جغرافيا الدموع والهندسة الديموغرافية: رۆژآڤا بين مطرقة الصفقات الكبرى وسندان التغيير الممنهج
بقلم: مروان فلو
مقدمة
على الخريطة المعاصرة لشرق المتوسط، لا تقتصر الجغرافيا على مساحات صماء من التلال والسهول، بل تتحول غالباً إلى كائنات حية تئن تحت وطأة الخطوط المرسومة بالحبر والدم. وحين نترصد بؤر الوجع في الجغرافيا السورية، تتكشف مدينتا تل أبيض (گري سپي) ورأس العين (سه ري كانيه) كجرحين نازفين في خاصرة الوطن، وكشاهدين حيّين على فصول دامية من هندسة ديموغرافية مدروسة تهدف إلى اقتلاع الجذور وتحويل السكان الأصليين إلى لاجئين على أبواب التاريخ والشتات.
إن ما يتعرض له الكورد في هذين المدينتين – عقب عودتهم المتعثرة وتحولهم إلى أسرى حصار خانق وتنكيل ممنهج واغتصاب للسيارات والآليات والممتلكات – ليس مجرد خروقات أمنية عابرة أو تجاوزات لمجموعات خارجة عن القانون، بل هو حلقة مركزية في مشروع استراتيجي طويل الأمد تسعى تركيا من خلاله إلى إقامة “منطقة عازلة” أو شريط فاصل (Buffer State) يعزل بحصر ديموغرافي قسري بين كورد رۆژآڤا وكورد باكور (تركيا)، بما يمنع أي تواصل جغرافي أو قومي مستقبلي.
مسرح الصراعات الدولية وهندسة الإفراغ البشري
إن الطامة الكبرى لا تكمن فقط في بشاعة الانتهاكات، بل في كون هذه الجغرافيا الضيقة قد أُخضعت لتجارب قاسية من تقاطع الصراعات الدولية والإقليمية. فبعيداً عن نظريات المؤامرة المطلقة، يمكن توصيف المشهد بدقة بأنه “تواطؤ مصالح” بين القوى الكبرى والإقليمية، حيث تحولت ديموغرافيا المنطقة ومصائر أهلها إلى مجرد ورقة مساومة رخيصة في بازار الصفقات السياسية الكبرى (بين أستانة وواشنطن وموسكو وأنقرة).
وفي هذا السياق، يبدو المشهد السياسي الكوردي العام مثقوباً بتناقضات مُرة؛ فالانقسام التاريخي والأيديولوجي بين القوى والأحزاب الكوردية عبر الأجزاء المختلفة – بدءاً من حسابات الحزب الديمقراطي الكوردستاني ومروراً بمواقف الاتحاد الوطني الكوردستاني، وصولاً إلى سياسات الإدارة الذاتية (سابقاً)وتحديات حركات شرق كوردستان – حال دون بلورة “مشروع قومي وطني موحد” يقف كالسد المنيع أمام محاولات التفتيت. وفي الوقت الذي تجد فيه قيادة رۆژآڤا نفسها محاصرة بين نيران الاحتلال التركي، ومخالب شريك أمريكي غير مأمون الجانب، وتعنت سياسي مطبق من سلطات دمشق التي تكتفي بالصمت والمتابعة، يبدو المشرق الكوردي مشرعاً على رياح التهميش وكأننا أمام نسخة حديثة لمعادلات “سايكس بيكو” تُعاد صياغتها بأدوات محلية وأقلام إقليمية.
المأزق الأوروبي: رعب الهجرة وازدواجية الرد
ولكن، أبعد من الحدود السورية، تنعكس هذه السياسات صاعقةً مدمرة على الأمن الأوروبي ذاته. إن سياسة التطهير المبطن ودفع السكان إلى الهجرة القسرية والتخلي عن أرضهم التاريخية تصنع بامتياز “مصانع لاجئين” جديدة. وإذا كانت العواصم الأوروبية ترتعد خوفاً من موجات لجوء جديدة تهدد استقرارها الداخلي وتغذي صعود اليمين المتطرف، فإن رد فعلها الرسمي يبدو في غاية التناقض والعجز.
فبدلاً من معالجة أصل الوباء ومواجهة سياسات التغيير الديموغرافي بضغط سياسي واقتصادي حقيقي يوقف هذه الانتهاكات ويضمن العودة الآمنة، تكتفي أوروبا بـ “إدارة الأعراض”؛ فهي تشتري أمنها الحدودي بتمويل المخيمات، وتعقد صفقات الجوار لضبط موجات الهجرة، مكتفيةً بإدانات دبلوماسية باهتة وتقارير حقوقية تُركن في أدراج النسيان. إنها استراتيجية “الاحتواء المالي” التي تفضل إبقاء المأساة في منتصف الطريق على أن تدفع استحقاقات العدالة والكرامة الإنسانية على الأرض.
خاتمة: أرض بلا حماة وإنسان بلا سند
إن ما يجرى في تل أبيض ورأس العين اليوم يختزل مأساة إنسان ضاع بين عنجهية القوة الإقليمية، وصمت دمشق المطبق، وعجز المنظومة الدولية، وتشتت القيادة القومية. وحين يُترك الإنسان الكوردي وحيداً في مواجهة آلة التهجير، فإن التاريخ لا يعيد نفسه فحسب، بل يكتب بمداد من الدم صفحات جديدة من الظلم الجيوسياسي، حيث ترخص الأوطان، وتُستباح الهويات، وتُقايض حقوق الشعوب على موائد المصالح العابرة للحدود.
