بنية الردع الإقليمية وترسيخ مركزية الدولة: إعادة قراءة في الترتيبات الأمنية لاتفاقية مكة
الكاتب: مروان فلو
مروان فلو-8/8/2026 يطرح توقيع “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين السعودية وتركيا وباكستان تساؤلات جوهرية حول آفاق الهندسة الأمنية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا. فالتحليل الاستراتيجي الجاد يتطلب التمييز الإجرائي بين أربعة مستويات رئيسية: توقيع المعاهدات السياسية، بناء آليات القيادة والتنسيق العسكري الميداني، قابلية تنفيذ التعهد بالدفاع المشترك عند الأزمات، وأخيراً القدرة الفعلية للترتيب الجديد على تغيير توازنات القوى القائمة.
بناءً على ذلك، يتجاوز هذا التحليل التوصيفات الصحفية المتسارعة، ليدرس الاتفاق بوصفه محاولة لبناء بنية ردع إقليمية تقودها دول مركزية، تهدف إلى رفع تكلفة استخدام القوة، وتعزيز مركزية الدولة الوطنية، وتقليص الاعتماد على الضمانات الخارجية.
- بند “الردع الجماعي”: بين التعهد السياسي وآليات التنفيذ
تتضمن المعاهدة بنداً يصرح بأن “أي هجوم مسلح على إحدى الدول يُعد هجوماً على الجميع”، غير أن التكييف الأكاديمي لهذه الصياغة يوجب التمييز بين الالتزام بالرد الجماعي والدخول الآلي المباشر في الحرب. ففي التجارب التاريخية للتحالفات العسكرية (بما فيها حلف الناتو)، لا تعني صياغات الدفاع المشترك تلقائية الرد العسكري بأسلوب موحد، بل تظل مرهونة بمجموعة من المحددات الإجرائية:
- تعريف “الهجوم المسلح”: وتحديد ما إذا كان يشمل التهديدات الهجينة أو الهجمات الصادرة عن فاعلين من غير الدول.
- طبيعة الرد وآلياته: مدى إلزامية التدخل العسكري المباشر مقابل الخيارات البديلة كالدعم اللوجستي، التقني، أو السيبراني، ومدى خضوع القرار للمؤسسات السياسية الوطنية لكل دولة.
- الهيكلية العملياتية: مدى توفر قيادة عسكرية مشتركة وغرف عمليات مفعّلة وقواعد اشتباك موحدة تعزز قابلية التعهد للتطبيق الفعلي.
لذا، من الأدق وصف الاتفاق بأنه ينشئ “التزاماً بالردع الجماعي” يسعى لرفع كلفة أي اعتداء، دون إغفال المسافة الفاصلة بين المعاهدة النظريّة والتطبيق الميداني.
- مخاوف التفكك الإقليمي وتعزيز مركزية الدولة
يمكن قراءة الاتفاق باعتباره خطوة حذرة لمواجهة “مخاوف التفكك الإقليمي وإعادة تشكيل المجال الحدودي”. فخلال العقود الأخيرة، أدى تراجع السلطة المركزية في عدة دول مجاورة إلى بروز كيانات غير نظامية وظهور سيولة جغرافية هددت أمن الدول المجاورة.
في هذا السياق، تظهر وظيفة الاتفاق كـ “حلف محافظ”؛ حيث يُقصد بـ “المحافظة” هنا: العمل على صيانة مركزية الدولة الوطنية، والحفاظ على التوازنات القائمة، والحد من احتمالات نشوء ترتيبات جغرافية وأمنية جديدة بالقوة المسلحة.
- المقاربة التركية: لا تنطلق أنقرة بالضرورة من موقّف أيديولوجي مدافع عن كافة مخرجات النظام الحدودي التاريخي (مثل اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى)، بل تتأسس سياستها على مقاربة أمنية عمليّة ترى في الفراغ السياسي على حدودها الجنوبية خطراً يهدد عمقها الاستراتيجي، ويشجع المشاريع الانفصالية. ومن ثمّ، يخدم الاتفاق مسعاها لتعزيز حدودها الرسمية وتأمين مجالها الحيوي.
- المقاربة السعودية: تتصل المقاربة السعودية برغبة في توفير بيئة أمنية مستقرة تدعم خطط التحول الاقتصادي، عبر الحد من التهديدات العابرة للحدود وتأمين الممرات البحرية الحيوية، وهو ما يتطلب وضع حد لحالة السيولة الأمنية في الإقليم.
- إعادة توزيع الأدوار الاستراتيجية: الاستقلالية والقدرات التنفيذية
لا يعبر الاتفاق عن تحول جذري ومكتمل في الأدوار الوظيفية بقدر ما يعكس اتجاهاً تدريجياً نحو تقليص الاعتماد على الضامن الخارجي وتنويع الخيارات الاستراتيجية:
- الدور التركي: لا تعني الشراكة الجديدة انسحاب تركيا من دورها التقليدي كحارس للطرف الجنوبي لحلف الناتو، بل تتيح لها أداء هذا الدور بالتوازي مع التمدد كـ “مورّد دفاعي وتكنولوجي إقليمي”. تُوفر أنقرة للحلف أنظمة تسليحية متقدمة وتقنيات مسيّرة تصنع هامشاً أوسع للمناورة الاستراتيجية.
- الدور السعودي: تسعى الرياض إلى تقليص الاعتماد الأحادي على المورد الغربي التقليدي، عبر تنويع مصادر التسليح، وتوطين جزء متزايد من القدرات الدفاعية، واستثمار ثقلها الجيو-اقتصادي لبناء شبكات أمان إقليمية متعددة الأطراف.
- الدور الباكستاني: يتركز الإسهام الباكستاني في تقديم الخبرة العسكرية العملياتية، والقدرات التدريبية المتقدمة، والقوة البشرية، والعمق الاستراتيجي لتغذية كفاءة هذا الترتيب الدفاعي، بعيداً عن ربط ذلك بالعقيدة النووية لباكستان التي تخضع لمعايير وردع خاصين بمحيطها المباشر.
- تقاطع الحسابات مع القوى الإقليمية والدولية
- الحسابات الإسرائيلية: من المرجح أن يفرض هذا التكتل المحتمل قيوداً جديدة على الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية؛ فهو قد يرفع كلفة استخدام القوة العسكرية ويُعقد حسابات المخاطرة بالمنطقة، دون أن يعني ذلك بالضرورة الحد الشامل من قدرة إسرائيل العسكرية أو منعها من محاولة التعامل مع أطراف هذا الاتفاق بصورة منفردة وتكتيكية.
- الموقف الأمريكي: يُتوقع أن تنظر واشنطن إلى الاتفاق من منظور مزدوج؛ فهو من جهة يُحقق صيغة لـ “تقاسم الأعباء” يخفف الضغط على الوجود العسكري الأمريكي المباشر، ولكنه من جهة أخرى يُعد مؤشراً على تنامي الاستقلالية الاستراتيجية لشركاء واشنطن الإقليميين وتراجع قدرتها على إملاء الترتيبات الأمنية بشكل منفرد.
- التمايز عن النموذج الإيراني: يختلف هذا الترتيب التكافلي مؤسسياً عن شبكات النفوذ الإقليمية التي تعتمدها إيران؛ إذ يستند اتفاق مكة إلى تعاون رسمي بين دول مركزية وذات مؤسسات عسكرية نظامية، في مقابل النموذج الإيراني القائم أساساً على رعاية ودعم الفاعلين من غير الدول (الميليشيات والتنظيمات المسلحة).
يمثل “اتفاق مكة للدفاع المشترك” محاولة أوليّة لبناء بنية ردع إقليمية تقودها دول مركزية، تهدف بالأساس إلى رفع تكلفة التغيير بالقوة المسلحة، وتقليص الارتهان الكامل للمظلات الأمنية الخارجية. وتبقى نجاعة هذا التحالف رهناً بمدى قدرة أطرافه على تطوير آليات قيادة وتنفيذ عملية تعبر الفجوة بين التعهدات النظرية والتطبيقات الميدانية.
