حين تنطق الرمال: أسرار المجموعات المفقودة وذاكرة الكتب المنسية في صحارى كازاخستان
الكاتب:حسين قاسم “بيوراسب”
تُعد العصور الوسطى واحدة من أكثر الفترات صخباً ودموية في تاريخ البشرية، حيث تقاطعت سيوف الغزوات مع إشراقات الفكر والحضارة. وإذا كانت كتب التاريخ قد طالما توقفت مطولاً عند المآسي الكبرى التي رافق اجتياح المغول لحواضر العالم الإسلامي وعاصمتها بغداد سنة 1258م، وما صاحبها من إلقاء لآلاف المجلدات في نهر دجلة حتى أُسيل المداد بدموع الورق، فإن السؤال الأبدي ظل يتردد: أين ذهبت نفائس العلوم والمخطوطات التي جُمعت من قلاع الحشاشين ألموت، ومدن المشرق، وخزائن المعرفة التي حصدتها سنابك الخيل؟
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد ليشمل كنوز ميزوبوتاميا (بلاد الرافدين) وحواضرها العريقة، حيث غتنمت الجيوش المغولية آلاف المجلدات النفيسة والكتب القيّمة في الفلك والرياضيات والطب والعلوم الفلسفية والتاريخية من خزائن بغداد ومدن الرافدين التي مثلت عبر التاريخ مهد الحضارات وخزانة التدوين الإنساني، ليتم نقل هذه الذخائر الثمينة مع ما جُمع من مختلف بقاع المشرق في رحلة طويلة نحو الشمال الشرقي نحو قلاع آسيا الوسطى وسهوب كازاخستان.
صدى القلاع المدمّرة مكتبة ألموت وما وراء الأفق
عندما سقطت قلعة ألموت الحصينة على يد هولاكو خان، لم تكن مجرد معقل سياسي وعسكري لطائفة الإسماعيلية فحسب، كانت واحدة من أهم خزائن الكتب والمراصد العلمية في العالم الإسلامي، والتي ضمت مؤلفات نادرة في الفلك، والفلسفة، والرياضيات، وعلوم الطبيعة، جمعها أساطين الفكر على مدى عقود طويلة. وعلى الرغم من أن المؤرخ العباسي الشهير عطاء ملك الجويني الذي رافق هولاكو وشهد سقوط ألموت قد استُثني وأُمر بإنقاذ بعض المخطوطات والكتب الدينية والفلكية المهمة من الحرق أو التلف، إلا أن جزءاً هائلاً من تلك الكنوز والمكتبات الضخمة ومخطوطات ميزوبوتاميا العريقة تم ترحيلها وتشتيتها نحو الشرق، استجابةً لطبيعة الإمبراطورية المغولية التي كانت تنقل ما تحوزه من نفائس نحو عواصم مراكزها ومقرات إقامتهم وقلاعهم النائية في آسيا الوسطى وسهوب كازاخستان.
الصحراء كخزينة كبرى للذاكرة
تتحول الصحراء في المخيال الإنساني إلى مقبرة للأسرار، وهي في الوقت ذاته حافظة أمينة. إن الحديث عن وجود أو العثور على تجمعات هائلة من المخطوطات والكتب العتيقة في غياهب صحارى كازاخستان التي شكّلت جزءاً رئيسياً من طرق التجارة القديمة ومسارات جيوش الألوس المغولي يعيد إلى الواجهة سيناريو ترحيل الثقافة والمعرفة قسراً عبر طريق الحرير والشتات الثقافي، حيث لم تكن سهوب كازاخستان مجرد مراعٍ جافة، بل كانت جسراً ثقافياً عالمياً يعج بالقوافل والمدن المزدهرة مثل أترار وتورستان، إلى جانب سراديب الحفظ والهروب حيث يعتقد بعض المؤرخين والباحثين أن جزءاً كبيراً من المخطوطات التي نادت بالبقاء نجت من الموت الحتمي أثناء الحملات، فقام العلماء أو المهتمون بتهريبها وإخفائها في كهوف ومغارات أو خزائن محصنة تحت الرمال هرباً من بطش الغزاة، أو أن الإدارات المغولية اللاحقة التي أسلمت وتأثرت بالحضارة الإسلامية لاحقاً في عصور أبناء هولاكو والدولة الإيلخانية قامت بإنشاء مستودعات بعيدة عن الصراعات لحفظ أرشيفات الإمبراطورية.
رمزية الكتاب المحمول على سنابك الخيل
إن تتبع حكاية مئات الآلاف من الكتب والمخطوطات التي جُمعت من الشرق والغرب وميزوبوتاميا لتستقر في صحارى آسيا الوسطى وكازاخستان يجسد صراعاً أزلياً بين قوة الإبادة التي تمثلت في التدمير المادي الحضارات وحرق المكتبات، وقوة البقاء التي تكمن في الورق والحبر؛ فالكلمة المكتوبة ترفض الفناء، وتبقى الرمال حارسة صامتة لتلك الذاكرة حتى يبعثها التاريخ مجدداً من تحت الحجارة والرمال.
تظل صحارى كازاخستان ومناطق آسيا الوسطى صندوق أسرارٍ ضخماً، تخفي بين دجى رمالها شواهد على مرحلة مفصلية التقى فيها الدمار بالمعرفة. وإلى أن تفتح الكشوفات الأثرية الحديثة مزيداً من أبواب هذه الأسرار، تبقى تلك الكتب والمخطوطات المفقودة طيفاً يروي قصة أمةٍ لم تموت حضارتها رغم محاولات وأدها في مهد الصحراء.
