لتنسيق المواقف بشأن الحقوق الأساسية والتمثيل السياسي وحماية المدنيين والضمانات القانونية أن يعزز القدرة التفاوضية للكورد. لكن التنسيق لا يعني بالضرورة توحيد جميع الأحزاب أو افتراض تطابق مصالحها، بل يتطلب تحديد الحد الأدنى من الأهداف المشتركة، وإدارة الخلافات بطريقة لا تتيح للأطراف الخارجية استغلال الانقسامات.
سادساً: اعتماد معيار واضح لقياس نجاح العلاقات الخارجية.
ينبغي تقييم أي علاقة خارجية وفق سؤال عملي: هل تزيد قدرة القوى الكوردية على اتخاذ القرار المستقل، وتحمي حقوق السكان، وتوسع خيارات التفاوض، أم تجعلها أكثر اعتماداً على طرف واحد؟
فالعلاقة التي توفر مكاسب ظرفية لكنها تزيد مخاطر الهجر أو التوريط قد تكون أقل فائدة على المدى الطويل من علاقة أبطأ، لكنها تتيح بناء مؤسسات وحقوق أكثر استقراراً.
خاتمة: من تقاطع المصالح إلى استقلال القرار
يمثل التنافس التركي الإسرائيلي أحد مظاهر إعادة توزيع النفوذ في الشرق الأوسط، لكنه لا يمكن فهمه بمعزل عن أدوار الولايات المتحدة وسوريا وإيران وبقية القوى الإقليمية. كما أن وجود هذا التنافس لا يعني بالضرورة وجود خطة مشتركة لتوظيف القضية الكوردية، ولا يضمن أن التناقضات بين أنقرة وتل أبيب ستفتح المجال أمام مشروع سياسي كوردي.
وتظهر التطورات السورية خلال عام 2026 أن التحولات الميدانية قد تغير موقع القوى الكوردية بسرعة، وأن مستقبل الحقوق لا يُحسم بالسيطرة العسكرية وحدها. كما تكشف تجربة استفتاء عام 2017 عن الفارق بين التأييد السياسي والاستعداد لتوفير الحماية أو الاعتراف الدولي، فيما تبرز التطورات المرتبطة بالحرب على إيران مخاطر الاعتماد على توقعات غير مضمونة بشأن دعم القوى الكبرى.
ولا تقود هذه الدروس إلى ضرورة الانكفاء عن العلاقات الخارجية، بل إلى إدارتها بواقعية أكبر. فالتعاون مع القوى الإقليمية والدولية قد يتيح فرصاً سياسية ودبلوماسية مهمة، شرط أن يستند إلى تقدير دقيق للمصالح، وفهم واضح لحدود الالتزامات، وقدرة على تحويل المكاسب الظرفية إلى حقوق ومؤسسات مستدامة.
إن القضية الكوردية ليست مجرد ورقة تتحكم بها قوة خارجية واحدة، كما أنها ليست بمنأى عن تأثير التنافس الدولي والإقليمي. إنها قضية سياسية تتفاعل فيها إرادة المجتمعات الكوردية مع موازين القوى والقيود الجغرافية والاقتصادية والأمنية.
ومن هنا، فإن السؤال الأساسي ليس من يؤيد الكورد أو يعارضهم في لحظة معينة، بل ما إذا كانت علاقاتهم الخارجية تعزز قدرتهم على اتخاذ القرار المستقل، وتوفر أساساً أكثر صلابة لحماية حقوقهم.
فالعلاقات الخارجية تصبح فرصة استراتيجية عندما تزيد قدرة الكورد على تقرير خياراتهم، وتصبح خطراً عندما يتحملون كلفة صراعات الآخرين من دون ضمانات واضحة، أو من دون قدرة حقيقية على التأثير في نتائجها.
++++++++++++++++++-&&&
المراجع
[1] Reuters، “Israeli airstrikes hit Syrian airbase, drawing Turkish condemnation”، 18 آب/أغسطس 2026.
[2] Reuters، “Syria, Israel hold US-mediated talks to ease tensions, Syria news agency says”، 23 آب/أغسطس 2026.
[3] Glenn H. Snyder, “The Security Dilemma in Alliance Politics,” World Politics, vol. 36, no. 4, July 1984, pp. 461-495.
[4] Ofra Bengio, “Surprising Ties between Israel and the Kurds,” Middle East Quarterly, vol. 21, no. 3, Summer 2014, pp. 1-12. ويُقرأ هذا المقال بوصفه دراسة للعلاقات التاريخية، مع مراعاة منظور مؤلفته ومصدر نشره.
[5] Al Jazeera، “Syria announces ceasefire agreement with Kurd-led SDF after heavy fighting”، 18 كانون الثاني/يناير 2026.
[6] Al Jazeera، “Kurdish-led SDF agrees integration with Syrian government forces”، 30 كانون الثاني/يناير 2026.
[7] Al Jazeera، “Kurdish-led SDF announces dissolution after merging with Syria’s military”، 25 آب/أغسطس 2026.
[8] Al Jazeera، “Kurdish-led SDF has dissolved, but has Syria really unified its military?”، 26 آب/أغسطس 2026.
[9] Reuters، “Israel endorses independent Kurdish state”، 13 أيلول/سبتمبر 2017.
[10] Reuters، تقرير بشأن حكم المحكمة الاتحادية العليا العراقية بعدم دستورية استفتاء إقليم كوردستان وبطلان نتائجه، 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2017.
[11] Associated Press، “Kurdish dissident groups say they are preparing to join the fight against Iran with US support”، 4 آذار/مارس 2026.
[12] Reuters، “The Kurdish opposition on Iran’s border”، 6 آذار/مارس 2026.
[13] Reuters، “Turkish lawmakers vote report advancing PKK peace process”، 18 شباط/فبراير 2026.
[14] Reuters، “Turkey unveils draft law to reintegrate PKK militants, achieve peace”، 5 آب/أغسطس 2026.
