تحولات مفهوم النضال وهندسة التنوع: من الانتهازية السياسية إلى المواطنة الجماعية
الكاتب: مروان فلو
الملخص: تقتضي تحولات الفضاء العام إعادة التفكير في المفهوم الإبستمولوجي والعملي لـ “النضال”، بنقله من الاحتكار السياسي والأيديولوجي إلى فضاء المسؤولية المجتمعية والتطوعية الشاملة. يُعالج هذا المقال إشكالية تحول الفعل النضالي إلى أداة للمصلحة الفردية والانتهازية الحزبية، وأثر استقطاب “الخطاب التخويني” في تجريف العمل المدني، مع تقديم رؤية لبناء نموذج دولاتي يستوعب التعددية القومية والدينية عبر مفهوم “المواطنة الجماعية” كبديل للدولة القومية التقليدية، مع الإشارة إلى حالة القضية الكردية في الشرق الأوسط.
أولاً: إعادة تعريف الفعل النضالي: من الاحتكار السياسي إلى الفاعلية المجتمعية
يتأسس النضال في أصله الفلسفي والاجتماعي على “الفعل التطوعي الإيثاري” الذي يُمارَس نيابة عن المجموع أو تمثيلاً للشرائح العاجزة عن التعبير عن حقوقها (Olson, 1965). إلا أن التجربة التاريخية للأنظمة الشمولية والرعاية الحزبية في الشرق الأوسط شهدت تحولاً بنيوياً في هذا المفهوم:
- ظاهرة النضال الريعي والزبائنية: تحول التجنيد السياسي إلى وسيلة لتحصيل مكتسبات شخصية وفئوية، كما تجلّى في النماذج الشمولية (كالأنظمة البعثية في العراق وسوريا)، حيث أُفرغ الانتماء التنظيمي من حمولته القيمية وأصبح محكوماً بمنطق المنفعة المباشرة والزبائنية السياسية (Hinnebusch, 2001; Heydemann, 2000). هذا النمط فرّغ النضال من غايته التحررية وحوّله إلى وظيفة نفعية تُعيد إنتاج الهيمنة.
- النضال التنموي (غير السياسي): يتجاوز المفهوم الحديث للنضال العمل الحزبي والسياسي المباشر نحو ما يُعرف بالفاعلية المجتمعية (Bourdieu, 1986)؛ فالطبيب الذي يُتقن عمله الأخلاقي، والمهندس الذي يلتزم بالمعايير التنموية، والطالب الملتزم بتحصيل المعرفة، يُسهمون في “النضال البنائي” الذي يُشكّل الرافعة الأساسية لاستقلال الشعوب ونهضتها (بشارة، 2012).
ثانياً: أزمة الفضاء العام: التخوين وتجريف النخب الصامتة
يُعاني الفضاء العام المعاصر في المجتمعات النامية مما يُمكن تسميته بـ “النقد التخريبي”، وهو سلوك جماهيري ينزع نحو وصم المخالفين بـ “العمالة” أو “التخوين” عوضاً عن مناقشة الأفكار (Habermas, 1989).
تتلخص الدورة العكسية والتراكمية لخطاب التخوين في السلسلة التالية:
- تصاعد خطاب التخوين والاستقطاب الحاد في الفضاء العام.
- إحباط الفاعلين والنخب المستقلة واستهداف مصداقيتهم.
- سيادة صمت النخب وتراجع المشاركة المدنية التطوعية.
- انكشاف المجتمع وتسهيل الاختراق الإقليمي والدولي للمشروع الوطني.
يُنتج هذا الخطاب أثرين كارثيين على صعيد الاجتماع السياسي:
- صناعة جدار الصمت (Spiral of Silence): انسحاب الكفاءات والمناضلين المستقلين من العمل العام تجنباً للتشويه، وهو ما يفسره نموذج إليزابيث نيل-نويمان حول كيفية خوف الأفراد من العزلة الاجتماعية في الفضاءات المغلقة (Noelle-Neumann, 1974).
- غياب التعددية الأيديولوجية الموجهة: عجز المكونات الوطنية عن تشكيل مدارس فكرية متعدّدة تتفق على الأهداف الاستراتيجية وتختلف في الوسائل، مما يمنح القوى الإقليمية فرصة التلاعب بالمشروع الوطني وإحباط مقومات نهوضه (غليون، 1990).
ثالثاً: المسألة الكوردية وهندسة “السقوف السياسية”
تتأثر القضية الكوردية كغيرها من قضايا الشعوب غير الممثلة دولياً بظاهرة التلاعب الإقليمي بالإرادة الوطنية عبر استراتيجيتين متضادتين يُغذيهما الفراغ الأيديولوجي (Bozarslan, 2004; Chaliand, 1993): - استراتيجية رفع السقوف (المثالية الراديكالية): دفع الخطاب السياسي نحو مطالب غير واقعية دون مراعاة موازين القوى الدولية والإقليمية، بهدف إفشال المشروع كاملاً ووصمه بالراديكالية ومن ثَمَّ شرعنة قمعه.
- استراتيجية تخفيض السقوف (الواقعية المفرطة): إجبار الأطراف الوطنية على التنازل عن الحقوق القومية والتاريخية الأساسية تحضيراً لإذابة القضية داخل الأطر المركزية للدول الغاصبة.
رابعاً: إدارة التنوع: المواطنة الجماعية مقابل الدولة القومية
أثبتت التحولات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط أن “الدولة القومية الأحادية” أو “الدولة الدينية” لم تعد قادرة على ضمان الاستقرار في المجتمعات المركبة (عبد الجبار، 2002). يكمن الحل في الانتقال من المواطنة الفردية (التي تكتفي بالحقوق المدنية وتتجاهل الهوية الثقافية) إلى المواطنة الجماعية (Group-Differentiated Citizenship) التي تعترف بالحقوق السياسية والثقافية للمكونات ككيانات أصيلة (Kymlicka, 1995; Taylor, 1994).
يمكن المقارنة بين نمطين أساسيين للمواطنة على النحو التالي:
- المواطنة الفردية
- المفهوم: مساواة شكلية أمام القانون مع إغفال الهويات الثقافية والفرعية للمكونات.
- آليات التطبيق: صهر الجماعات والتنوع في قومية واحدة أو دين غالب.
- النتائج والنماذج: إنتاج أزمات وصراعات بنيوية مستمرة، كما في حالات تركيا، وإيران، والعراق، وسوريا (Bozarslan, 2004).
- المواطنة الجماعية
- المفهوم: اعتراف دستوري وسياسي كامل بالحقوق الثقافية والسياسية للمجموعات ككيانات أصيلة.
- آليات التطبيق: اعتماد الديمقراطية التوافقية، والفيدرالية، والتمثيل النيابي النسبي.
- النتائج والنماذج: تحقيق استقرار طويل الأمد، كما في تجارب سويسرا، وبلجيكا، وكندا، وجنوب إفريقيا، وإسبانيا (Lijphart, 1977).
تجارب دولية مقارنة: - سويسرا وبلجيكا: اعتمدتا النموذج الديمقراطي التوافقي (Consociational Democracy) والتوزيع المتوازن للسلطة بناءً على المكونات اللغوية والعرقية، مما منع تفكك الدولة وحول التنوع إلى مصدر استقرار (Lijphart, 1977).
- جنوب إفريقيا: أدركت بعد انتهاء نظام الفصل العنصري أن صياغة دستور يعترف بجميع المكونات (11 لغة رسمية) وتأكيد الحقوق الجماعية هو الضمانة الوحيدة لمنع الحرب الأهلية الدائمة (Horowitz, 1985).
خامساً: التوصيات
- صياغة ميثاق شرف نضالي: يُعيد الاعتبار للعمل التطوعي ويُجرّم استخدام الاتهامات العرقية والتخوين داخل الفضاء العام.
- الفصل بين الغاية الاستراتيجية والوسيلة: قبول التعددية الفكرية والسياسية بشرط التوافق على الهدف القومي/الوطني الشامل.
- تبني أطر الفيدرالية التوافقية: طرح مشاريع سياسية تعتمد “المواطنة الجماعية” كحل شامل لإنهاء الصراعات البنيوية في منطقة الشرق الأوسط.
- ++++++++++++++&&&
قائمة المراجع والمصادر (References)
أولاً: المراجع العربية
- بشارة، عزمي. (2012). المجتمع المدني: دراسة نقدية (مع الإشارة للمجتمع المدني العربي). الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
- عبد الجبار، فالح. (2002). الدولة والقبيلة والأديان في الشرق الأوسط. بيروت: دار الساقي.
- غليون، برهان. (1990). محنة النهضة: إشكالية التعددية والوقت السياسي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
ثانياً: المراجع الأجنبية (English References) - Bourdieu, P. (1986). The Forms of Capital. In J. Richardson (Ed.), Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education (pp. 241-258). New York: Greenwood.
- Bozarslan, H. (2004). Violence in the Middle East: From Political Struggle to Self-Destruction. Princeton: Markus Wiener Publishers.
- Chaliand, G. (Ed.). (1993). A People Without a Country: The Kurds and Kurdistan. London: Zed Books.
- Habermas, J. (1989). The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society. Cambridge: MIT Press.
- Heydemann, S. (Ed.). (2000). Networks of Privilege in the Middle East: The Politics of Economic Reform Revisited. London: Palgrave Macmillan.
- Hinnebusch, R. (2001). Syria: Revolution from Above. London: Routledge.
- Horowitz, D. L. (1985). Ethnic Groups in Conflict. Berkeley: University of California Press.
- Kymlicka, W. (1995). Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights. Oxford: Oxford University Press.
- Lijphart, A. (1977). Democracy in Plural Societies: A Comparative Exploration. New Haven: Yale University Press.
- Noelle-Neumann, E. (1974). The Spiral of Silence: A Theory of Public Opinion. Journal of Communication, 24(2), 43-51.
- Olson, M. (1965). The Logic of Collective Action: Public Goods and the Theory of Groups. Cambridge: Harvard University Press.
- Taylor, C. (1994). Multiculturalism: Examining the Politics of Recognition. Princeton: Princeton University Press.
المقال بصيغة ورد
