مشروع السلام في تركيا: فخ تصفية الحقوق الكوردية أم مدخل لسلام تاريخي؟
بقلم: مروان فلو
تتجدد الإشكالية الهيكلية للقضية الكردية في تركيا مع كل طيف مبادرة سياسية، لتطرح سؤالاً محورياً يراوح بين احتمال الإنجاز التاريخي ومخاطر الالتفاف التكتيكي: هل تشكل مسارات السلام الملتفة حالياً مدخلاً صريحاً لإعادة بناء العقد الاجتماعي التركي، أم أنها مجرد هندسة أمنية لتصفية الاستحقاق الكوردي بأقل التكاليف؟
الديناميات التاريخية وعقدة “الدولة العميقة”
منذ عام 1993، مع أول إعلان لإيقاف إطلاق النار من جانب واحد من قبل حزب العمال الكوردستاني، اصطدمت كافة محاولات التسوية بجدار بنية الدولة العسكرية والأمنية. فقد أثبتت التجربة التاريخية—بدءاً من المبادرة المبكرة للرئيس الأسبق تورغوت أوزال وما رافقها من ظروف «تصفيته» المثيرة للجدل، وصولاً إلى وساطات مسعود بارزاني والمبادرة الأخيرة للزعيم المعتقل عبد الله أوجلان—أن العائق الأساسي لا يكمن فقط في الإرادة السياسية للحكومات المتعاقبة، بل في صلب “الدولة العميقة” التي ترعى عقيدة قومية أحادية.
تتعامل المؤسسة العميقة في تركيا مع القضية الكوردية كتهديد أمني وجودي، وليس كإشكالية حقوقية وسياسية. ومن ثم، فإن أي ورقة مطروحة من أوجلان أو غيره تُجابه بمساعٍ حثيثة لتفرغها من مضمونها السياسي، وتحويلها من “تسوية بين مكونات أمة” إلى مجرد “إجراءات عفو أو تسديد ملفات جنائية”، بما يتجاهل كلفة إنسانية وسياسية باهظة تُقدَّر بأكثر من 40 ألف ضحية، ومئات القرى المدمّرة، وسياسات الهندسة الديموغرافية الممتدة لعقود.
المقاربة الدستورية: من المواطنة الفردية إلى “المواطنة الكتلية”
إن المخرجات التشريعية والتحركات البرلمانية الراهنة تفصح عن فجوات قانونية ومفاهيمية عميقة. فالمصطلحات المطروحة تتسم بالضبابية وقابلية التأويل الشديدة، مما يفقدها القوة التنفيذية والضمانات الدستورية.
تتجلى العقدة النظرية والدستورية في نمط “المواطنة”:
المواطنة الفردية المجردة: النموذج اللبرالي القائم على الحقوق الفردية المتساوية لا يكفي لوحده لمعالجة قضايا الشعوب والمكونات الأصلية ذات التاريخ والجغرافيا والهوية المتميزة.
المواطنة الكتلية (الجماعية): الاستقرار المستدام يتطلب “عقداً اجتماعياً جديداً” يعترف بالمكونات القومية ككتل تأسيسية وأطر جماعية ذات حقوق ثقافية وسياسية وتنموية صريحة، بالتوازي التام مع صيانة الحقوق الفردية.
دون هذا التحول المفهومي، ستظل الحقوق السياسية عرضة للانتكاس ومحاطة بالضوابط الأمنية.
الهندسة السلطوية ومأزق المجال العام الكوردي
تتمثل أكبر عقبة أمام بناء الثقة في تعارض التبجح بمشاريع السلام مع الممارسات الميدانية السلطوية:
اعتقال الرموز السياسية: يستمر احتجاز القادة المدنيين، وفي مقدمتهم صلاح الدين دمرتاش ورفاقه، مما يُفرغ العملية السياسية من الشركاء الحقيقيين ويمس بمدنية الحل.
سياسة “القيم” (Kayyım): تجريد البلديات الكوردية المنتخبة ديمقراطياً من شرعيتها واستبدال رؤسائها بمسؤولين معينين أمنياً، مع فرض وصاية إدارية وأمنية مطبقة، يحول الإدارة المحلية إلى مجرد أداة ضبط بيروقراطية تابعة للمركز.
التحالف الحاكم والشارع التركي: الشوفينية كمُعَوِّق ساختاري
تطرح الديناميات الحزبية الراهنة بين رجب طيب أردوغان ودولت بهشلي من جهة، وقيادة حزب الشعوب والمساواة والديمقراطية (DEM) من جهة أخرى، تساؤلاً حول قدرة التحالف الحاكم على إنجاز تحول تاريخي.
تأثير القومية الفائقة: إن الصعود التاريخي للتيارات القومية المتطرفة (كالذئاب الرمادية) يجعل هامش المناورة محدوداً جداً.
جاهزية الشارع: بعد قرن كامل من شحن الشارع التركي بالأيديولوجية المركزية والشوفينية الضيقة ضد الهوية الكوردية، يفتقر المجتمع إلى التمهيد الاجتماعي والثقافي الكافي قبول تنازلات هيكلية تمس مفهوم “القومية التركية الجامدة”.
البعد الإقليمي: توازنات الحدود والامتدادات الكوردية
لا يمكن فصل الداخل التركي عن المحيط الإقليمي الممتد إلى كوردستان باشور«العراق» و كوردستان روژ هلات «إيران» وكوردستان روژ آڤا «سوريا»:
الرفض الإقليمي المتبادل: تخشى العواصم الإقليمية المجاورة (خاصة طهران ودمشق) من أن أية صيغة تمنح كورد تركيا إدارة ذاتية أو مشاركة حقيقية في إدارة الدولة قد تشكل سابقة تُحرّك ديناميات المشهد الكوردي لديهم.
الربط القومي العابر للحدود: يواجه حق الكورد في الحفاظ على هويتهم وتواصلهم الثقافي والاجتماعي مع بقية أجزاء كوردستان رفضاً من القوى الإقليمية التي تعتبر الامتداد الكوردي تهديداً لسلامة أراضيها وتوازناتها الجيوسياسية.
لا يمكن لعملية السلام في تركيا أن تخرج من دائرة “الفخ التكتيكي” إلى “السلام التاريخي” إلا بعلاج بنيوي جذري. يقتضي ذلك تفكيك شبكات الدولة العميقة، والصياغة الصريحة لدستور يتجاوز الشوفينية نحو “المواطنة الجماعية”، ورد الاعتبار السياسي للضحايا والقيادات الممثلة للشعب الكوردي. ودون هذه الاستحقاقات البنيوية، ستظل المبادرات مجرد استراحة أمنية في صراع ممتد.
