السر المجهول: “أرارات” المسمارية وبصمة الجبل المفقودة في تشكل الشعب الكُردي
الكاتب: حسين قاسم ” بيوراسب”
يقدم التحليل التاريخي التقليدي في منطقة الشرق الأدنى والأوسط، في كثير من الأحيان، قراءات اختزالية تُسقط المفاهيم الوطنية الحديثة على التحولات الديموغرافية القديمة. غير أن التقاطع المعرفي الحديث بين علوم الآثار (Archaeology)، وعلم اللسانيات التاريخية (Historical Linguistics)، والجينوميات السكانية القديمة (Ancient DNA / aDNA) يكشف عن مسار يتجاوز الطرح السائد.
يتناول هذا البحث التفصيلي التكوين التاريخي والبيولوجي لشعوب زاغروس وتوروس، والروابط المؤسسة للهوية والكينونة الكُردية عبر تفكيك أربعة أركان أساسية: إمبراطورية أورارتو، ونمط الانصهار الميدي-الحوري، والدلائل اللغوية والأونومستية، والركائز الوراثية والأنثروبولوجية.
البند الأول: إمبراطورية أورارتو (Urartu) – الهندسة والجغرافيا والدولة الجبلية العظمى
في العصر البرونزي المتأخر والعصر الحديدي (حوالي 860 – 590 قبل الميلاد)، شهدت المرتفعات الممتدة بين بحيرة وان، وبحيرة أورمية، وجبال القوقاز الجنوبية، وشمال الهلال الخصيب نشوء إمبراطورية جبلية عظمى عُرفت في الأرشيف المسماري الآشوري باسم “أورارتو” (Urartu)، وتُرجمت في النصوص العبرية والتلمودية القديمة بـ “أرارات”.
1. البنية اللغوية والحضارية
لم تكن أورارتو كياناً سامياً ولا هندوأوروبياً، بل كانت امتداداً مباشرًا للعائلة اللغوية الحورية-الأورارتية (Hurro-Urartian). تميزت هذه اللغة بنظام إسناد لغوي فريد يُعرف بـ (Ergative-Absolutive Alignment)، وهو نظام لا يتواجد في اللغات السامية أو الإيرانية الحديثة، لكنه ترك أثراً واضحاً في البنية الصوتية والنحوية للغات الجبلية اللاحقة.
[العائلة اللغوية الحورية-الأورارتية]
│
┌─────────────┴─────────────┐
▼ ▼
[اللغة الحورية (الميتانية)] [اللغة الأورارتية (المسمارية)]
2. التفوق الهندسي والمعماري
طور الأورارتيون نظاماً معمارياً وهندسياً مكّنهم من قهر البيئة الجبلية الصعبة، وتجلّى ذلك في:
- شبكات الري الجبلية: إنشاء قنوات مائية صخرية ممتدة لعشرات الكيلومترات، مثل “قناة شاميراف” (Shamiram canal) التي أنشأها الملك أورارتي مينوا (Menua) والتي لا تزال أجزاء منها تعمل حتى اليوم.
- العمارة الصخرية وتكنولوجيا المعادن: تشييد القلاع العتيدة المحفورة في قمم الجبال (مثل قلعة وان وقاعة أربوني)، واحتكار صناعة تعدين الحديد والبرونز التي أثارت ذهول الملوك الآشوريين (كما ورد في حوليات الملك شلمنصر الثالث والملك سارغون الثاني).
3. الصراع مع الهيمنة النهرية
شكلت أورارتو الضلع الأكبر المقاوم للهيمنة الإمبراطورية الآشورية في السهول النهرية. ولم تكن العلاقة مجرد صراع عسكري، بل كانت تفاعلاً حضارياً وتجارياً حدد جغرافيا وتخوم الشرق الأدنى القديم لقرون طويلة.
البند الثاني: ميكانيكية الانصهار: التحول الميدي-الحوري وتشكيل النواة الكُردية
تطرح المنهجية التاريخية السؤال المحوري: كيف التحمت الحضارات الجبلية القديمة (الحورية والأورارتية) مع الهجرات الهندوأوروبية لتشكل النواة الكُردية؟
1. سقوط الإمبراطوريات وانكفاء السكان
مع انهيار الإمبراطورية الآشورية وسقوط عاصمتها نينوى (612 ق.م)، وتفكك الدولة الأورارتية تحت ضربات السكثيين والميديين في القرن السادس قبل الميلاد، لم يتلاشَ السكان الأصليون للمرتفعات، بل انكفأوا داخل ملاذاتهم الجبلية في زاغروس وتوروس.
2. التفاعل الديموغرافي مع الميديين (Medes)
شهدت الهضبة الجبلية تداخل مادتين ديموغرافيتين وثقافيتين:
- المكون الأصيل (Substrate): السكان الحوريون والأورارتيون أصحاب الحضارة الزراعية والعمارة الصخرية والخبرة الجبلية.
- المكون الوافد (Superstrate): القبائل الميدية الإيرانية الشمالية الغربية ذات التنظيم العسكري واللسان الآري.
[المكون الأصيل: الحوريون والأورارتيون] + [المكون الوافد: الاتحاد القبلي الميدي]
│
▼
(عملية الانصهار الجبلي)
│
▼
[تشكل الكينونة واللسان الكردي التاريخي (Northwest Iranian / Hurrian substrate)]
3. النتيجة اللغوية والاجتماعية
أسفر هذا الانصهار عن ولادة اللسان الكُردي بفرعيه الأساسيين (الكرمانجية والسورانية)؛ حيث تبنى السكان اللسان الشمالي الغربي كوعاء للتواصل، بينما صُبت في هذا اللسان القواعد والمفردات والأنماط الصوتية والبنية الإسنادية القادمة من الرصيد الحوري-الأورارتي الأصيل.
البند الثالث: دليل الأونومستيكا (Onomastics) والجغرافيا التاريخية
تعتبر الأونومستيكا — علم دراسة أسماء الأعلام والأماكن — من أدق الأدوات الأركيولوجية لإثبات الاستمرارية الحضارية ودحض فرضيات القطيعة الديموغرافية.
1. الاستمرارية اللفظية لأسماء الأماكن (Toponymy)
تظهر المسوحات الأثرية والمسمارية أن العديد من المصطلحات الجغرافية في منطقة كردستان التاريخية هي امتداد مباشر لنصوص الرُّقُم الطينية الأورارتية والحورية:
- وان (Van): مشتقة مباشرة من الكلمة الأورارتية (Biainili)، وهو الاسم المحتدي الذي أطلقه الأورارتيون على مملكتهم وبحيرتهم المركزية.
- جودي (Mount Judi): ترجع إلى التسميات المسمارية الجبلية القديمة (Qardū / Qardu) المذكورة في الحوليات الآشورية، والتي أشارت إلى الشعوب الجبلية المقاومة للسهول.
- آرارات / أورارتو (Ararat / Urartu): التسمية الجغرافية ذاتها التي ظلت ملتصقة بالمرتفعات ذاتها عبر آلاف السنين.
2. البنية الاسمية للأعلام والأحياء
تحتفظ اللهجات الكُردية بمفردات وأسماء لأدوات زراعية ونباتات وتضاريس جبلية لا يوجد لها أصل في اللغات الإيرانية الشرقية أو السامية، بينما تجد نظائرها المباشرة في القواميس الحورية والأورارتية المستخرجة من لوحات تل حلف، وإبلا، وأوغاريت، وبوغاز كوي.
البند الرابع: الركائز الوراثية والأنثروبولوجية (Population Genomics)
قدمت التطورات الحديثة في استخراج وتحليل الحمض النووي القديم ($aDNA$) من الهياكل العظمية الأثرية في الشرق الأدنى دليلاً بيولوجياً حاسماً حسم الكثير من السجالات الأيديولوجية والتاريخية.
[العينات الجينية القديمة (aDNA)]
│
┌────────────────────────────┴────────────────────────────┐
▼ ▼
[العصر الحجري الحديث: زاغروس (CHG)] [العصر البرونزي: الحوريون وأورارتو]
│ │
└────────────────────────────┬────────────────────────────┘
▼
[النمذجة الجينية السكانية (Admixture Models)]
│
▼
[درجة تقارب واستمرارية عالية لدى المجتمع الكردي الحالي]
1. المكون الجيني الجبلي الأصيل ($CHG / Zagros Neolithic$)
أثبتت الأوراق العلمية الصادرة في الدوريات الدولية مثل Nature وCell وScience أن المكون الجيني الأساسي للمجموعات السكانية في زاغروس وتوروس يتشكل من:
- مكون صيادي القوقاز (Caucasian Hunter-Gatherers – CHG).
- مكون العصر الحجري الحديث في زاغروس (Zagros Neolithic Farmers).
2. نتائج النمذجة الجينية (Admixture Modeling)
توضح التحليلات الأوتوسومية ($Autosomal\,DNA$) المعتمدة على المقارنة بين العينات القديمة والعينات الحديثة ما يلي:
- يظهر المجتمع الكُردي الحالي استمرارية وراثية عالية ومباشرة مع العينات الاستخراجية المأخوذة من مدافن العصر البرونزي والعصر الحديدي في مواقع أورارتو والحوريين وزاغروس.
- تؤكد البيانات الجينومية أن الانزياح الوراثي ($Genetic Drift$) والعزلة الجبلية النسبية ($Endogamy$) حظرت الذوبان البيولوجي الكامل لشعوب الجبال، رغم تحول الألسنة وتعاقب الإمبراطوريات السياسية في السهول المجاورة.
إن قراءة تاريخ المنطقة من خلال دمج الأرشيف المسماري والأونومستيكا مع علم الجينوميات السكانية الحديث يوضح أن الشعب الكُردي ليس نتاجاً طارئاً أو لجوءاً حديثاً، بل يمثل الامتداد الحضاري والبيولوجي المباشر للتكتلات الجبلية التاريخية (كورا-أراكس، الحوريين، الأورارتيين، والميديين). لقد انصهرت هذه المكونات عبر العصور في بيئتها الجبلية لتشكل الهوية والكينونة المستقلة لشعوب زاغروس وتوروس في موطنهم التاريخي.

__قلعة وان: العاصمة الأورارتية الصخرية العتيدة. المصدر: Salvator Barki / Getty Images

____العمارة الصخرية والجدران الضخمة. المصدر: wildart / Getty Images
__

__صناعة البرونز والتعدين الأورارتي المتقدم. المصدر: PHAS / Universal Images Group via
____________________________________________________
المصادر والمراجع:
التي تُعد المراجع الأساسية لهذه المادة التاريخية والعلمية:
أولاً: الجينوميات السكانية والحمض النووي القديم (Ancient DNA & Population Genomics)
- Lazaridis, I., et al. (2016).“Genomic insights into the origin of farming in the ancient Near East.”Nature, 536(7617), 419–424.
- (توضح هذه الدراسة المكونات الجينية الأساسية لسكان زاغروس في العصر الحجري الحديث CHG/Zagros Neolithic واستمراريتها في المنطقة).
- Haber, M., et al. (2017).“Continuity and Admixture in the Levant Ancestry from the Bronze Age to the Present.”The American Journal of Human Genetics, 101(2), 274–282.
- (تتناول النمذجة الجينية السكانية واستمرارية المكونات الأوتوسومية بين العصر البرونزي والمجموعات الحالية في الشرق الأدنى).
- Lazaridis, I., et al. (2022).“The genetic history of the Southern Arc: A bridge between West Asia and Europe.”Science, 377(6609), eabm4247.
- (دراسة أثرية جينومية شاملة تغطي الأناضول، القوقاز، وزاغروس وتثبت الاستمرارية البيولوجية لشعوب المرتفعات عبر العصور).
ثانياً: تاريخ وآثار أورارتو والحوريين (Urartian & Hurrian Studies)
- Zimansky, P. E. (1985).Ecology and Empire: The Structure of the Urartian State. Studies in Ancient Oriental Civilization (SAOC 41), Oriental Institute of the University of Chicago.
- (المرجع الأساسي في دراسة التنظيم الإداري، المعماري، والهندسي لمملكة أورارتو).
- Wilhelm, G. (1989).The Hurrians. Aris & Phillips Ltd.
- (كتاب مرجعي شامل حول تاريخ الحوريين، لغتهم، وانتشارهم الحضاري واللغوي في الشام والرافدين والأناضول).
- Piotrovsky, B. B. (1969).The Ancient Civilization of Urartu. Cowles Book Co.
- (دراسة أركيولوجية متخصصة في الحفريات الآثارية لمواقع أورارتو في وان وأربوني).
ثالثاً: اللسانيات التاريخية والأونومستيكا (Historical Linguistics & Onomastics)
- Diakonoff, I. M., & Starostin, S. A. (1986).Hurro-Urartian as an Eastern Caucasian Language. R. Kitzinger.
- (بحث لساني تاريخي يفكك قواعد وبنية اللغة الحورية-الأورارتية وأنظمة الإسناد الإرغاتي فيها).
- Henkelman, W. F. M. (2008).The Other Gods Who Are: Studies in Elamite-Iranian Acculturation Based on the Persepolis Fortification Texts. Nederlands Instituut voor het Nabije Oosten.
- (يتناول ميكانيكية التفاعل والانصهار الثقافي واللغوي بين المكونات الأصيلة والمجموعات الهندوأوروبية الوافدة).
رابعاً: الدراسات الكُردية والأنثروبولوجيا التاريخية (Kurdish History & Zagros Continuity)
(دراسة أبحاث عابرة للتخصصات تجمع بين اللسانيات، الجينات، والآثار لبحث أصول الشعب الكردي واستمراريته في المرتفعات).
Izady, M. R. (1992).The Kurds: A Concise Handbook. Taylor & Francis / Crane Russak.
(يتناول الجذور التاريخية والركائز الحضارية لشعوب الجبل والامتدادات الحورية والميدية).
Hennerbichler, F. (2010).Die Herkunft der Kurden: Interdisziplinäre Studie. Peter Lang Academic Research.
