مقالات

القوة الوظيفية الكوردية (2/5)الجغرافيا ليست قدرًا: ما تعلّمه الدول الصغيرة لكوردستان

بقلم: مروان فلو

المقال الثاني من خمسة. ينتقل من تجارب الفاعلين الكورد إلى مقارنات دولية، ثم يحوّل الدروس إلى إطار لفهم جغرافيا كوردستان.

أولًا: ثلاث دول بموارد محدودة ونفوذ أكبر من حجمها
لا تمثل هذه الحالات قوالب جاهزة للنقل، فهي دول ذات سيادة كاملة وجيش نظامي ومقعد في الأمم المتحدة، وهي أدوات لا يملكها الكورد بالمعنى الكامل في أي جزء من أجزائهم. لكن المنطق الوظيفي نفسه قابل للاستفادة الجزئية: التخصص المؤسسي في وظيفة لا غنى عنها للآخرين يحوّل الحجم الصغير إلى نفوذ فعلي.
الأردن: الاستقرار بوصفه وظيفة
يقع الأردن في محيط جغرافي حساس تفرض عليه موجات لجوء وضغوطًا مالية وتهديدات أمنية. وقد حوّل هذه الهشاشة إلى أصل استراتيجي بتقديم نفسه باستمرار بوصفه “جزيرة استقرار” تساهم في السلام ومقاومة التطرف، ما منحه دعمًا دبلوماسيًا واقتصاديًا وعسكريًا أمريكيًا وغربيًا على مدى عقود. وتُنظّم هذه العلاقة بمذكرات تفاهم متجددة معلنة، منها مذكرة أمريكية مخصصة لبرامج مرتبطة باستضافة اللاجئين السوريين.
والدرس هنا أن الوظيفة لا تقتصر على البعد العسكري المباشر، بل قد تشمل “امتصاص الصدمات الإقليمية” باستضافة اللاجئين وضبط الحدود. وهذا قريب من دور إقليم كوردستان في استضافة النازحين أثناء الحرب على داعش. لكن الفارق أن الأردن نجح في مأسسة هذا الدور عبر آليات تعاقدية سنوية متجددة، بينما ظل الدور الكوردي أقل تحوّلًا إلى إطار مماثل في الوضوح والاستدامة.
قطر: السيادة عبر الدبلوماسية
دولة صغيرة المساحة في محيط كبير مضطرب، لم تعتمد على القوة الصلبة وحدها، بل تبنت نهج “السيادة من خلال الدبلوماسية”. وارتكز هذا النهج على ركيزتين: بنية تحتية للغاز الطبيعي المسال بُنيت منذ أوائل التسعينات وربطت حاجة الشركاء إلى أمن الطاقة باستقرارها، ووساطة دبلوماسية نشطة في أزمات معقدة مثل أفغانستان ولبنان واليمن والسودان، ما منحها عمقًا سياسيًا ساعدها في مواجهة محاولات العزل في الأزمة الخليجية عام 2017.
والدرس: التخصص الوظيفي لا يقتصر على العمل الأمني، فالدور الدبلوماسي أداة قوة مستقلة بذاتها، وقد يفتح أفقًا لمؤسسات كوردية تؤدي دورًا تيسيريًا محدودًا في ملفات تتقاطع فيها مصالح أطراف متعددة.
سنغافورة: من موقع إلى مركز عالمي
استقلت عن ماليزيا عام 1965 دولةً صغيرة قليلة الموارد الطبيعية، واستثمرت بكثافة في مينائها وخدماتها المالية واللوجستية وتشريعاتها الجاذبة للاستثمار، فتحوّل موقعها عند مضيق ملقا من حقيقة جغرافية إلى أصل اقتصادي يُدار باحترافية مؤسسية. والدرس المباشر: الموقع مهما كانت أهميته لا يتحول إلى قوة إلا باستثمار مؤسسي طويل الأمد.
ثانيًا: حدود الاستعارة
تتمتع الدول الثلاث بسيادة كاملة وجيش نظامي وسياسة خارجية موحدة، وهذه أدوات لا تتوفر للكورد بالمعنى الكامل في أي من الأجزاء الأربعة. وغياب السيادة يفرض جهدًا إضافيًا في بناء المؤسسات والشرعية. وتبقى القيمة التحليلية للمقارنة في أن النفوذ لا يتوقف على حجم الموارد الخام، بل على تحويلها إلى وظيفة يعتمد عليها الآخرون.
ثالثًا: الجغرافيا الكوردية – من منطقة تماس إلى منطقة اتصال
تتقاطع في كوردستان مصالح أربع دول، وتلتقي طرق الطاقة والتجارة، وتتداخل أحواض المياه. وهذا يجعلها مصدر ضعف إذا أُديرت بمنطق الصراع وحده، لكنها تصبح مصدر قوة إذا امتلك الفاعل المحلي مؤسسات مستقرة واقتصادًا منتجًا وشبكة علاقات خارجية متنوعة. ولذلك يتغير السؤال التحليلي من: لماذا جعلت الجغرافيا الكورد عرضة للتدخل؟ إلى: كيف يمكن تحويل هذه الجغرافيا إلى عامل يجعل استقرار الكورد ومصالحهم جزئًا من حسابات المنطقة؟
وتتشابك في المناطق الكوردية ملفات حيوية لكل الجيران: أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، والتجارة، والطاقة، والمياه، والهجرة، والنقل. وكلما توسعت سلسلة الاعتماد المتبادل، صعب على أي طرف التعامل مع استقرار هذه المناطق بوصفه شأنًا هامشيًا.
رابعًا: ثلاثة شروط للنجاح
أولًا: تجنب الصراع الصفري. إذا تعامل الكورد مع الطاقة أو المياه أو الممرات بوصفها أدوات ضغط أو ابتزاز، دفعوا الجيران إلى بناء بدائل تتجاوزهم. القاعدة: اجعل الآخرين يحتاجون إلى استقرارك وتعاونك، لا إلى الخوف منك.
ثانيًا: تعدد الشراكات. إذا أصبحت دولة واحدة هي المنفذ الوحيد أو السوق الوحيد أو الشريك الأمني الحصري، عادت الجغرافيا نقطة تبعية.
ثالثًا: رؤية جغرافية مشتركة. لا تستطيع منطقة استثمار قيمتها الكاملة بمعزل عن جاراتها الكوردية، فالطاقة والمياه والتجارة لا تتوقف عند الحدود الداخلية. ولا يعني ذلك توحيد الحكومات أو الأحزاب، بل تحديد مصالح جغرافية مشتركة يمكن التعاون حولها.
الخلاصة
الغاية الاستراتيجية هي تحويل الموقع من عامل تعرض إلى عامل تأثير، والموارد من ثروة قابلة للاستنزاف إلى أداة لبناء الاعتماد المتبادل.
لم تصنع الجغرافيا وحدها مكانة الأردن، ولا الثروة وحدها مكانة قطر، ولا الموقع وحده مكانة سنغافورة؛ بل صنعتها المؤسسات التي حوّلت كل عنصر إلى وظيفة يعتمد عليها الآخرون.
ملاحظة: معطيات التمويل الأمريكي للأردن وأرقام المذكرات الواردة في المسودة الأصلية حذفتها هنا لحين التحقق منها من مصادرها الأولية.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *