اليارسانية- العقيدة والفلسفة والطقوس

Mahdi Kakei

عقيدته وفلسفته وطقوسه
(3)مهدي كاكەيي
خلق الكَوْن في الدين اليارسانيالأديان الكبيرة والصغيرة كلها تتحدث عن الدنيا منذ بداية خلق آدم وحواء ولا تتحدث عن الفترة التي سبقت ظهور آدم وحواء، حيث لا يتساءل أيّ دين وفلسفة عما كان موجوداً قبل تكوين الكَوْن وكيف كان وجوده. هذا التساؤل المُهّم تُجيب عليه فلسفة يارسان. بدون شك، هذه الإجابة متأتية من خلال معرفة دورات تناسخ الأرواح التي يمر بها الإنسان الى الوصول الى بداية اللاوجود والوجود، حيث أنّ الإنسان وجميع الكائنات الحيّة آتية من مصدر بعيد جداً ومَخفي عند الإنسان وهذا يُشير الى أن الفلسفة اليارسانية تغوص في عُمق (الأزل). نتحدث هنا عن شخصيتَن دينيتَن يارسانيتَن اللتَين أتاهما الإلهام الإلهي اليارساني، وهما في كتابَيهما تتحدثان عن الوجود قبل تكوين الكون [1]. الشخصية الأولى هي (شيخ أمير) المولود في سهل نينوى في حوالي سنة 1630 وكان راعياً أميّاً. فجأةً يشعّ نوره ويفوز بالإلهام الإلهي اليارساني ويتعرّف على نفسه من خلال دورات حياته المتعاقبة، حيث يقوم بتأليف كتابٍ الذي أصبح جزءاً من (كەڵام Kełam) (نصوص دينية يارسانية). في هذا الكتاب يتحدث هذا الرجُل اليارساني المُلهَم عن حقيقتَين للوجود. الحقيقة الأولى: أنّ أصل الوجود هو لا شيء، أي أنه فراغ. في الوقت الحاضر يُحاول علماء الفيزياء معرفة أصل المادة ويقتربون من أنّ مصدر المادة هو الفراغ (الأثير) لأنهم لا يتوصلون الى أي شيء جوهري ثابت لمصدر المادة. الحقيقة الثانية: هي حديث (شيخ أمير) عن خلق الكون والإنسان.الشخصية الثانية هي (درويش نَوروز) الذي عاش في بداية القرن التاسع عشر الذي أتاه الإلهام الإلهي وعرف سرّ خلق الكَون كما عرفه (شيخ أمير). هذان الرجُلان الدينيان اليارسانيان يذكران أنّ (خاوەندكار Xawendkar) (الإله) عندما كان بِصيغة (يا)، كان داخل دُرّةٍ، وبإرادته وفي ظل نوره، إنفجرتْ الدُرّة ونتج منها (خاوەندكار Xawendkar) والكون. هذا يعني أنّ ذلك الإنفجار كان بداية الخلق والذي حصل في مكان مجهول وغير معروف لدى الإنسان وأنّ الكون هو تجليات (خاوەندكار Xawendkar)، حيث أن (خاوەندكار Xawendkar) من نوره أوجد الخلق. عندما أراد (خاوەندكار Xawendkar) أن يخلق هذا العالَم من نوره، خلق (4) أربعة ملائكة لكي يديرون أمور العالَم وهؤلاء الملائكة في الدين اليارساني هم: بنيامين، داود، پیر موسێ، كاك موستَفا. الترجمة الحرفية للكلمة الكوردية المركبة (خاوەندكار Xawendkar) هي (صاحِب العمل) والذي يعني (صاحِب الخلق والكون)، أي (الخالق).هكذا يقول دين يارسان أنّ أصل الوجود هو النور الإلهي (نور خاوەندكار Xawendkar). في القرن العشرين، توصّل علماء الفيزياء أن الكون تكوّن نتيجة إنفجار عظيم، إلا أنّ العلماء يجهلون ماهية وكيفية ومكان وسبب الإنفجار. دين يارسان يقول أنّ أصل الوجود هو (خاوەندكار Xawendkar) أي (الإله) وأن جميع الأحياء والكواكب والنجوم وكل شيء في الوجود، متأتية من الوجود الإلهي (خاوەندكار Xawendkar) والتي جميعها معاً لها نفس الهدف. هذا يعني أنّ دين يارسان يؤمن بِوحدة الوجود لأنّ هناك إرادة واحدة وطاقة واحدة وإمكانية واحدة وكون واحد وأنّ المادة والطاقة موجودتان واللتان لا تنفدان ولا تنتهيان أبداً، بل تتحولان على غرار تناسخ الأرواح، حيث أنّ المادة هي الطاقة وأنّ الطاقة هي المادة اللتَين تتحولان الى بعضهما البعض. المادة والطاقة الناتجتان من نفس المصدر غير المعروف والذي هو (خاوەندكار Xawendkar) نفسه، إلا أن العِلم الى الوقت الحاضر لم يتوصل الى معرفة جوهر أصل الوجود، حيث الى الآن يبحث علماء الفيزياء عن تلك القوة التي توحّد جميع قوى الكون، أي بمعنى آخر يبحثون عن وضع كل النظريات المتعلقة بِتكوين الكون في نظرية واحدة والتي يقتربون منها وهي أن أصل الكون هو إهتزاز أوتار جسم كروي بسرعة عظيمة جداً لِدرجة أن هذه الإهتزازات تُحدِث أنغاماً. هذه النظرية العلمية تقترب من دين يارسان في موضوع تكوين الوجود والكون.نظرية ولادة الكون في دين يارسان تقوم على ثلاث مفاهيم فيما يتعلق بالمرحلة السابقة على خلق العالَم الروحي وهذه المفاهيم هي [2]: 1. السكون الذي يُعبّر عن حالة خمود ولا حركة سابقة على مشيئة تهدف الى التجلّي.2. المياه التي ترمز الى الطهر الصافي والى الحياة مع كل طاقاتها الكامنة وتُمثّل اللامتناهي الإلهي وعرش الروح الربّانية وأمواجها ترمز الى الحركة وتُعكِس نزوعاً ومشيئة بإتجاه التجلّي.3. الدُرّة التي كانت تمكث فوق المياه، وهي على شكل بيضة، وهي بذرة كافة التجلّيات.الذرّة هي أساس الكون، حيث كما هو معروف أن الذرّة تتكون من پروتونات ونيوترونات وإلكترونات. كان الكون في البداية صغيراً جداً. كان يعيش (خاوەندكار Xawendkar) (الخالق) داخل دُرّة مدوّرة موجودة في البحر. انفجرت الدُرّة وخرج (خاوەندكار Xawendkar) منها، عند إنفجارها، تكوّنت السماء والكواكب والشمس والقمر والنجوم من القسم العلوي من الدُرّة، بينما تكونت الأرض والجبال من القسم السفلي من الدُرّة. عند تكوين الأرض، كانت على شكل سائل، فتمّ إستقرار الأرض والكواكب نتيجة التوازن المغناطيسي بينها [3]. الشمس ثابتة في مكانها وأن الأرض والقمر والنجوم تدور حول الشمس. كان يُخيّم الظلام على الكون قبل إنفجار الدُرّة. هذه الرواية تتطابق مع نظرية الإنفجار العظيم للذرّة التي تكوّن منها الكون، حيث تمّت تجربة عملية لهذه النظرية في سويسرا.في الدين اليارساني، تمّت عملية الخلق في مرحلتَين، مرحلة خلق العالَم الروحي ومرحلة خلق العالَم المادي [4]. عندما كان (خاوەندكار Xawendkar) لا يزال بِصيغة (يا) لم تكن هناك أرض ولا سماء ولا صوت وكان (خاوەندكار Xawendkar) على هيئة طير ذي جناحَين من ذهب، ثم جاء ورمى نفسه في دُرّة وعندما كان (خاوەندكار Xawendkar) داخل الدُرّة، كانت الدُرّة في عرض محيط الأسرار الخفي، لكن لم يشأ أن يكون وحيداً، فشهِد إبداعه بإيجاد الأتباع المخلصين، ثمّ بعد أن أبرم ميثاقاً مع أتباعه، غادر الدُرّة [5]. الطير ذو الجناحَين الذي ظهرَ به (خاوەندكار Xawendkar)، له نفس شكل الإله (آسورا)، إله أسلاف الكورد الخوريين الذين عاشوا قبل أكثر من (5000) خمسة آلاف سنة، وهذا يُشير بِوضوح الى كون الخوريين يارسانيون أو متأثرون بالدين اليارساني، حيث أنهم عاصروا إتحاد القبائل الكاكائية الذي كان أفراده يعتنقون دين يارسان.على هذا الأساس ترمز الدُرّة في الدين اليارساني الى العذارة ويُرجِعون هذا الى مثال أصلي يعطونه طابعاً مُقدّساً، حيث أنّ التحولات أو تسلسلية الهيئة الإلهية، تنبثق دائماً من حالات أصلية بدائية، كلهنّ عذراوات وكل واحدة منهن لها تسمية رئيسية هي (رمزيار) التي تعني (سرّ المحيط). مفردة الدُرّة في دين يارسان ذات مفهوم يدل على ما هو ذي شخصية نبيلة بسبب قُدسيته. ولذلك يجري إستعمال الدُرّة في تزيين تيجان الملوك. كما أنّ الدُرّة تُستعمل كحُلية للزينة العادية إلا في إطار متدني من خصوصية [6]. في البدء، قبل خلق العالَمَين، لم يكن (خاوەندكار Xawendkar) قد تجلّى، فقام بِخلق دُرّة في عرض المحيط البدئي وأقام فيه وحده. في هذا الوقت لم تكن هناك سماء أو أرض أو أي شيء آخر. كان هناك فقط (خاوەندكار Xawendkar) بِصيغة (يا) وكانت الدُرّة مُنزّلة وجوهرها خافياً. كانت الدُرّة في المحارة والمحارة في اليمّ وأمواج اليمّ تغمر كل شيء [7]. (الدُرّة) موظّفة عند اليارسانيين بمعنى (المحارة)، أي الدُرّة محبوسة في المحارة وهذا يعني أنهم يعتبرون الجزء بمثابة الكل. حسب أسطورة في قصيدة ل(سعدي شيرازي) فأنّ بذرة تأخذ قطرة غيث تنهمر من السماء داخل محارة، تصعد المحارة الى سطح اليمّ لغرض إستقبال قطرة الماء. قطرة الماء هذه هي بذرة سماوية والتي تصبح الدُرّة. أما المحارة تستعير رمزيتها ذات الطابع القديم من الأعضاء التناسلية للمرأة وبالتالي فأنّ حالة الدُرّة عند وجودها في المحارة أشبه ما تكون بحالة الجنين أو النطفة [8]. في الدين اليارساني، (خاوەندكار Xawendkar) شكله ليس بِشكل آدمي ولا هو غير مرئي أو غير محسوس، أي أنه موجود في كل مكان. ورد إسم الإله الخوري (يما) في العهد القديم من الكتاب المقدس أثناء سرد (تعويذة تحت الأرض)، بجانب طقس تقديم الطيور قرباناً له. استعملت كذلك كُنية (يَمْ) الخورية غالباً في نصوص العهد القديم وخاصة في قصة الإمرأة صاحبة جان الواردة في العهد القديم (الإصحاح 28 سفر صموئيل الأول)، حيث سُمّي فيها (يَمْ) بالسيدة (Ōb) التي تعني (خط سَير العالَم السفلي) [9]. من هنا أيضاً فأنّ إسم الإله الخوري (يما) مأخوذ من إسم الإله في دين يارسان الذي كان (يا) قبل خلقه الوجود والكون.المصادر1. دكتر گُلمراد مرادی. نگاهى گذرا بە تاريخ و فلسفەی اهل حق (يارسان). چاپ اول، سوئد چاپ و نشر، 1999، صفحه 228 – 248. 2. الدكتور جمال نبز. ملاحظات حول الميثولوجيا الكوردية. ستوكهلم، 1986، صفحة 17. (باللغة الكوردية).3. هەردەوێڵ كاكەیی. پەیامی كاكەیی.2012، لاپەڕە 31 – 32.4. الدكتور جمال رشيد أحمد. ظهور الكورد في التاريخ. الجزء الثاني، الطبعة الثانية، مطبعة وزارة التربية، أربيل، 2005، حاشية صفحة 696 – 698.5. محمد موكري. ولادة العالَم عند الأكراد من مذهب أهل الحق. مجلة الثقافة الكوردية. العدد 1، لندن، تشرين الثاني 1988. ترجمة: عبد الحسين الهنداوي. نُشِر هذا المقال في الأصل باللغة الروسية.6. الدكتور جمال رشيد أحمد. ظهور الكورد في التاريخ. الجزء الثاني، الطبعة الثانية، مطبعة وزارة التربية، أربيل، 2005، صفحة 698 – 699.7. المصدر السابق، حاشية صفحة 696 -697.8. المصدر السابق، حاشية صفحة 697 – 698.9. المصدر السابق، صفحة 652 – 653.