الرئيسيةقسم التاريخمقالات

صناعة الحديث في العصر العباسي تأليف الباحث والمؤرخ أمير أبو حديد

صناعة الحديث في العصر العباسي

هذا الكتاب ليس سردًا تقليديًا لتاريخ الحديث، ولا محاولة لإعادة تكرار ما كُتب في كتب المصطلح والجرح والتعديل، بل هو قراءة تاريخية نقدية في واحدة من أكثر المراحل تأثيرًا في تشكيل الوعي الديني الإسلامي: العصر العباسي، حيث تحولت الرواية الشفوية المتناثرة إلى مدونات ضخمة، ونشأت علوم الإسناد، وتكوّنت طبقات الرواة، وظهرت المدارس الحديثية الكبرى، واتسعت دائرة التصحيح والتضعيف والقبول والرد.

في هذا الكتاب أطرح سؤالًا جوهريًا: كيف وصل إلينا هذا الكم الهائل من الأحاديث بعد مرور أجيال طويلة على زمن الرسول عليه الصلاة والسلام؟ وكيف أمكن أن تتحدث المصادر عن مئات الآلاف من الروايات في عصر لم تكن فيه وسائل الحفظ والتوثيق والنقل كالتي نعرفها اليوم؟ وهل كانت هذه الأرقام تعني فعلًا مئات الآلاف من الأقوال المختلفة، أم أن تكرار الأسانيد والطرق والرواة أسهم في تضخيم العدد؟

أنطلق في بحثي من التاريخ، لا من التسليم المسبق. أبحث في الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التي أحاطت بتدوين الحديث، وفي أثر الصراعات المذهبية والسياسية والفقهية في حركة الرواية، وفي العلاقة بين السلطة والعلماء والرواة، وفي كيفية ظهور الأحاديث التي استُعملت في تثبيت الطاعة أو تبرير موقف سياسي أو دعم مذهب فقهي أو مواجهة خصم ديني وفكري.

ولا أتعامل مع الرواة والمحدثين بوصفهم أسماءً معزولة عن عصرهم، بل أضعهم داخل بيئتهم التاريخية الحقيقية: مدنهم، رحلاتهم، خصوماتهم، مدارسهم، شيوخهم، تلاميذهم، وصلاتهم بالسلطة والمجتمع. فالحديث لم يُجمع في فراغ، وإنما تكوّن ضمن عالم عباسي واسع امتدت فيه شبكات العلم من المدينة ومكة إلى الكوفة والبصرة وبغداد وخراسان ومصر والشام.

ويتناول الكتاب كذلك قضية الإسناد بوصفها إحدى أهم الظواهر في التراث الإسلامي. أبحث في تطوره، وفي الزمن الذي بدأ فيه الاهتمام المتزايد بسلاسل الرواة، وفي ظاهرة تعدد الطرق للمتن الواحد، وفي الكيفية التي يمكن أن تجعل حديثًا واحدًا يظهر في عشرات أو مئات الصور بسبب اختلاف السند، من غير أن يعني ذلك وجود مئات الأحاديث المستقلة.

كما أتوقف طويلًا عند ظاهرة الوضع في الحديث، وهي ظاهرة لم ينكرها علماء الحديث أنفسهم، بل ألّفوا فيها كتبًا واسعة، ووضعوا من أجلها قواعد للتمييز بين الصحيح والضعيف والموضوع. ومن هنا أطرح السؤال: إذا كانت حركة الوضع قد بلغت درجة استدعت نشوء علوم كاملة لمقاومتها، فما الظروف التي سمحت لها بالانتشار؟ ومن كانوا المستفيدين منها؟ وكيف انعكست الصراعات السياسية والمذهبية والاجتماعية على الرواية؟

ويناقش الكتاب الأحاديث التي ارتبطت بـ السلطة والسمع والطاعة، والأحاديث ذات الصلة بالصراعات السياسية، والمناقب والمثالب، والفرق والمذاهب، والفقه، والفضائل، وغيرها من المجالات التي كان للحديث فيها دور يتجاوز الوعظ الديني إلى صناعة الموقف الاجتماعي والسياسي.

وأفرد مساحة مهمة لمسألة الأرقام الضخمة في كتب المحدثين. فعندما يُقال إن أحد العلماء حفظ مئات الآلاف من الأحاديث، لا أتعامل مع العبارة بحرفيتها قبل أن أسأل: ما المقصود بكلمة «حديث» في اصطلاح ذلك العصر؟ هل كان اختلاف الإسناد يجعل الرواية حديثًا جديدًا في العد؟ وهل كانت الروايات المكررة والموقوفة والمقطوعة والضعيفة تدخل في هذه الأرقام؟ وكيف يمكن فهم هذه الأعداد في ضوء طبيعة التعليم الشفوي والرحلات الحديثية؟

كما أتناول عملية التدوين والتصنيف نفسها: لماذا تأخر ظهور الكتب الحديثية الكبرى إلى القرنين الثاني والثالث الهجريين؟ ماذا كان موجودًا قبلها؟ وما الفرق بين الصحيفة والمصنف والمسند والسنن والصحيح؟ وكيف تطورت فكرة الكتاب الحديثي حتى وصلت إلى الشكل الذي عرفناه لاحقًا؟

لا يهدف الكتاب إلى مهاجمة الدين أو الإساءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا إلى إصدار أحكام مسبقة على كل ما ورد في كتب الحديث. هدفي هو التفريق بين المقدس والتاريخي؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام شخصية دينية مركزية، أما عملية نقل أقواله عبر أجيال من البشر فهي عملية تاريخية يمكن دراستها وتحليل ظروفها وأدواتها ومشكلاتها.

ولهذا أميز باستمرار بين الحديث المنسوب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وبين حقيقة صدوره عنه. فالقول إن رواية ما وردت في كتاب متأخر لا يعني بالضرورة أنني أثبت صدورها تاريخيًا، كما أن التشكيك في طريق رواية معينة لا يعني إنكار كل التراث الحديثي. المنهج النقدي لا يبدأ بالقبول المطلق ولا بالرفض المطلق، وإنما يبدأ بالسؤال والتحقيق والمقارنة.

ومن أهم القضايا التي يناقشها الكتاب أيضًا العلاقة بين الحديث والفقه. فالمذاهب الفقهية الكبرى نشأت في الفترة نفسها تقريبًا التي شهدت نمو حركة جمع الحديث وتصنيفه، ولذلك كان التفاعل بين الفقه والرواية شديدًا. أبحث في هذا التفاعل، وفي كيفية استخدام الحديث لتقوية الرأي الفقهي، وفي المقابل كيفية تأثير المدارس الفقهية في انتقاء الروايات وتفسيرها.

ويطرح الكتاب كذلك إشكالية الذاكرة البشرية في المجتمعات الشفوية. فلا يكفي القول إن الناس كانوا أقوى حفظًا؛ بل يجب دراسة طبيعة الحفظ، وآليات التلقي، ودور الكتابة، واحتمال الاختصار والزيادة والنقل بالمعنى، وكيف ينتقل النص عبر عدة أجيال قبل أن يُدوَّن في صورته التي وصلت إلينا.

وفي أثناء البحث أعود إلى كتب التراث نفسها، فلا أعتمد فقط على النقد الحديث. فكتب الرجال والعلل والموضوعات والتواريخ والطبقات تكشف أن علماء المسلمين الأوائل كانوا يدركون وجود الاختلاف والتدليس والانقطاع والوهم والنسيان والتصحيف والوضع والانتحال. وهذا يعني أن النقد التاريخي للحديث ليس فكرة غريبة تمامًا عن التراث، وإنما يختلف عن النقد القديم في الأدوات والأسئلة والمناهج.

ومن خلال فصول الكتاب أتابع كيف أصبح الحديث مع مرور الزمن سلطة معرفية وتشريعية واسعة، وكيف جرى ترتيب الروايات وطبقاتها، وكيف نشأت مفاهيم الصحيح والحسن والضعيف، وكيف تحولت أقوال منقولة عبر شبكة من الرواة إلى أساس تستند إليه أحكام دينية واجتماعية وسياسية لاحقة.

وفي كتابي هذا لا أطالب القارئ بأن يقبل استنتاجاتي مسبقًا. بل أدعوه إلى أن يقرأ الأدلة، ويقارن الأزمنة، ويتأمل الفجوة بين زمن الحدث وزمن التدوين، ويتساءل عن طبيعة المصادر التي بين أيدينا. فالتاريخ لا يقوم على الرغبة في إثبات ما نؤمن به أو نرفضه، وإنما على محاولة فهم ما حدث فعلًا قدر الإمكان.

إن «صناعة الحديث في العصر العباسي» هو محاولة لفهم الكيفية التي تشكّلت بها واحدة من أضخم المدونات في التاريخ الإسلامي، والظروف التي صنعتها، والرجال والمؤسسات والصراعات التي أحاطت بها، والأسئلة التي تطرحها الأعداد الهائلة من الروايات والأسانيد.

وهو كتاب موجه إلى القارئ الذي لا يخشى السؤال، وإلى الباحث الذي يفرق بين الاحترام الديني والتحقيق التاريخي، وإلى كل من يريد أن يفهم كيف انتقل الحديث من الذاكرة الشفوية إلى الكتاب، ومن الرواية الفردية إلى المؤسسة العلمية، ومن الخبر المتداول إلى المرجعية الدينية الكبرى.

إنني في هذا الكتاب لا أبحث عن هدم التراث، بل عن فهم كيفية تشكله. ولا أتعامل مع الروايات باعتبارها نصوصًا وُلدت خارج التاريخ، بل باعتبارها جزءًا من تاريخ اجتماعي وسياسي وثقافي طويل. ومن هنا جاءت فكرة العنوان نفسه: «صناعة الحديث»؛ ليس بمعنى أن كل الحديث اختُلق أو وُضع، بل بمعنى دراسة العملية التاريخية الواسعة التي جُمعت من خلالها الروايات، ورُتبت، ونُقحت، وصُنفت، وقُبل بعضها ورُفض بعضها الآخر، حتى تكوّن التراث الحديثي بالصورة التي وصل بها إلينا.

وفي النهاية أضع أمام القارئ سؤالًا أراه جوهر هذا البحث كله:

كم مما نقرأه اليوم يمثل بالفعل ذاكرة القرن الأول الهجري، وكم منه يعكس أيضًا أسئلة وصراعات واحتياجات القرنين الثاني والثالث، ولا سيما في العصر العباسي؟

هذا هو السؤال الذي يحاول الكتاب الاقتراب من إجابته، بعيدًا عن التقديس الأعمى، وبعيدًا كذلك عن الرفض المتعجل، ومن خلال قراءة تاريخية نقدية ترى أن السؤال الصعب ليس عدوًا للحقيقة، بل أحد أقصر الطرق إليها.

الباحث والمؤرخ أمير أبو حديد

أمير أبو حديد

أنا أمير أبو حديد، من غرب كوردستان، روج آفا – كوردستان سوريا، من قرية الزهرية، من بيت رفو. ولدت عام 1965، وترعرعت في مدينة حلب، حيث أمضيت سنوات طفولتي وشبابي وتلقيت تعليمي حتى حصولي على الشهادة الثانوية. منذ سنواتي الأولى كان التاريخ بالنسبة إليّ أكثر من مجرد حوادث وأسماء وتواريخ؛ كان سؤالًا دائمًا عن الإنسان والأرض والهوية والحقيقة. وهذا الشغف هو الذي قادني لاحقًا إلى رحلة طويلة في الدراسة والبحث لم تتوقف حتى اليوم. بعد إنهائي المرحلة الثانوية انتقلت إلى دمشق والتحقت بكلية الآداب، قسم الفلسفة. وبعد السنة الأولى انتقلت إلى كلية التربية لدراسة علم النفس. وقد أتاحت لي هاتان التجربتان الاقتراب من الإنسان من زاويتين مختلفتين: الفكر والنفس، وهو ما ترك أثرًا في الطريقة التي أصبحت أقرأ بها التاريخ فيما بعد. ثم انتقلت إلى بيروت للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت، كلية الآداب والعلوم، قسم التاريخ. وهناك درست موضوعات شملت تاريخ الشرق الأوسط، وتاريخ بلاد الشام، والدراسات العثمانية وآثار الشرق القديم. وكانت بيروت بالنسبة إليّ أكثر من مرحلة جامعية؛ ففي أثناء وجودي فيها بدأت، باجتهاد شخصي، دراسة الأديان السماوية الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام، والبحث في نصوصها وتاريخها والعلاقات التي نشأت بينها وبين مجتمعات الشرق الأدنى. وبسبب الحرب الأهلية اللبنانية انتقلت إلى هولندا، حيث واصلت مسيرتي الدراسية والمعرفية، وأقيم فيها منذ نحو ثمانية وثلاثين عامًا. أكثر من ثلاثين عامًا في البحث لم تتوقف علاقتي بالتاريخ بانتهاء الدراسة الجامعية، بل بدأت بعدها بالنسبة إليّ المرحلة الأهم. فعلى مدى أكثر من ثلاثين عامًا واصلت البحث والتدقيق والمقارنة والتفتيش عن الحقيقة التاريخية، وخصوصًا في تاريخ الشرق الأدنى القديم، وشعوب بلاد الرافدين وزاغروس، والحوريين والكورد، وتاريخ الأديان والهويات والقوميات التي تشكلت في المنطقة. وأحرص على متابعة ما يصدر حديثًا من أبحاث ودراسات، ولي اتصالات ومراسلات مع جامعات في هولندا بهدف الاطلاع على المستجدات في علم الآثار والدراسات التاريخية والبحوث المتعلقة بالشرق القديم. وقد تعلمت خلال هذه الرحلة الطويلة مبدأً أعدّه أساسًا في عملي: التاريخ ليس نصًا مقدسًا لا يجوز الاقتراب منه. فالعلم يتقدم باستمرار، والتنقيبات الأثرية تكشف مواقع جديدة، والنقوش والمسماريات يعاد فحصها وقراءتها، ونظريات كانت مقبولة لعشرات السنين قد تتغير عندما يظهر دليل جديد. وقد أثبت تطور علم الآثار والدراسات المسمارية أن بعض القراءات والتفسيرات القديمة تحتاج إلى التصحيح أو إعادة النظر. ولهذا لا أتعامل مع رأي مؤرخ أو عالم، مهما كان اسمه، باعتباره نهاية البحث، وإنما أسأل دائمًا: ما الدليل؟ وما المصدر؟ وهل ما زال هذا التفسير قائمًا أمام المكتشفات والدراسات الحديثة؟ مؤلفاتي وأبحاثي وصل عدد كتبي المنشورة على موقع مكتبة نور العربية إلى 27 كتابًا، تناولت فيها موضوعات تاريخية وفكرية متعددة، مع اهتمام خاص بتاريخ الشعب الكوردي وحضارات الشرق الأدنى القديم. ومن بين مؤلفاتي: «تاريخ الكورد بالمختصر المفيد»، الذي حاولت من خلاله تقديم تاريخ الشعب الكوردي وجذوره ومسيرته التاريخية بصورة واضحة ومركزة. وكتاب «البارزاني: من عشيرة جبلية إلى قوة سياسية في كوردستان»، الذي أتناول فيه التحولات التاريخية والسياسية التي رافقت صعود الحركة البارزانية ومكانتها في التاريخ الكوردي الحديث. وكذلك كتاب «من زاغروس الساسانية إلى شنكال: تاريخ العنف والمجازر والتهجير ضد الشعب الكوردي من 636م إلى الوقت الحاضر»، وهو محاولة لتوثيق مسار طويل من الحروب والمجازر والتهجير والتحولات التي تعرض لها الشعب الكوردي عبر مراحل تاريخية مختلفة. كما كنت من أوائل من تناولوا بالنقد ما يسمى «حضارة تارتاريا»، وخصصت لها دراسة هدفت إلى تفكيك الادعاءات المنتشرة حول وجود إمبراطورية تارتارية عالمية مخفية، ومقارنتها بالخرائط والوثائق والشواهد التاريخية. ولي كذلك كتاب أتناول فيه الحضارة الإغريقية وصلاتها بحضارات الشرق القديم، وأبحث بصورة خاصة في أوجه التشابه والتأثير التي أراها بين بعض الموروثات الإغريقية والعالم الحوري، ولا سيما في مجال الآلهة والأساطير والمعتقدات. الحوريون والكورد وإعادة قراءة تاريخ الشرق القديم يشكل البحث في الحضارة الحورية واحدًا من أهم محاور مشروعي الفكري والتاريخي. ومن خلال سنوات طويلة من المقارنة بين الجغرافيا والأسماء القديمة والنقوش والمواقع الأثرية وحركة الشعوب، طورت أطروحتي الخاصة حول العلاقة التاريخية بين الحوريين والكورد، وأعمل على إعادة قراءة تاريخ المناطق الممتدة من جبال زاغروس إلى شمال بلاد الرافدين والجزيرة السورية والأناضول ضمن هذا الإطار. كما طرحت قراءتي الخاصة لمسألة الأموريين، وحاولت من خلالها إعادة النظر في هويتهم وأصولهم وعلاقتهم بالشعوب والجغرافيا المحيطة بهم. وعملت كذلك على تحديد ما أراه الجغرافيا التاريخية لكوردستان الكبرى، من خلال مقارنة الخرائط التاريخية وأسماء المناطق والجبال والأنهار والمدن والمصادر القديمة والحديثة. ومن أبحاثي التي أعتز بها أيضًا دراسة أكاديمية خصصتها لمسألة أصول السومريين. وفيها أطرح أطروحتي بأن البحث عن جذورهم ينبغي أن يتجه نحو المجال الحوري والزاغروسي والكوردي القديم، وأقدم الأدلة والمقارنات التي بنيت عليها هذا الاستنتاج، مع مناقشة النظريات الأخرى المتعلقة بأصل السومريين. وأؤكد عندما أطرح مثل هذه الآراء أنني أقدم نتائج بحثي وأطروحاتي الشخصية؛ فالقول إنني أول من فك «شفرة الأموريين»، أو أول من ربط الكورد بجذور حورية، أو أنني أثبت الأصل الحوري-الكوردي للسومريين، هو ما أتوصل إليه وأدافع عنه في أبحاثي، وأضع أدلتي أمام القارئ والباحث للنقاش والنقد والمقارنة. لماذا أبحث في التاريخ؟ بعد هذه السنوات الطويلة أصبحت أكثر اقتناعًا بأن وظيفة الباحث ليست الدفاع عن الرواية التي ورثها، وإنما اختبارها. أنا لا أبحث لكي أكرر ما كتبه الآخرون، ولا أعتقد أن قدم النظرية يجعلها صحيحة بالضرورة. أبحث في النقوش، والآثار، والجغرافيا، واللغات، والخرائط والمصادر، وأقارن بينها قدر استطاعتي، لأنني أؤمن بأن اكتشافًا أثريًا واحدًا أو قراءة صحيحة لنقش قديم قد يجبرنا أحيانًا على إعادة النظر في صفحات كاملة من التاريخ. قد يتفق القارئ معي، وقد يختلف، وهذا حقه. ما أطلبه هو أن يكون الدليل هو الحكم. رحلتي التي بدأت من قرية الزهرية، ومرت بحلب ودمشق وبيروت، واستقرت بي في هولندا، تحولت عبر العقود إلى رحلة بحث عن شيء واحد: الحقيقة التاريخية كما أستطيع الوصول إليها، لا كما يراد لي أن أراها. وما زلت أقرأ وأبحث وأراجع وأصحح؛ لأنني أؤمن أن الباحث الحقيقي لا يصل إلى يوم يقول فيه إنه عرف كل شيء، بل يبقى مستعدًا لأن يعيد النظر في رأيه عندما يظهر أمامه دليل أقوى. أنا الباحث والمؤرخ أمير أبو حديد باحث في التاريخ والفكر، ومؤرخ وكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *