بين ميتافور الثورة وخطاب الخضوع: قراءة سياسية في موقف الهجري وتردد القادة الكورد في دمشق
الكاتب: حسين قاسم
تشهد الساحة السورية تحولات سياسية متسارعة، كان أبرزها إعلان سماحة الشيخ حكمت الهجري أن الإدارة الذاتية لجبل باشان خيار لا رجعة عنه، وأن التعايش مع دمشق بات مستحيلاً. هذا التصريح لم يكن مجرد موقف عابر، بل كان بمثابة ميثاق سياسي جديد يضع الدروز أمام مسار تقرير المصير، ويمنحهم حق صياغة مستقبلهم بعيدًا عن سلطة المركز.
في المقابل، يبرز سؤال ملحّ: لماذا يجرؤ الشيخ حكمت الهجري على اتخاذ قرار مصيري، بينما يواصل القادة الكورد في دمشق التمسك بخطاب “أخوّة الشعوب” والخضوع السياسي، ويتجنبون حتى مجرد الحديث عن تقرير المصير؟
هذا المقال يحاول الإجابة.
أولًا: الهجري… خطاب ثوري بلغة سياسية واضحة
تصريحات حكمت الهجري حملت أربع رسائل أساسية:
1. فكّ الارتباط مع دمشق
قوله إن الإدارة الذاتية “لا رجعة عنها” يعني أن العلاقة مع دمشق لم تعد قابلة للترميم.
2. تبنّي حق تقرير المصير
قوله:لا قيادة ولا ولاية على هذا الجبل إلا لمن يختاره أهله هو إعلان صريح بأن الشعب هو مصدر الشرعية
3. شرعنة الدعم الخارجي
شكره لإسرائيل — رغم حساسية الموقف — يعكس رسالة سياسية مفادها: لدينا حلفاء، ولسنا تحت رحمة أحد.
4. نزع الشرعية عن الحكومة المؤقتة
وصفه لها بأنها “حكومة إرهابية” يعني إسقاط كامل لسلطتها على الجنوب.
الهجري هنا لا يتصرف كسياسي يبحث عن دور، بل كـ زعيم شعب يحدد مصير جماعته.
ثانيًا: القادة الكورد في دمشق… خطاب بلا مشروع
على النقيض تمامًا، يواصل القادة الكورد في دمشق ترديد خطاب “أخوّة الشعوب” و”وحدة سوريا”، ويتجنبون أي حديث عن تقرير المصير أو الحقوق القومية.
لماذا؟
1. غياب الشرعية الشعبية
الهجري يستند إلى مجتمع متماسك ومرجعية تاريخية. أما القادة الكورد في دمشق فيستندون إلى:
- منصات سياسية
- لجان تفاوض
- علاقات مع أجهزة أمنية
شرعيتهم ليست من الشعب، بل من الوجود في دمشق.
2. غياب القوة الجغرافية
جبل العرب كتلة واحدة. الكورد في دمشق مشتتون بلا منطقة خاصة بهم، وتحت رقابة أمنية مباشرة.
3. غياب الدعم الإقليمي
الدروز لديهم نوافذ دعم (الأردن – إسرائيل – جهات غربية). الكورد في دمشق:
- تركيا ضدهم
- دمشق تستخدمهم
- روسيا لا تراهن عليهم
- أمريكا لا تتعامل معهم
4. غياب الإرادة السياسية
الهجري لا يخشى خسارة منصب. القادة الكورد يخشون:
- غضب دمشق
- فقدان الامتيازات
- التصنيف الأمني
- خسارة “مقعد التفاوض”
ثالثًا: الميتافور الثوري… بين من يمارسه ومن يهرب منه
الميتافور الثوري هو الاستعارة التي تعبّر عن إرادة الشعوب في التحرر.
- الشيخ حكمت الهجري جسّد هذا الميتافور: اتخذ قرارًا، رفع سقف المطالب، أعلن حق شعبه.
- القادة الكورد في دمشق هربوا منه: خفّضوا سقف الخطاب، تجنبوا كلمة “تقرير المصير”، وفضّلوا لغة التبرير.
الهجري يتحدث بلغة الشعوب. القادة الكورد يتحدثون بلغة الأنظمة.
الهجري يخلق واقعًا جديدًا. القادة الكورد يعيشون في واقع صنعه الآخرون.