الأحزاب الكرتونية… والعقل الكوردي العالق بين الراية والحرية
الكاتب : حسين قاسم
طبيعة الأزمة الكوردية اليوم لا تكمن في الشعب، بل في الأحزاب الكرتونية التي صنعت واقعاً مشوّهاً لا يشبه تطلعات الكورد ولا يعكس رؤيتهم. إلى متى يبقى الكوردي أسير أيديولوجيات لا تمثله، ولا تعبّر عن حلمه الطبيعي بالحرية والاستقلال؟! ما زال في روج آفا يُمنع رفع علم كوردستان… لماذا؟ ولماذا يتحوّل العلم، وهو رمز شعبٍ قدّم آلاف الشهداء، إلى مادة للخصومة بدل أن يكون عنواناً لوحدة وطنية؟! العلم ليس قطعة قماش، بل رمز دولة مستقلة لها مكان في الأمم المتحدة، ورمز حق تقرير المصير الذي ناضلت الشعوب من أجله عبر التاريخ.
الأيديولوجيات التي أثقلت الكورد لعقود لم تقدّم لهم دولة، ولم تحمِهم من المجازر، ولم تمنحهم حرية التعبير. أي ديمقراطية نتحدث عنها بينما المواطن لا يستطيع أن يبدي رأيه أو يمارس نشاطه دون خوف من السجن أو الإقصاء؟! الديمقراطية ليست شعارات، بل ممارسة يومية، ومساحة آمنة للرأي، وحق طبيعي في رفع العلم، والتنظيم، والعمل السياسي. ما لم نغيّر أنفسنا، ونكسر القيود الفكرية التي كبّلتنا، لن نحرر حتى أنفسنا. الثورة الفكرية هي البداية الحقيقية، وهي التي تمهّد لثورة شعبية هدفها واحد: حق تقرير المصير ونيل الاستقلال.
والتاريخ مليء بشعوب تحررت عندما كسرت أيديولوجياتها الداخلية أولاً. الهند لم تتحرر من الاستعمار البريطاني إلا عندما تجاوزت صراعاتها الداخلية وتوحدت خلف مشروع وطني جامع. فيتنام لم تنتصر على الاحتلال إلا بعد أن حوّلت وعي الشعب إلى قوة مقاومة موحدة. الجزائر لم تنل استقلالها إلا عندما تجاوزت الانقسامات وتوحدت خلف جبهة واحدة. حتى دول أوروبا الشرقية لم تتحرر من الأنظمة الشمولية إلا بعد ثورة فكرية كسرت الخوف وفتحت الطريق لثورة شعبية.
هذه الشعوب لم تكن أقوى منا، لكنها كانت أوضح هدفاً. نحن قدمنا من الضحايا ما يكفي لبناء دولة كاملة، لكن الأيديولوجيات التعيسة تبعدنا عن الهدف في كل مرة. التحرر يبدأ من الوعي، من كسر الأصنام الفكرية، من إعادة تعريف القضية بعيداً عن الأحزاب، ومن فهم أن الدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بوحدة الهدف، واحترام الرموز، وحق الشعب في أن يقرر مصيره دون وصاية.
