حين يُسرق الحذاء في بيت الله… تُفضَح الأخلاق وتسقط كل أوهام الحضارة
الكاتب: حسين قاسم( بيوراسب)
الحضارة ليست نسباً يُتوارث، ولا ألقاباً تُعلّق، ولا تاريخاً يُروى، بل هي سلوك يومي يثبت نفسه حين لا يراك أحد. كثيرون جاؤوا من سعير والحجاز ونجد بعد انهيار سد مأرب، وانتشروا في بوادي فارس والشام، وهذا تاريخ لا يُلام عليه أحد، لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول التاريخ إلى ادعاء حضارة بلا أخلاق. فمن عاش في البادية لا يصبح حضرياً لمجرد أنه انتقل إلى مدينة، ولا يصبح صاحب حضارة لمجرد أنه بنى بيتاً أو فتح سوقاً، فالحضارة تُقاس بالأمانة قبل العمارة، وبالصدق قبل الواجهة، وبالضمير قبل الشعار.
في أربيل، حين يحين وقت الصلاة، يغلق الناس أبواب قلوبهم ويتركون أبواب متاجرهم مفتوحة، الأموال مكشوفة، البضائع أمام الجميع، ثم يذهبون إلى المسجد مطمئنين. هذا ليس لأنهم أغنى، ولا لأنهم أقوى، بل لأن الأخلاق هناك قانون غير مكتوب، ولأن المجتمع يطبّق ما نبه عليه الإسلام قبل أن يطبّقه الشرطي. هذا هو جوهر الحضارة: أن تكون الأخلاق جزءاً من الهواء الذي يتنفسه الناس، لا شعاراً يرفعونه في المناسبات.
أما في مدن سورية كثيرة، يدخل حتى إمام المسجد وهو ينظر إلى حذائه خشية السرقة. هذا ليس اختلافاً في الدين، فالدين واحد، بل اختلاف في الضمير. حين يخشى الإنسان على حذائه في بيت الله، فهذه ليست مشكلة فقر، بل مشكلة انهيار أخلاقي. الحضارة لا تُقاس بعدد المساجد، بل بما يحدث عند أبوابها. المدينة التي لا تأمن فيها على حذائك، لن تأمن فيها على مالك، ولن تأمن فيها على حقك، ولن تأمن فيها على مستقبل أولادك.
التفنيد هنا واضح:
من يزعم أنه حضري بينما سلوكه يناقض أبسط قواعد الأخلاق، فهو لا يملك حضارة، بل يملك قشرة حضارية تخفي بداخلها خواءً كبيراً. الحضارة ليست لهجة ولا لباساً ولا نسباً، بل هي:
- أمانة في البيع والشراء
- صدق في القول
- حياء في التعامل
- احترام للمال العام والخاص
- خوف من الله حين لا يراك أحد
من لا يملك هذه القيم، لا يستطيع أن يصف نفسه بالحضارة مهما بنى من مدن أو كتب من أشعار. الحضارة تُرى في السوق أكثر مما تُرى في المتحف، وتُقاس في لحظة امتحان أخلاقي لا في لحظة خطاب. الشعوب التي تُحسن التعامل مع المال المكشوف، ومع الضعيف، ومع الغريب، هي الشعوب التي تستحق لقب “حضر”. أما من يرفع شعار الحضارة وهو لا يملك من أخلاقها شيئاً، فهو يعيش وهماً يجب أن يواجهه.
الأخلاق هي الجدار الأخير قبل سقوط الأمم، فإذا انهار هذا الجدار، انهارت معه كل الأبنية مهما ارتفعت. من لا يحترم مال الناس لا يحترم نفسه، ومن لا يخشى الله في السر لا يبني حضارة في العلن. الحضارة ليست ما نقوله عن أنفسنا، بل ما يشهد به سلوكنا حين لا ننتبه أننا مراقَبون.
