بطولة في الجبهات… وعجز في المكاتب
الكاتب : بيوراسب دارا
.
مرّت مرحلة الشيخ مقصود والأشرفية كواحدة من أكثر المحطات دلالة على الفارق الكبير بين شجاعة المقاتلين وتردّد الإدارة الذاتية. فقد أثبت المقاتلون في تلك الفترة قدرة عالية على التقدّم والصمود، ونجحوا في تحقيق مكاسب ميدانية رغم الظروف القاسية ونقص الإمكانات. كانت تضحياتهم واضحة، ونتائجهم ملموسة، وروحهم القتالية مثالاً يُحتذى.
في المقابل، ظهر موقف الإدارة الذاتية آنذاك متردداً وغير منسجم مع حجم تلك التضحيات. برّرت الإدارة إحجامها عن دعم التقدّم بالخوف من تفوّق العرب عدداً داخل قوات سوريا الديمقراطية، معتبرة أن أي خطوة قد تُفسَّر على أنها صدام داخلي. هذا التبرير كشف تناقضاً عميقاً في خطاب الإدارة، إذ كانت ترفع شعارات “أخوة الشعوب” و”ديمقراطية الشعوب”، لكنها لم تُظهر ثقة حقيقية بالشركاء الذين ادّعت أنها تبني معهم مشروعاً مشتركاً.
التجربة أثبتت أيضاً أن النظرية اللاسلطوية التي تبنّتها الإدارة لم تقدّم نموذجاً مستقراً على الأرض. لم تظهر مؤسسات واضحة، ولم تتبلور قيادة سياسية موحّدة، ولم يتشكّل مشروع تحرري محدد المعالم. بقيت المنطقة في حالة انتقالية طويلة، ووجد الشعب الكوردي نفسه أمام واقع ضبابي لا يقدّم إجابات حول المستقبل.
كما برزت مشكلة غياب رؤية واضحة لمستقبل الكورد في روج آفا. لم تُطرح خطة سياسية صريحة حول شكل الحكم، أو سقف الحقوق، أو موقع الكورد في المعادلة الإقليمية. هذا الغياب جعل الإنجازات العسكرية التي تحققت في تلك المرحلة عرضة للتآكل عند أول تبدّل سياسي أو عسكري.
إلى جانب ذلك، ظلّ التوافق الكوردي غائباً رغم الحاجة الملحّة إليه. لم تتجه الإدارة نحو اتفاق مع القوى الكوردية الأخرى، ولم تُوحّد الرموز العسكرية، ولم تعتمد هوية قتالية مشتركة مثل اسم البيشمركة الذي كان يمكن أن يشكّل رمزاً جامعاً. هذا الانقسام خدم خصوم الكورد وأضعف أي مشروع تحرري.
كما بدا الارتهان للسياسة الأمريكية واضحاً في تلك المرحلة. ومع غياب الرؤية، أصبحت الإدارة في موقع المتلقّي للقرارات الدولية، لا صانعتها. هذا الوضع أضعف قدرتها على حماية مصالحها، وخلق فجوة بينها وبين حلفائها، وأفقدها ثقة الناس.
تلك التجربة أثبتت أن استمرار التخبط كان سيقود إلى خسارة كل شيء. التاريخ لا يرحم من يضيّع الفرص، ولا يغفر لمن يخذل شعبه في لحظات المصير.
في الختام
ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية كان درساً واضحاً: الشعب الكوردي بحاجة إلى حركة تحررية جديدة تقدّم نفسها للعالم كقضية أرض وشعب تحت الاحتلال، وتمتلك رؤية واضحة، وقيادة مسؤولة، ومشروعاً سياسياً صريحاً. حركة تضع مصلحة الشعب فوق الحسابات الحزبية، وتعيد للقضية الكوردية مكانتها الطبيعية في الوعي الدولي.