اثنية عفرين منذ عصر الحجري الحديث الى العهد الاسلامي

في عصور ما قبل التاريخ :

كانت حضارة تل حلف احدى اولى الحضارات التي ولدت في العصر الحجري الحديث وأثرت هذه الحضارة بشكل كبير على مناطق حلب والعمق أيضا، فتأسست وحدة ثقافية وحضارية وإثنية واضحة في تلك المناطق الشاسعة الممتدة من الزاب الكبير في جبال زاغروس في الشرق، إلى جبال الامانوس على ساحل البحر المتوسط في الغرب. ويؤكد العلماء أن مناطق الامانوس وسيروس “جبل الكرد” كانت مسكونة في تلك الحقبة من قبل أناس من أصول جبلية ذوي سمات شمالية وفدوا إليها من تلك الجبال، وأن منطقة سيروس وسهل العمق كانت جزءاً من تلك الحضارات الزاغروسية وتميزت الهوية الاثنية الجبلية لمستوطنيها، بالوضوح والاستقرار في عصر حضارة حلف، أي منذ الالف السادس قبل الميلاد وإلى بداية العصور التاريخية مع بداية الالف الثالث ق.م. وتدل التنقيبات في الطبقات التي تعود إلى أواخر الالف الرابع ق.م في آلالاخ أن منطقة سيروس تلقت دفعة أخرى من المستوطنين من بلاد الرافدين، كانت تنتمي أيضاً الى الحضارة الزاغروسية ، وأقام هؤلاء في مناطق الحلفيين القدماء سكان العمق وجومه، وأسسوا مستوطناتهم بجوار السكان السابقين أو على أطلال أكواخهم، وحدثت هذه الحركة الاستيطانية الجديدة، قبل وصول أولى الهجرات السامية إلى جنوبي بلاد الرافدين بحوالي ثمانية قرون. – في العصور التاريخية:تشير المكتشفات لهذه الحقبة إلى استمرار الصلات الثقافية والحضارية الوثيقة بين مناطق بلاد الرافدين العليا، ومناطق الزاوية الشمالية الغربية من الهلال الخصيب ومنها سيروس(منطقة عفرين) وتدل مكتشفات الثلث الاخير من الالفية الثالثة ق.م، على أن سكان سهل العمق كانوا خليطا من شعوب جبلية شمالية وشرقية، وأسس هؤلاء منذ حوالي 2700ق.م مملكة خاصة بهم في سهل العمق سميت بمملكة آلالاخ، استمر وجودها حتى حوالي 1500 ق. م وكانوا طوال هذه الفترة قائمين على حكمها، ويشكلون كتلتها البشرية الاساسية. ثم خضعت هذه المملكة بعد عام 2300 ق. م بصورة مؤقتة- للملك الاكادي “سارجون” حينما قام بغزو آلالاخ ، بغية فتح الطريق أمام وصول إمدادات الخشب من جبال “الامانوس” إلى آكاد. إلا أن الدلائل الاثرية في الالاخ تنبئ عن استيطان عناصر من أصول آكادية في مناطق آلالاخ في ذلك التاريخ، والى هجرات أخرى جديدة إلى العمق، دون تبدل الهوية العرقية الجبلية لسكان الالاخ والعمق عموما خلال القرون الخمسة التالية لقيام مملكة آلالاخ. وبعد سنة 1900 ق .م، سيطر الفراعنة على مملكة يمخاض “حلب”، وأخضعوا آلالاخ إلى سلطة حكام يمخاض ويعتقد أنهم كانوا من العنصر الساميين ولكن كافة المؤشرات الاجتماعية والحضارية المستخلصة من تنقيبات الالاخ تؤكد على أن حكم هؤلاء في الالاخ ، والذي دام نحو 200عام، لم يتجاوز حدود تمركز الجنود حول مقرات إقامتهم، إذ كانوا يحكمون سواداً من الشعب يختلف عنهم عرقيا وحضاريا. ولذلك كانت العلاقات بين هؤلاء الحكام الساميين وسكان آلالاخ الجبليين مضطربة، ولم يكونوا على وفاق.ومنذ القرنين الاخيرين من الالف الثالث ق.م، بدأ ظهور العنصر الهوري ( احد أسلاف الشعب الكردي) ، في منطقة مثلث سيروس، وفي القرون الاولى من الالف الثاني ق.م، اكتسحت هجرات هورية كبيرة مناطق مثلث سيروس، بما فيها بطبيعة الحال منطقة يمخاض والعمق وجومه وعنتاب. وأصبح العنصر الهوري هو السائد في هذه المناطق وشكلوا امارات خاصة بهم، وغدت بعد هذا التاريخ مراكز استيطان هورية تقليدية يشكل فيها العنصر الهوري الاغلبية الاثنية والقوة السياسية الحاكمة، واستمر الوضع كذلك حتى ظهور الحثيين في الشرق الادنى.وفي المرحلة اللاحقة وبعد مجيء الميتانيين، توحدت تلك الامارات الهورية المتفرقة القديمة في دولة واحدة عرفت بالدولة الميتانية-الهورية _الميتاهورية- المشهورة في التاريخ القديم. واستمرت هذه السيادة السياسية والاثنية للميتاهوريين حتى أواسط القرن الرابع عشر ق.م، إلى حين سقوطها بيد الدولة الحثية التي كانت قد ظهرت في وسط وشمالي الاناضول. ولكن رغم أن الحاكمية السياسية في مناطق سيروس كانت قد انتقلت إلى هؤلاء الحثيين، إلا أن العنصر الهوري والثقافة الهورية، بقيتا غالبتين فيها طوال مدة الحكم الحثي. أما الاحوال الاثنية في الاراضي التي كانت خاضعة للمملكة الميتاهورية سابقا، فلم تتبدل كثيرا في العهد الحثي ومن الجدير بالذكر أن الشعب الحثي الذي حكم مناطق الهوريين فيما بعد، يصنف من الناحية الاثنية ضمن الشعوب الارية كالميتانيين والكاشيين.ثم أعقب ذلك بعدة عقود هجرات كبيرة أخرى من شعوب هندو أوربية انتشرت على أقاليم شرق البحر المتوسط وآسيا الصغرى. وعرفت تلك الاقوام في الادب التاريخي بالشعوب البحرية، وقد تمكنت من إنهاء حكم الحثيين وسيطرت على كافة مناطق غربي الاناضول وشرقي البحر المتوسط. ولكن رغم هذه التبدلات السياسية الكبيرة، لا تذكر المصادر التاريخية أنباء عن نزوح الهوريين والسكان المحليين الاصليين من منطقة سيروس والعمق أمام غزوات هؤلاء البحريين. بداية وصول الاراميين :منذ بداية الالف الاول، بدأت أولى طلائع الهجرات الارامية بالتوافد إلى منطقة مثلث سيروس، وخلال أقل من 250 سنة، وصلت مجموعاتهم إلى قلب العالم الهوري، واستغلوا الضعف السياسي للهوريين والحثيين، وأسسوا إماراتٍ لهم في بعض مناطق طوروس الهورية، بما فيها منطقة مثلث سيروس، ورغم السيادة السياسية للاراميين على المناطق الخاضعة لاماراتهم مدة قرنين من الزمن، الا أن سكان الامارات الارامية في مثلث سيروس وفي منطقة الجزيرة، كانت تضم عناصر هورية وحثية كثيرة، كان لها نفوذ سياسي هام في توجيه سياسة تلك الامارات، فالملوك الاراميون الساميون لم يترددوا عن إجراء تحالفات مع أحفاد الهوريين، الذين كانوا قد تمثلوا في هذه الفترة بشعب أورارتو، والوقوف معهم في وجه القوات الاشورية ذات الاصول السامية القادمة من الشرق وقد أسس اورارتويين في القرن الثامن ق.م مملكة كبرى في وسط كردستان عرفت بمملكة أورارتو، وسيطرت مجدداً على المناطق الهورية القديمة في شمالي سوريا وحلب، كما خضعت لها الامارات الارامية في منطقة مثلث سيروس والجزيرة. إلا أن أورارتو مع حلفائها الاراميين، لم تتمكن من الصمود أمام اندفاع الجيوش الاشوريه المتجهة نحو شمالي سوريا وحلب، فتراجعت قوات أورارتو إلى معقلها في منطقة وان. أما حلفاؤها من الامارات الارامية في شمالي سورية، فقد سقطت الواحدة تلو الاخرى بيد الاشوريين في بداية النصف الثاني من القرن الثامن ق.م.ومن المعروف لدى الباحثين، أنه على الرغم من ازدهار الدولة الاشورية واتساع رقعتها، لم يترافق حكمها بأي استيطان للعنصر الاشوري في المناطق الشمالية الغربية من الهلال الخصيب. ربما لان الشعب الاشوري كان قليل العدد، واعتمد في بسط سيطرته السياسية على قواه العسكرية المتفوقة. ومن المفيد ذكره هنا، أن بعض الملوك الاشوريين، عمدوا أحيانا إلى نقل مجموعات سكانية بأكملها من أوطانها الاصلية إلى أماكن أخرى بعيدة، كوسيلة من ًوسائل السيطرة على أرجاء دولتهم وشعوبها. ولا يستبعد لجوء الاشوريين إلى نقل بعض المجموعات الميدية من شرقي الامبراطورية، حيث بلد الميديين “المشاغبين” إلى غربيها، لأن الميديين كانوا من أكثر شعوب الامبراطورية ازعاجا لها كما تؤكد المصادر التاريخية الاشورية “في نهضتها الثانية” الى ان سقطت هذه الامبراطورية بيد الميديين 612 ق. م، لتصبح هذه الاراضي تحت السيطرة الميدية حتى سقوطها بيد الاخمينيين عام 558ق.م والتي اصبحت وريثة هذه الامبراطورية على كامل بلاد الميديين وقد زال مع بروز هاتين الامبراطوريتين ما يعيق حركة وهجرة الجماعات البشرية المتباينة عرقياً وثقافيا، إلى مناطق بعيدة عن مواطنها الاصلية فأصبحت طليقة الحركة علىالرقعة الجغرافية لتلك الامبراطوريتين و التي كان الشعبان الفارسي والميدي ركناها الاساسيان فالمصادر القديمة تفيد بأن معظم جيوش الدول الفارسية الثلاث الاخمينية والاشكانية ومن بعدها الساسانية كانوا من الكورد الميديين. وخلال حكم الامبراطوريتين الميدية والاخمينية، انتشر الميديون في الجبال وفي كل الاتجاهات، وأصبح أقرب مراكزهم في الغرب هي ضواحي انطاكية، وبالتحديد حول حلب حسب قول العلماء ليرخ ونيكيتين ودياكونوف أما الفرس، فلم يغادرو ” الهضبة الايرانية، وذلك لان شركاءهم الميديين “بأعدادهم الغفيرة “كانوا يوفرون العنصر البشري المطلوب لاستمرار السلطة السياسية الاخمينية في مناطق شرقي ووسط آسيا الصغرى وقوس الهلال الخصيب. وبعد حوالي 225 سنة من حكم الفرس الاخمينيين ، انتقلت أراضي إمبراطوريتهم الشاسعة إلى اليونانيين إثر فتوحات اسكندر المكدوني عام 330 ق. م وجعلت هذه الحركة اليونانية الهائلة بقيادة اسكندر المقدوني الحدود السياسية أكثر اتساعا من الحقبة الاخمينية وفتحت بذلك آفاقاً رحبة أمام انتقال ًالشعوب واختلاطها ضمن هذه الاصقاع الواسعة من غربي آسيا، وشرقي أوربا، وشمالي أفريقيا. ولا ريب أن الشعب اليوناني كان أكثر شعوب الامبراطورية حرية في الحركة والانتقال ولهذا توجهت مجموعات سكانية يونانية كبيرة نحو الشرق مع جيوشها المنتصرة، فأسسوا مدناَ عديدة توزعت على كامل سوريا تقريبا، وأصبحت بمثابة نقاط الارتكاز المدنية الضرورية لحكم طويل الامد في مناطق بعيدة عن أوطانهم الاصلية في البلقان، وخاصة في عهد الدولة اليونانية الشرقية “السلوقية”، أي في القرنين الثاني والثالث ق.م. فأطلال عشرات المدن والمزارع والابنية المنتشرة على كامل منطقة سيروس، تعود إلى العهود الاغريقية “اليونانية والرومانية والبيزنطية”، وتغطي حوالي ألف عام من تاريخ هذه المنطقة، وتؤكد بشكل لا لبس فيه، أنها كانت من بين أكثر مناطق العالم الاغريقي الشرقي ازدحاما بالسكان، وتشير أيضا إلى سيطرة الاغريق سكانياً وثقافياً وسياسيا في منطقة سيروس في تلك الفترة التاريخية.ورغم ذلك، فمن المؤكد أنهم لم يكونوا الوحيدين في هذه المنطقة في تلك العصور. فلا تزال هناك أسماء ذات دلالات آرامية في جبل ليلون وسهل جومه، كما توجد مؤشرات لتسميات حثية في بعض قرى المنطقة، دون ان ننسى سيادة هورية عارمة في عموم أنحاء منطقة مثلث سيروس خالل قرون عديدة، وما هو أكثر أهمية ووضوحا، أن أسماء معظم القرى والتجمعات السكنية الحالية، إضافة إلى جميع الاسماء الجغرافية تقريبا في المنطقة هي كردية صرفة ومن الجدير بالذكر أيضا، أن السلوقيين كانوا يستخدمون كوردا ميديين كمقاتلين ضمن قواتهم، وهذا يدل على انتشار كبير للعنصر الميدي في الشرق الادنى، وعلى أهميته السكانية والعسكرية الكبيرة حينها. فالشعب الميدي لدى المؤرخين في الشرق خلال القرون الاولى بعد الميلادكان معروفا جيدا ففي سنة 444 م كتب “تيودورس” أسقف مدينة سيروس عن مار سمعان العمودي قائلا : ويعرفه الفرس والماديون والسكوتيون والاحباش ” بالاضافة الى ذكر لغتهم في الانجيل” كما أنه ما بين دخول الرومان إلى سوريا وسقوط الاسرة الاشكانية في إيران سنة 224، جرت بينهم أكثر من اثنتي عشرة معركة في بلاد الكورد للسيطرة عليها. كما حدثت بين البيزنطيين والفرس الساسانيين أكثر من إحدى وعشرين موقعة معظمها في بلاد الكورد. ولاريب أن هذه الاحداث العسكرية الكبيرة سببت موجات من الهجرة من وسط كردستان إلى أطرافها، ومن بينها بطبيعة الحال نحو الغرب صوب منطقة جبل الكرد.ملاحظة : الصورة لخريطة مملكة الالاخالمصدر :_ مقطع من كتاب دراسة تاريخية لعفرين للباحث محمد عبدو علي وبتصرف