أخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةمقالات

روج آفا بين مشروع الحرية ومحاولات الهيمنة: معركة هوية لا تُؤجَّل

الكاتب: حسين قاسم

تمرّ روج آفا اليوم بمرحلة مفصلية ستحدد مستقبلها السياسي والاجتماعي لعقود قادمة. فبعد سنوات طويلة من الحرب، والانقسام، ومحاولات طمس الهوية، كان أبناء المنطقة يتطلعون إلى بناء نموذج ديمقراطي يقوم على الإدارة الذاتية، والمواطنة المتساوية، واحترام التعددية القومية والدينية والثقافية.

لكن الواقع الراهن داخل مناطق سيطرة دولة الاحتلال يثير أسئلة عميقة حول الاتجاه الذي تُدفع إليه المنطقة، في ظل تصاعد الخطاب الديني المتشدد داخل قطاعات التعليم والإدارة والثقافة والشأن الاجتماعي. وهذا التحول يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل تتجه المنطقة نحو نموذج مدني ديمقراطي يتسع لجميع مكوناتها، أم نحو نموذج سلطوي ديني يسعى لفرض هوية واحدة على مجتمع متعدد الهويات؟

إن أي مجتمع يسعى إلى الاستقرار يحتاج إلى مؤسسات حيادية تمثل جميع أبنائه دون تمييز. فالمدرسة والجامعة والمؤسسة الثقافية والإدارة العامة ليست أدوات لنشر أيديولوجية معينة، بل هي مؤسسات يفترض أن تعكس التنوع القومي والديني الذي تتميز به روج آفا. وعندما تُختزل هذه المؤسسات في رؤية فكرية أو دينية واحدة، فإن ذلك يهدد مستقبل الحريات العامة وحقوق المواطنة، ويعيد إنتاج أنماط الإقصاء التي عانت منها المنطقة لعقود.

ويبدو أن أخطر ما في هذا التحول هو تأثيره على قطاع التعليم. فالمناهج لا تنقل المعرفة فقط، بل تصنع وعي الأجيال القادمة. وإذا تم توجيه التعليم وفق منظور ديني ضيق أو إقصائي، فإن ذلك سيؤدي إلى إنتاج أجيال تنظر إلى الاختلاف بوصفه تهديدًا، لا بوصفه مصدر غنى للمجتمع. وهذا يشكل خطراً مباشراً على مفهوم التعددية الذي قامت عليه تجربة روج آفا.

ولا يتوقف الأمر عند التعليم، بل يمتد إلى الثقافة والفنون والإعلام، وهي فضاءات يفترض أن تكون للتعبير الحر وتعدد الأصوات. وعندما تُفرض عليها قيود أيديولوجية، فإنها تفقد دورها في بناء مجتمع منفتح قادر على استيعاب التنوع. فالمجتمعات التي تنهض هي تلك التي تسمح بالنقاش والإبداع، لا تلك التي تُحاصر في رؤية واحدة مهما كانت مرجعيتها.

أما على المستوى الإداري، فإن نجاح أي نموذج ديمقراطي يعتمد على الكفاءة والنزاهة وسيادة القانون، وليس على الولاء الفكري أو الديني. وإذا أصبحت الوظيفة العامة مرتبطة بالانتماء الأيديولوجي، فإن ذلك سيقوض ثقة المواطنين بالمؤسسات، ويعيد إنتاج أنماط التمييز التي عانت منها روج آفا تاريخيًا.

هذا المسار يثير قلقًا مشروعًا لدى المكونات القومية والدينية في المنطقة: الكورد، السريان، الآشوريون، الأرمن، العرب، الإيزيديون، وغيرهم. فهذه المكونات لا تخشى الدين، بل تخشى أن تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لفرض هوية واحدة على مجتمع متعدد الهويات. الدولة المدنية بالنسبة لهم ليست شعارًا، بل ضمانة وجود وحماية حقوق.

وفي الوقت نفسه، فإن المجتمع الدولي يراقب بدقة طبيعة التحولات داخل مناطق الإدارة الذاتية. فالعلاقات السياسية والاقتصادية المقبلة، وإمكانية دعم الاستقرار، كلها ستكون مرتبطة بمدى التزام المنطقة بمبادئ حقوق الإنسان والحريات العامة والتعددية. وأي انطباع بأن روج آفا تُدفع نحو التشدد أو تضييق المجال العام سيؤثر على مستقبل الدعم الدولي.

إن احترام الدين بوصفه جزءًا من هوية المجتمع لا يتعارض مع بناء نموذج مدني ديمقراطي. المشكلة ليست في الدين، بل في تحويله إلى معيار لإدارة المجتمع وتحديد حقوق المواطنين. فالنموذج المدني لا يعادي الدين، لكنه يرفض أن يتحول إلى أداة سياسية.

إن مستقبل روج آفا لن يُقاس بالشعارات، بل بطبيعة المؤسسات التي ستُبنى في المرحلة المقبلة. فإذا نجحت المنطقة في ترسيخ نموذج يحترم التعددية ويضمن المساواة بين جميع المواطنين، فإنها ستضع الأساس لاستقرار طويل الأمد. أما إذا فُرضت هوية سياسية أو ثقافية أو دينية واحدة، فإن المنطقة قد تدخل في مرحلة جديدة من الصراعات، وهو ما لا تحتمله بعد سنوات الحرب.

الرهان الحقيقي اليوم ليس على انتصار فكر على آخر، بل على بناء نموذج يتسع للجميع، يكون فيه القانون هو المرجعية العليا، وتكون المواطنة أساس الحقوق والواجبات، بما يحفظ وحدة روج آفا ويصون تنوعها التاريخي والإنساني.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *