خديعة الجبال: قصة التحالف العثماني – الكُردي من جالديران 1514 إلى انكسار العهود
الكاتب: حسين قاسم “بيوراسب”
شكلت العلاقة بين الدولة العثمانية والكورد أحد أهم المحاور الجيوسياسية التي أثرت في تاريخ الشرق الأوسط لمأهولية مناطقهم الإستراتيجية (جبال زاگروس والتخوم الشرقية للأناضول). وقد مرت هذه العلاقة بمسار طويل تحول من تحالف استراتيجي قائم على الحكم الذاتي إلى مرحلة الصراع والنقض المباشر للعهود.
أولاً: التحالف العثماني – الكُردي وتأسيس الاتفاق التاريخي (1514 – 1515م)
في بدايات القرن السادس عشر، تصاعد الصراع الإقليمي بين الدولة العثمانية (السنّية) بقيادة السلطان سليم الأول والدولة الصفوية (الشيعية) بقيادة الشاه إسماعيل الصفوي. وكان الإقليم الكُردي يقع جغرافياً في قلب هذا الصراع المباشر.
لعب العالم والسياسي الكُردي إدريس البدليسي دور مهندس التحالف التاريخي العثماني-الكُردي؛ حيث أقنع أمراء الإمارات الكُردية في شرق الأناضول بالتكتل والتحالف مع السلطان سليم الأول ضد النفوذ الصفوي.
اتفاقية ديار بكر (1515م)
تُوج هذا التحالف بعد معركة جالديران (1514م) بعقد اتفاق مكتوب يُعرف بـ اتفاقية ديار بكر (1515م) بين السلطان سليم الأول وأمراء الكورد عبر الوسيط إدريس البدليسي. وتضمنت البنود الأساسية التالية:
- الحكم الذاتي المفتوح: اعتراف الباب العالي بوراثة الأمراء الكورد لإماراتهم ومناطقهم، وحقهم في إدارتها داخلياً وتطبيق قوانينهم المحلية دون تدخل عثماني مباشر.
- الدعم العسكري المتبادل: التزام الإمارات الكوردية بتوفير المقاتلين والفرسان لحماية الحدود الشرقية للدولة العثمانية وإسناد جيوشها وقت الحرب.
- الإعفاء والتسهيلات: إعفاء أجزاء واسعة من الأراضي الكُردية من الضرائب المركزية المباشرة مقابل تأمين الثغور الجبلية الوعرة.
ثانياً: تفسير وتعلِيل دور الكُرد في استقرار وتمدد الدولة العثمانية
يعود الدور الحاسم الذي لعبه الكورد في التاريخ العثماني إلى عدة عوامل جيوسياسية وعسكرية:
- صمام الأمان على الجبهة الشرقية:شكلت الجبال والتضاريس الكوردية حائط دفاع طبيعي منع التمدد الصفوي القادم من الشرق نحو الأناضول والشام والعراق. وبدلاً من إرهاق الجيش العثماني في حروب استنزاف جبلية، حوّل التحالف القوات الكوردية إلى حارس دائم للحدود الشرقية.
- الخبرة العسكرية والتضاريس الوعرة:تميزت الفرسان العشائرية الكوردية بخبرتها العالية في حروب الجبال والكر والفر، وهو ما احتاجه العثمانيون لإسناد قواتهم الإنكشارية في الحروب ضد الصفويين والروس لاحقاً.
- توفير خطوط الإمداد وتأمين العمق:سَمَح استقرار الإقليم الكوردي للدولة العثمانية بتأمين خطوط المواصلات والإمداد العسكري المتجهة نحو الشام ومصر خلال الحملات العثمانية الكبرى (مثل معركة مرج دابق 1516م).
ثالثاً: كيف نقض العثمانيون اتفاقهم مع الكورد؟
استمر صيغة الحكم الذاتي شبه المستقل للإمارات الكردية لأكثر من ثلاثة قرون، لكن التغيرات الهيكلية التي شهدتها الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر أدت إلى إلغاء هذا الاتفاق تماماً.
1. مرحلة “التنظيمات” والمركزية الشديدة (1839م)
في القرن التاسع عشر، وبعد تعرض الدولة العثمانية لهزائم متتالية وضغوط من القوى الأوروبية، اتجه السلاطين (ولا سيما السلطان محمود الثاني والسلطان عبد المجيد الأول) نحو إصلاحات إدارية عُرفت بـ حركة التنظيمات.
- نقض العهد: قضت هذه السياسة بإلغاء كل أشكال الإدارات الذاتية والإمارات المحلية في الولاية، وفرض سيطرة مركزية مطلقة تُدار عبر ولاة تُعينهم إسطنبول مباشرة.
2. المواجهة العسكرية وإنهاء الإمارات الكردية
لم يتقبل الأمراء الكورد إلغاء اتفاقية 1515 والتجرد من صلاحياتهم، مما أدى إلى اندلاع ثورات كردية دفاعاً عن كياناتهم، أبرزها:
- ثورة الأمير بدرخان بك (إمارة بوتان – 1847م): أرسل الباب العالي حملات عسكرية عثمانية ضخمة أدت إلى القضاء على الإمارة ونفي بدرخان بك.
- إسقاط إمارة بابان وسوران: تم إنهاء أخير الكيانات الكوردية ذات الحكم الذاتي بحلول منتصف القرن التاسع عشر، وتم إلحاق أراضيها بالولايات العثمانية المباشرة (مثل ولاية الموصل وديار بكر).
3. سياسة “فرق تسد” وتفتيت البنية العشائرية
بعد القضاء على الإدارات المدنية للأمراء، استخدم العثمانيون سياسات لتقسيم النفوذ المحلي، مثل إنشاء “الفرسان الحميدية” في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1891م) لتجنيد بعض العشائر الكردية لصالح السلطة المركزية، مما تسبب في إشعال الخلافات والنزاعات الداخلية بين المكونات الإقليمية.
انتقل الدور الكوردي من حليف استراتيجي برتبة حكم ذاتي ساهم في بناء الجدار الشرقي للإمبراطورية، إلى خاضع لسياسة المركزية العثمانية الصارمة في القرن التاسع عشر بعد إلغاء الاتفاقيات التاريخية وتفكيك إماراتهم بالقوة العسكرية.
العبرة والدروس المستفادة من التحالفات التاريخية والنتيجة المخيبة للآمال
تُقدّم تجربة التحالفات التاريخية بين الكرد والدولة العثمانية درساً جيوسياسياً بليغاً في تاريخ العلاقات بين القوميات والإمبراطوريات؛ إذ تكشف كيف تحول تحالف استراتيجي امتد لقرون إلى خيبة أمل سياسية وتجريد كامل من الحقوق مع تغيّر موازين القوى.
1. العِبَر والدروس الأساسية
- الوعود الشفهية والاتفاقات التاريخية لا تصمد أمام تغير المصالح: كانت اتفاقية 1515م قائمة على ميزان قوى لحاجة العثمانيين لحماية حدودهم الشرقية. وبمجرد أن تتغير الظروف والسياسات الداخلية للإمبراطوريات، تصبح المعاهدات التاريخية عرضة للإلغاء ما لم تكن محمية بقوة سياسية ومؤسسية مستدامة.
- خطورة غياب الرؤية الموحدة وتشتت القوة: توزع النفوذ الكوردي بين إمارات وعشائر متعددة منع بناء كيان سياسي موحد قادر على التماسك والتفاوض كقوة ندية ند بوند أمام السلطة المركزية، مما يسهل على الدولة استخدام سياسة “فرق تسد” وتفكيك هذه الكيانات فرادى.
- تأثير المفهوم الحديث للدولة المركزية: تبيّن التجربة أن التحولات الهيكلية للأنظمة (مثل تحول العثمانيين من نظام الإدارات الذاتية والمقاطعات العشائرية في القرن 16 إلى مفهوم “الدولة القومية المركزية” في القرن 19) تضحي دائماً بالإدارات المحلية والتعددية الثقافية لصالح فرض الهيمنة المركزية.
2. النتيجة المخيبة للآمال
تجلت خيبة الأمل الكوردية في ختام العهد العثماني وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى من خلال عدة مظاهر:
- فقدان الحكم الذاتي والمكاسب التاريخية: بعد أكثر من 300 عام من تضحيات الفرسان والمقاتلين الكورد لحماية الثغور الشرقية للإمبراطورية العثمانية، انتهى المَطاف بتفكيك كافة الإمارات الكُردية وإلغاء استقلالها الذاتي.
- الخروج صفر اليدين من خريطة المنطقة: في الوقت الذي دافعت فيه المكونات المختلفة عن حدود الدولة (كما في معركة جناق قلعة وملاذ كرد)، أدى انهيار الدولة العثمانية وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط عبر معاهدات السيفير (1920) ثم لوزان (1923) إلى تقسيم الأراضي الكوردية بين عدة دول حديثة دون منحهم حق تقرير المصير أو الاعتراف بكيانهم السياسي.
- التحول من الشراكة إلى التهميش: تحول الكورد من “شركاء حلفاء” في حماية الإمبراطورية إلى مكون مضغوط عليه سياسياً وثقافياً تحت مظلة سياسات التتريك والتجميع المركزي التي انتشرت في أواخر عهد الدولة العثمانية وبدايات الجمهورية الحديثة.
__________________________________________________
أولاً: المصادر التاريخية الكلاسيكية والمحلية
- شرفنامة (تاريخ الدول والإمارات الكردية):
- المؤلف: الأمير شرف خان البدليسي (توفي 1603م).
- الأهمية: المرجع الأساسي الأول المكتوب في القرن السادس عشر، والذي يدون تفاصيل التفاهمات بين إدريس البدليسي والسلطان سليم الأول وتأسيس الإمارات الكُردية.
- خلاصة تاريخ الكرد وكردستان:
- المؤلف: المؤرخ محمد أمين زكي بك (القاهرة، 1936م).
- الأهمية: دراسة تاريخية موسعة ومستندة للوثائق العثمانية والمحلية حول نشأة وسقوط الإمارات الكُردية.
- منشآت الملوك والسلاطين:
- المؤلف: أحمد فريدون بك (مخطوط تاريخي عثماني).
- الأهمية: يتضمن الرسائل المتبادلة والفرمانات السلطانية الصادرة من السلطان سليم الأول إلى أمراء الكورد.
ثانياً: المراجع التاريخية الأكاديمية العربية
- تاريخ العلاقات العثمانية الإيرانية (الحرب والسلام بين العثمانيين والصفويين):
- المؤلف: د. عباس إسماعيل صباغ (دار النفائس، بيروت، 1999م).
- الأهمية: يتناول بالتفصيل معركة جالديران والدور الاستراتيجي للأكراد في الجبهة الشرقية.
- موسوعة تاريخ إيران السياسي (الجزء الثالث):
- المؤلف: د. حسن كريم الجاف (الدار العربية للموسوعات، 2008م).
- الأهمية: يوثق تحول ولاء العشائر الكوردية من الصفويين إلى العثمانيين وأثره في حسم المعارك.
- الكرد وكردستان في الوثائق البريطانية:
- المؤلف: د. وليد حمدي (دراسة وثائقية تاريخية).
- الأهمية: يستعرض تقارير الدبلوماسيين والرحالة الغربيين حول إنهاء الإمارات الكوردية في القرن 19 ومراحل ما بعد انهيار الدولة العثمانية ومعاهدتي سيفر ولوزان.
ثالثاً: المراجع الغربية
- The Kurds: A Concise Handbook
- المؤلف: Mehrdad R. Izady (Taylor & Francis, 1992)
- الأهمية: يشرح التحولات الجيوسياسية في كوردستان خلال العهد العثماني وسياسات المركزية العثمانية في القرن التاسع عشر.
- A Modern History of the Kurds
- المؤلف: David McDowall (I.B. Tauris, 2004)
- الأهمية: يُعد من أشمل المراجع الحديثة التي تناولت تفكيك الإمارات الكُردية وثورات بدرخان بك وسقوط نظام الحكم الذاتي.
- Ottoman Empire and Its Heritage / History of the Ottoman Empire
- المؤلف: Stanford J. Shaw & Ezel Kural Shaw (Cambridge University Press)
- الأهمية: يقدم الرؤية الرسمية لتاريخ الدولة العثمانية وتطبيق حركة “التنظيمات” والإصلاحات الإدارية المركزية.
