من الإنسان تبدأ الدولة
الكاتب: بيوراسب
في البدء، لم تكن الدولة جغرافيا مرسومة على الخرائط، كانت وجدانًا يسكن الإنسان الكوردستاني. يسير في أرضه، يحمل في قلبه ذاكرة الجبال، وفي عينيه ظل وطنٍ لم يُعلن بعد. كان يعرف أن بناء الدولة يبدأ من العقول، من
الوعي، من الإيمان بالحق في الحياة الكريمة. الإنسان هو الأولوية. يُربّى على الحرية، يتعلم بلغته، ينهض بثقافته، ويُصان تاريخه. كل طفل يعرف اسمه بلغته الأم، كل امرأة تجد مكانها في القرار، كل
عامل يشعر أن جهده يُحتَرم، كل فلاح يرى أن أرضه تُثمر كرامة. ثم ينهض الفكر. الفكر الكوردستاني لا يكرر الماضي، يكتب المستقبل. يظهر في المدارس، في القصائد، في صمت الأمهات، في عيون من غابوا عنالساحات. يؤمن بالوحدة، بالعدالة، بالكرامة، ويضع الإنسان في قلب المشروع الوطني.
ثم يأتي التحرر. لا يُنتظر من الخارج، يُصنع من الداخل. يبدأ من كسر الخوف، من تجاوز التبعية، من صياغة المصير بإرادة حرة. يستند إلى حق تقرير المصير، كما ورد في ميثاق الأمم المتحدة، ويجد صداه في قرارات مجلس الأمن التي دعمت شعوبًا اختارت طريقها، مثل كوسوفو وتيمور الشرقية وجنوب السودان وغيرها من الدول التي نالت استقلالها.
الأهداف واضحة. أن تكون لك دولة تُحترم فيها الحقوق، تُصان فيها الكرامة، يُسمع فيها الصوت، وتُبنى فيها المؤسسات. أن تُصبح كوردستان حاضرة في النظام الدولي، تُشارك في صياغة المستقبل، وتُثبت أن الشعوب الحرة
قادرة على البناء.
ما يجب أن يقوم به الكوردي
على الكوردي أن يعرف أن الطريق إلى الدولة لا يُعبد بالشعارات، بل بالعمل اليومي الصامت. عليه أن يتعلم، أن يعلّم، أن يزرع، أن يكتب، أن يبني، أن يحاور، أن يصبر. عليه أن يرفض الانقسام، أن يتجاوز الحزبية، أن يرى في الآخر شريكًا لا خصمًا. عليه أن يقرأ تاريخه لا ليبكي، بل ليفهم، وأن يكتب مستقبله لا ليحلم، بل ليحقق.
عليه أن يطالب بحقوقه دون أن يتنازل عن واجباته. أن يحمي لغته، أن يرفع ثقافته، أن يصون أرضه، أن يحترم القانون، أن يشارك في القرار. أن يكون حاضرًا في كل ساحة، من المدرسة إلى البرلمان، من الحقل إلى المنبر، من البيت إلى العالم.
عليه أن يؤمن أن الدولة لا تُمنح، بل تُبنى. وأن الحرية لا تُنتظر، بل تُصنع. وأن كوردستان ليست فكرة في الكتب، بل حياة تُعاش، وكرامة تُصان، ومستقبل يُكتب.
وهكذا، لا تُولد الدولة الكوردستانية في لحظة، ولا تُمنح من أحد، تُصاغ في وجدان الإنسان، تُكتب في الفكر، وتُنتزع بالتحرر الواعي. هي قصة حياة، لا قصة نضال فقط. وكل كوردي هو سطر في هذه القصة، وكل خطوة منه
هي حرف في اسم الدولة القادمة. ازرع في قلبك حب الوطن كما تُزرع الأشجار في الأرض، لا تهزّها الرياح ولا
تغيّرها الفصول. وإذا أردت أن ترى كوردستان حرة، فابدأ بتحرير نفسك من الجهل والانقسام.
تحيا كوردستان
.
” بيوراسب”