الكورد بين جذورٍ ضاربة وحاضرٍ يُراد له النسيان
منذ بدايات القرن العشرين، لعب الكورد دورًا محوريًا في تشكيل الدولة السورية الحديثة، ليس فقط ككتلة سكانية أصيلة تمتد جذورها إلى الهورويين والميتانيين في زاغروس وطوروس وأمانوس، بل أيضًا كفاعلين سياسيين وصلوا إلى أعلى هرم السلطة في البلاد. بعد عام 1920، تولّى الحكم في سوريا ستة رجال من أصول كوردية: محمد علي العابد، عطا الأيوبي، حسني الزعيم، اديب الشيشكلي، وفوزي السلو، ومحسن البرازي. هؤلاء لم يكونوا هامشيين في التاريخ السوري، بل كانوا في قلب القرار، وفي عهدهم شهدت سوريا استقرارًا اقتصاديًا نسبيًا، وازدهارًا عمرانيًا وسياحيًا، وكانت دمشق وحلب تتزينان بخطوط الترام الحديدية في وقت كانت دول كثيرة ما تزال تختزن الكهرباء وتعيش بدايات التحديث.
كان ذلك نتاجًا لمرحلة سياسية كانت فيها سوريا دولة ناشئة، تعتمد على النخب المتعلمة، وعلى رجال الإدارة العثمانية السابقين، وعلى الشخصيات القادرة على إدارة الدولة بغض النظر عن قوميتها. لم يكن الحكم ديمقراطيًا بالمعنى الحديث، لكنه كان قائمًا على توازنات اجتماعية وسياسية جعلت وصول الكورد إلى الرئاسة ورئاسة الوزراء أمرًا طبيعيًا في تلك المرحلة.
ورغم هذا التاريخ، تظهر اليوم روايات تقلل من حجم الكورد في سوريا، وتدّعي أنهم لا يتجاوزون ثلاثة ملايين. الحقيقة أن سوريا لم تُجرِ أي إحصاء قومي منذ أكثر من مئة عام، ولم يكن هناك يومًا تعداد رسمي يحدد عدد الكورد أو غيرهم. فمن أين جاءت هذه الأرقام؟ إنها تقديرات سياسية أكثر منها ديموغرافية، تُستخدم في سياقات الصراع على الهوية والسلطة. الواقع السياسي يشير إلى أن الكورد يشكلون ما بين 2.3 إلى 2.6 مليون نسمة قبل الحرب، موزعين في الجزيرة، كوباني، عفرين، دمشق، وحلب، وهي أرقام منطقية ومتسقة مع حجم التجمعات الكردية التاريخية.، طبعا هذه الارقام ليست حقيقية.
إن غياب الإحصاء الشامل هو أصل المشكلة. فلا يمكن بناء دولة عادلة دون معرفة دقيقة بتكوينها السكاني. الحل يبدأ بإجراء إحصاء شامل ومحايد، يحدد نسب المكونات القومية والدينية، ثم تُبنى عليه حصص التمثيل السياسي في مجلس الشعب، بحيث يحصل كل مكوّن على تمثيله الحقيقي. بعد ذلك، يُكتب دستور جديد يشارك فيه الجميع، ويُطرح للاستفتاء الشعبي، ليكون عقدًا اجتماعيًا جامعًا لا يقصي أحدًا.
لكن لماذا يظهر الإقصاء؟ ولماذا يشعر الكورد بأنهم يُعاملون كغرباء؟
السبب يعود إلى سرديات قومية عربية نشأت في منتصف القرن العشرين، ربطت الهوية السورية بالعروبة وحدها، رغم أن سوريا كانت عبر التاريخ فسيفساء من الشعوب: هورويين، ميتانيين، آراميين، آشوريين، كورد، سريان، عرب، أرمن، شركس، وغيرهم. الكورد ليسوا وافدين، بل هم من أقدم الشعوب التي سكنت شمالي سوريا، قبل الآراميين والآشوريين، وقبل كل موجات الهجرة اللاحقة. ومع ذلك، تُستخدم اليوم روايات سياسية لتصويرهم كطارئين، بينما الحقيقة التاريخية تقول إنهم جزء أصيل من جغرافيا زاغروس–أمانوس منذ آلاف السنين.
إن بناء سوريا المستقبل لا يمكن أن يتم عبر الإلغاء أو الإنكار، بل عبر الاعتراف المتبادل. فالدولة التي تُقصي جزءًا من شعبها تفقد توازنها، والدولة التي تعترف بكل مكوناتها تكتسب قوتها. الكورد ليسوا أقلية طارئة، بل جزء من تاريخ سوريا، من رئاستها، من جيشها، من اقتصادها، ومن نسيجها الاجتماعي. والعدالة تبدأ من الحقيقة، والحقيقة تبدأ من الإحصاء، والإحصاء يقود إلى تمثيل، والتمثيل يقود إلى دستور، والدستور يقود إلى دولة يشعر فيها الجميع أنهم شركاء لا ضيوف.
هذه اذا كانت للحقيقة مكانا .
في كل حال الكوردي هو حتما كوردستاني ولا تهمه نتائج انتخابات سوريا او غيرها، لكن الانكار والاقصاء من دون وجه حق هو الذي يسود فقط.
