أخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةمقالات

تراكم الانتهاكات وتعثر عودة المهجّرين: هل ينزلق السلم الأهلي في سوريا إلى اختبار جديد؟

تتزايد المخاوف بشأن مستقبل السلم الأهلي والتضامن المجتمعي في شمال وشرق سوريا، مع تصاعد التوترات والأحداث الأمنية الأخيرة في تشرين الأول 2026. إن المشهد المعقد الناتج عن تكرار الاعتداءات على المدنيين، وتعثر عودة المهجّرين قسراً، وبطء مسارات العدالة الانتقالية، يطرح تساؤلات مصيرية حول مدى قدرة المنطقة على احتواء هذه الأزمات ومنع تحول الانزلاقات الأمنية إلى صراع أهلي واسع النطاق.

أولاً: واقع التوترات الأمنية وتراكم الانتهاكات

شهدت مدينة الحسكة ومناطق متفرقة أحداثاً متسارعة، بدءاً من الاعتداءات التي طالت رموزاً ثقافية وقومية كردية مطلع الشهر، وصولاً إلى الأحداث البارزة في 26 تشرين الأول، حيث تعرضت عائلات كردية مهجّرة لاعتداءات صارخة أثناء محاولتها العودة إلى ديارها في “كري سبي” (تل أبيض).

هذه الأحداث، التي ترافق معها تحريض قومي وتخريب للممتلكات، تُبرز هشاشة الوضع الأمني وتكشف عن أزمة عميقة في فرض سيادة القانون وحماية الفئات الأكثر هشاشة. ومع تسجيل المرصد السوري مئات الجرائم والانتهاكات منذ بداية العام، يتضح أن الاستقرار لن يكتمل دون مواجهة حقيقية لأسباب الاحتقان والمظالم المسكوت عنها.

ثانياً: دور الأحزاب الكردية ومسؤوليتها في تعميق الأزمة

لا يمكن تفكيك المشهد دون قراءة نقدية صريحة لدور الأحزاب والقوى السياسية الكردية؛ إذ ساهم الانقسام السياسي الحاد والتجاذبات الأيديولوجية بين الكتل الكردية المختلفة في شلل القدرة على صياغة مشروع قومي ووطني جامع.

  1. الارتهان لأجندات حزبية ضيقة: تغليب المصالح الحزبية على المصلحة الوطنية العامة للمكون الكردي والمكونات المجاورة أضعف الجبهة الداخلية وأفقَد الشارع الثقة بالمؤسسات السياسية.
  2. الاستقطاب الإعلامي والسياسي: بدلاً من تهدئة الشارع وتبني الخطاب العقلاني الجامع، ساهمت بعض الخطابات الحزبية المتشنجة في تعميق الشروخ مع المكونات الأخرى (العرب، السريان، الآشور)، مما جعل أي حادثة فردية عرضة للانفجار والتأويل القومي.
  3. العجز عن توفير الحماية والحلول الناجزة: ظهرت هذه الأحزاب في حالة عجز عن فرض ضمانات حقيقية لعودة المهجّرين أو تقديم نموذج حوكمة متماسك يمنع اختراق الأمن السلمي، وهو ما فتح المجال أمام الشائعات والاستغلال الخارجي.

ثالثاً: التكهنات بصدد الحرب الأهلية وآفاقها

إن استمرار الاحتقان القومي والمجتمعي وسط انتشار السلاح وغياب الحسم القضائي، يضع المنطقة أمام سيناريوهات خطيرة قد تؤدي إلى انزلاق نحو الاقتتال الداخلي أو الحرب الأهلية.

  • آفاق هذا السيناريو: إن تحول الاحتكاكات الفردية إلى اشتباكات قومية أو عشائرية سيفكك النسيج الاجتماعي المعقد بالكامل، ويقضي على التعايش المشترك الذي صمد لسنوات، كما سيخلق بيئة خصبة لإعادة بعث الخلايا الإرهابية وتوسيع نفوذ قوى الفوضى.
  • سبل الوقاية: من الضروري تفادي هذا المسار عبر تغليب لغة الحوار السريع، وتفعيل العدالة الانتقالية الشفافة، وتجريم الخطاب التحريضي من أي طرف كان دون محاباة.

رابعاً: الدور التركي وأثره المباشر على التطورات

تشكل التمددات والمخططات العسكرية التركية العائق الأكبر أمام تحقيق الاستقرار في المنطقة:

  • الهندسة الديمغرافية: يمثل الوجود العسكري التركي والفصائل الموالية له في مناطق مثل “كري سبي” و”سري كانيه” العائق الأساسي أمام عودة المهجّرين، عبر فرض سياسات التغيير الديمغرافي واستبدال السكان الأصليين.
  • إدامة حالة التوتر: تعتمد الأجندة الإقليمية لتركيا على استمرار عدم الاستقرار وإذكاء الصراعات المكوناتية لمنع تشكل أي كيان مستقر أو تفاهمات وطنية سورية على حدودها الجنوبية.
  • إغلاق المعابر وتأجيل القوافل: إن عرقلة القافلة السابعة لعودة المهجّرين التي كانت مقررة في 27 تشرين الأول تعكس حجم الضغوط والعرقلة المباشرة لمنع الأهالي من استعادة أرضهم وممتلكاتهم.

خامساً: مأساة “كري سبي” و”سري كانيه”: ضرورة التكاتف والالتفاف الشعبي

إن ما جرى ويجري في “كري سبي/تل أبيض” و”سري كانيه/رأس العين” يتجاوز كونه ملفاً سياسياً إلى قضية إنسانية ووجودية تمس إرادة وصمود شعب بأكمله. إن إشغال المنازل، ومصادرة الممتلكات، واستهداف المهجّرين أثناء محاولتهم العودة، كشف عن حجم المظلمة التي يتعرض لها أهالي هذه المناطق.

واجب المرحلة: الالتفاف حول الشعب وحمايته

  • التلاحم المجتمعي والقومي: لم يعد مقبولاً ترك المهجّرين يواجهون مصيرهم بمفردهم؛ فالواجب الوطني والإنساني يتطلب تلاحم جميع القوى والأحزاب والفعاليات الأهلية للوقوف صفاً واحداً لحماية حقوق المهجّرين والمطالبة بعودتهم الآمنة غير المشروطة.
  • تأمين الحماية الفردية والجماعية: يجب على الإدارة الذاتية والأجهزة الأمنية المعنية تحمّل مسؤوليتها المباشرة في حماية المدنيين والعائدين، وردع أي مجاميع أو عصابات تحاول الاعتداء عليهم.
  • تدويل القضية قانونياً: إبراز ملف الانتهاكات في “كري سبي” و”سري كانيه” أمام المحافل الدولية وصنّاع القرار، والضغط لإنهاء الاحتلال وضمان استعادة الممتلكات برعاية دولية.

إن حماية السلم الأهلي في سوريا ليست خياراً ثانوياً، بل هي الشرط الأساسي للوجود والاستقرار. ولن يتم إبعاد شبح الحرب الأهلية إلا بتحمل الأحزاب الكردية والوطنية لمسؤولياتها التاريخية، وإيقاف الانتهاكات، والتصدي الصارم للمخططات الإقليمية والتركية التي تستهدف النسيج الاجتماعي، مع جعل حماية الشعب وكرامة المهجّرين في كري سبي وسري كانيه بوصلةً أصلية لكافة السياسات والتحركات القادمة.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *