لماذا الشعب الكوردي بِدون دولة خاصة به الى الآن؟
د.مهدي كاكەيي
أحدد هنا أهم العوامل التي ساهمت في منع الشعب الكوردي من مواصلة القيام بالأعمال الجبّارة التي قام بها أسلافه وعدم تمكّنه تأسيس دولة له على أرضه التاريخية وأن يلعب دوراً محورياً في بناء الحضارة البشرية.
1. طوپوگرافية كوردستان: الطبيعة الجبلية لكوردستان عزلت الأقوام والقبائل الكوردية عن بعضها والتي ساهمت بشكل كبير في عدم توحّدهم، حيث منذ أزمانٍ قديمة أسست سلالات وقبائل زاگروسية دولاً خاصة بكل منها، مثل السومريين والإيلاميين والخوريين والهيتيين والميديين وغيرهم وكانت تتحارب هذه الدول فيما بينها في بعض الأوقات وتغزو بعضها البعض. قد يتساءل المرء ويقول: طيّب، لماذا لم تتوحد أسلاف الكورد بعد نزوحهم الى المناطق السهلية المنبسطة التي مهّدت لهم الإحتكاك مع البعض وسهّلت التواصل بينهم؟! الجواب هو أنه كانت العلاقات القبلية متجذرة في القبائل الزاگروسية وبقيت محتفظة بها بعد إنتقالها الى المناطق المنبسطة. هنا قد يُثار سؤالٌ آخر وهو: كيف نجحت هذه القبائل أو الأقوام أو السلالات في رفد البشرية بإكتشافاتها وإبتكاراتها رغم إنعزال بعضها عن البعض؟ الجواب هو أنّ هذه القبائل كانت كلاً على إنفراد قد إكتسبت خبرات جيدة في الزراعة وتربية الحيوانات الداجنة والصناعة عند عيشها في كهوف جبال كوردستان ولذلك كانت تمتلك مقومات وأسس ومعلومات وخبرات، أهلّتها لمواصلة الإكتشافات والإبتكارات في مختلف مجالات الحياة، بعد إنتقالها الى المناطق السهلية، حيث وفرة المياه والأراضي الخصبة وإعتدال المناخ، التي بِدورها كانت من العوامل التي ساهمت في إبداع هذه الأقوام الزاگروسية في مواطنهم الجديدة التي نزحت إليها. بالإضافة الى عزل هذه الأقوام عن بعضها بسبب التضاريس الجبلية لكوردستان، فأنها إنعزلت أيضاً عن الأقوام غير الزاگروسية التي كانت تعيش خارج كوردستان. آثار العلاقات العائلية والقبلية لا تزال باقية في المجتمع الكوردي والتي تساهم في عجز الكورد على توحيد كلمتهم وصفوفهم ولغتهم وتنظيماتهم السياسية. كما أنّ هذا الإنعزال أدى الى بقاء المجتمع الكوردي متخلفاً، مقارنةً بِشعوب المنطقة والذي سهّل إحتلال كوردستان من قِبل الأجانب. نقطة أخرى وهي أنّ التضاريس الجبلية لكوردستان جعلت الكورد يتّبعون إستراتيجية دفاعية ضد مُحتلي وطنهم، حيث أنّ هذه الإستراتيجية الدفاعية دفعت الكورد الى الإلتجاء الى الجبال والإحتماء بها في التصدّي لمحتلي بلادهم وجعل كوردستان ساحة للحرب والقتل والدمار، بدلاً من نقل الحرب الى ديار المحتلين وجعلها ساحة للمعارك. هذه السياسة الدفاعية كانت أحد أهم أسباب فشل الثورات التحررية الكوردستانية المعاصرة.
2. وجود نهرَي دجلة والفرات في كوردستان: وقوع منابع نهرَي دجلة والفرات في كوردستان وكذلك جريانهما وروافدهما فيها، والأراضي الخصبة التي فيها، جعلت كوردستان موضع أطماع الأقوام الأجنبية للإستحواذ على مياهها وأراضيها الزراعية، حيث تعرضت كوردستان لغزوات كثيرة من أقوام أخرى، مثل الفُرس والرومان والعرب والمغول والأتراك وغيرهم. ثراء كوردستان بالمياه والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية، عرّضت كوردستان للغزو والإحتلال وأخيراً تجزأت كوردستان وأصبحت محتلة إستيطانياً من قِبل الفُرس والأتراك والعرب. هذه الغزوات والإحتلالات جعلت الشعب الكوردي تابعاً للأجانب وبلا سلطة وإرادة لتقرير مصيره وبناء دولة مستقلة له وبالتالي المساهمة في رفد البشرية بمزيد من الإكتشافات والإبتكارات والإنجازات. سنناقش دور التقسيم والإحتلال الإستيطاني لكوردستان في بقاء شعب كوردستان بدون دولة مستقلة، في نقطة أخرى ضمن هذا المقال.
3. الدين الإسلامي: لعِب الدين الإسلامي دوراً هاماً جداً في بقاء الكورد بدون دولة، حيث منذ إحتلال كوردستان من قِبل العرب بإسم الإسلام، خدم الكثير من قادة الكورد الإسلام (العرب والأتراك والفُرس)، بدلاً من خدمة الشعب الكوردي، على سبيل المثال، صلاح الدين الأيوبي الذي حارب الصليبيين بإسم الإسلام وأسّس الدولة الأيوبية، فبدلاً من تأسيس دولة كوردية مستقلة، جعلت دولته تابعة للخليفة العباسي وكان يُذيّل رسائله الى الخليفة العباسي بِعبارة “خادمكم صلاح الأيوبي”. في عهد الدولة الصفوية والعثمانية، بسبب العقيدة الإسلامية للكثير من الكورد والعامِل المذهبي، ساند قسم منهم الدولة العثمانية وقسم آخر ناصرَ الدولة الصفوية وأخذوا يتقاتلون ضد البعض وضحّى عشرات الآلاف من الكورد بِحياتهم من أجل مُحتلي بلادهم، (“مُناصرين الإسلام”، المذهب السُنّي العثماني أو المذهب الشيعي الصفوي)، بدلاً من توحيد أنفسهم ضد محتلّي وطنهم. في الوقت الحاضر يلعب الإسلام دوراً تخريبياً للشعور القومي الكوردي والوطني الكوردستاني، فهناك أحزاب كوردستانية إسلامية، هناك كورد في صفوف المنظمات الإسلامية الإرهابية، هناك الكثير من كورد شمال كوردستان يدعمون ويؤيدون حزب أردوغان الإسلامي وهناك الكثير من الكورد الشيعة الذين شعورهم المذهبي يطغى على شعورهم الوطني والقومي. الأخطر هو أن الثقافة العربية والفارسية والتُركية البدوية من خلال الدين الإسلامي، غزت عقول الكثيرين من الكورد وشوّهت الهوية والشخصية الكوردية الأصيلة وأخذت تتحكم بحياتهم وتجعلهم يخدمون مُحتلّي وطنهم، بدلاً من العمل على تحرير شعبهم وبلادهم من الإحتلال الإستيطاني العربي والفارسي والتُركي. كما أنّه بسبب هذا الإحتلال بإسم الدين والمذهب، فأنّ أكثر من نصف الشعب الكوردي قد إستعربوا وإستفرسوا وإستتركوا وبذلك إنسلخوا عن شعبهم الكوردي وأصبحوا جزءاً من الشعوب المحتلة لكوردستان. من أجل خدمة القومية العربية، إبتكر العرب الدين الإسلامي، فقاموا بإحتلال أوطان شعوب أخرى إستيطانياً وتعريب هذه الشعوب. من أجل خدمة القومية الفارسية، إبتكر الفُرس المذهب الشيعي ونجحوا في هدفهم، فأسسوا الإمبراطورية الصفوية. الأتراك بِدورهم تبنّوا المذهب الحَنَفي من الإسلام، الذي يُجيز لأناسٍ غير منتمين لقبيلة قريش أن يتولّوا الخلافة الإسلامية، فنجحوا في مسعاهم ومن خلاله أسسوا الإمبراطورية العثمانية. كان الكورد من جهتهم يستطيعون تبنّي دينهم الأصيل والعريق، الدين اليارساني، للتخلص من الهيمنة الثقافية والفكرية والسياسية العربية والفارسية والتركية، إلا أنهم لم يفعلوا ذلك بسبب تخلفهم وغزو عقولهم وغسل أدمغتهم من قِبل ثقافة الشعوب المحتلة لكوردستان، فبقوا تابعين أذّلاء، لا حرية ولا إرادة لهم في وطنهم، يتحكّم الأجانب بحياتهم وثروات بلادهم.
4. الموقع الجغرافي الإستراتيجي: تربط كوردستان قارة أوروپا بِقارة آسيا عن طريق البحر والبر. في العصور القديمة كانت كوردستان لها أهمية تجارية كبيرة، حيث كان يمر بها الطريقان التجاريان العالميان: طريق البخور والتوابل القادم من بلاد اليمن جنوباً، وطريق الحرير القادم من آريانا شرقاً. كان هذان الطريقان يلتقيان عند موانئ البحر الأبيض المتوسط. بسبب هذا الموقع الجغرافي الهام، كانت القوى العالمية والإقليمية طامعة فيها وترغب في السيطرة عليها. 5. ظهور الإمبراطورية الصفوية والعثمانية: بعد أن تأسست الإمبراطورية الصفوية والعثمانية وظهور التنافس بينهما على النفوذ والثروة في المنطقة والحروب الكثيرة التي وقعت بين الطرفَين، أصبحت كوردستان جزءاً من ساحة الحروب والصراع بين هاتَين القوتَين العظميتَين وأخذ كل طرف منهما يستقطب الكورد الى جانبه عن طريق إستغلال المذهب السُنّي والشيعي أو من خلال الإغراءات والوعود أو التهديد والقوة. هذا الوضع قسَّم الشعب الكوردي الى جبهتَين معاديتَين وتمّ تقسيم كوردستان لأول مرة. قبل معركة جالديران التي حدثت بين الإمبراطورية الصفوية والعثمانية، كانت كوردستان مقسمة الى إمارات كوردية مستقلة ضمن الإمبراطورية الصفوية، على سبيل المثال كانت إمارة أردلان الكوردستانية تمتد من مدينة أصفهان الى مدينة الموصل ودام حكمها لمدة 700 سنة (1169 – 1869 ميلادية). عند نشوب معركة جالديران بين الإمبراطوريتَين العثمانية والصفوية في سنة 1514 ميلادية وإنتصار العثمانيين في هذه الحرب، تمّ تقسيم كوردستان لأول مرة، حيث تم إحتلال قسم منها من قِبل العثمانيين والقسم الآخر إحتله الصفويون. في 17 مايس سنة 1639، تمّ تثبيت ذلك التقسيم نهائياً بموجب معاهدة قصر شيرين (زهاب) التي أُبرمت بين الإمبراطوريتين المذكورتَين [1].
6. إكتشاف النفط: بعد الحرب العالمية الأولى، كان إكتشاف النفط في إقليم جنوب كوردستان سبباً أساسياً في جعل هذا الإقليم جزءاً من الكيان السياسي العراقي الذي تمّ تأسيسه حسب إتفاقية سايكس – بيكو. وجود كميات هائلة من الپترول في كوردستان، بالإضافة الى الكثير من المعادن، دفعت وتدفع الدول الكبرى والإقليمية الى إيجاد النفوذ في كوردستان والعمل على إبقائها مجزأة لتسهيل السيطرة عليها.
7. إحتلال كوردستان من قِبل أربع دول: بعد إتفاقية سايكس – بيكو تمّ تقسيم كوردستان الى أربع أقسام، فإحتلت كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا جزءاً منها. هذا التقسيم زادَ ويُزيد من صعوبة تحرير كوردستان وإستقلالها ولذلك يتطلبان نضالاً إستثنائياً، حيث أنه رغم الخلاف بين الدول المحتلة لكوردستان في المصالح والنفوذ في المنطقة، إلا أن هذه الدول تتعاون فيما بينها ضد الشعب الكوردي وتحرره، حيث أن إستقلال كوردستان يُشكّل خطراً على وجود ومصالح هذه الدول، حيث أنّ التعاون والتنسيق بين هذه الدول ظهر جلياً في وقوفها ضد إستفتاء الإستقلال الذي تمّ إجراؤه في إقليم جنوب كوردستان في سنة 2017 ميلادية. المصادر1. محمد أمين زكي (1948). تاريخ الكورد وكوردستان – تاريخ الدول والإمارات الكردية في العهد الإسلامي. الجزء الثاني، ترجمة: محمد علي عوني، مطبعة السعادة، القاهرة، مصر.
