حول حقّ الشعوب في تقرير المصير وموقع الشعب الكوردي ضمن هذا الإطار
الكاتب: حسين قاسم ( بيوراسب)
يُعدّ حقّ الشعوب في تقرير مصيرها أحد أكثر المبادئ رسوخاً في القانون الدولي الحديث، وقد تحوّل من فكرة أخلاقية إلى قاعدة قانونية مُلزِمة عبر سلسلة من القرارات والمواثيق الدولية التي أرست الأساس النظري والعملي لإنهاء الاستعمار، ولإقامة الدول على أساس إرادة الشعوب لا على أساس القوة. وقد شكّلت قرارات الأمم المتحدة – منذ منتصف القرن العشرين – بنية متكاملة تؤكد أن إخضاع أي شعب لسيطرة أجنبية أو لحرمانه من هويته السياسية والثقافية هو انتهاك مباشر لحقوق الإنسان وللسلم الدولي.
من أبرز هذه القرارات: ميثاق الأمم المتحدة الذي وضع في مادته الأولى مبدأ المساواة بين الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، ثم العهدان الدوليان لحقوق الإنسان اللذان جعلا هذا الحق مادة أولى مشتركة، تليهما القرارات الكبرى مثل 1514 الخاص بمنح الاستقلال للشعوب المستعمَرة، و1541 الذي حدّد أشكال ممارسة هذا الحق، و2625 الذي كرّسه كقاعدة آمرة في القانون الدولي، إضافة إلى قرارات أخرى مثل 2621، 3314، 421، 545، 637، وغيرها من القرارات التي رسّخت أن تقرير المصير ليس خياراً سياسياً بل حقّاً قانونياً لا يمكن مصادرته. هذه القرارات – التي تشكّل أكثر من عشرة نصوص أساسية – تؤكد جميعها أن الشعب، أي شعب، يمتلك الحق في اختيار وضعه السياسي، وفي بناء كيانه الوطني على أرضه التاريخية، وأن أي محاولة لدمجه قسراً أو صهره أو محو هويته تُعدّ شكلاً من أشكال الاستعمار الحديث.
ضمن هذا الإطار، تبدو القضية الكوردية واحدة من أكثر القضايا التي ينطبق عليها مفهوم الشعب المحروم من حقّه الطبيعي في تقرير مصيره. فالشعب الكوردي يمتلك كل عناصر “الشعب” في القانون الدولي: أرض تاريخية متصلة، لغة وهوية وثقافة مميزة، ووعي قومي ممتدّ عبر قرون، إضافة إلى تعرضه لسياسات قمعية ممنهجة في دول التقسيم. ومع ذلك، لم تُقدَّم القضية الكوردية في المحافل الدولية بالشكل الذي يعكس حقيقتها القانونية. فالأحزاب الكوردية – في معظم مراحلها – لم تتقدّم إلى الأمم المتحدة بوصفها ممثلاً لشعب يعيش على أرضه التاريخية، بل بوصفها “أحزاباً معارضة” داخل دول الاحتلال، منسوبة إلى تلك الدول لا إلى كوردستان.
هذا الخطأ البنيوي في تعريف الذات أدّى إلى تحويل القضية من قضية شعب وأرض إلى قضية أقلية داخل دولة. وهكذا انحصر الصراع في مطالب ثقافية وتعليمية وحقوق لغوية، بينما بقي السؤال الجوهري – سؤال السيادة على الأرض التاريخية – خارج الطاولة. وبذلك تحوّل النضال الكوردي إلى معركة وجود ثقافي داخل حدود مفروضة، لا إلى معركة تقرير مصير لشعبٍ مقسوم قسراً بين أربع دول.
نتيجة هذا الإطار الضيق، تعرّض التراث الكوردي والعقل الكوردي إلى ما يمكن وصفه بـ جينوسايد مجتمعي–سياسي صامت: تغيير الأسماء الجغرافية، محو الذاكرة، تهميش اللغة، تفتيت الهوية، ودمج وصهر شعب أصيل ضمن شعوب ليست أصلية على أرضه. هذا النوع من الإبادة لا يُمارَس دائماً بالسلاح، بل عبر سياسات طويلة الأمد تهدف إلى تحويل الشعب إلى “مكوّن” داخل دولة، لا إلى شعبٍ له حقّ في دولة.
لكن القانون الدولي – كما تعكسه القرارات الكبرى للأمم المتحدة – لا يرى الأمور بهذه الطريقة. فالمعيار القانوني واضح: الشعب الذي يمتلك أرضاً وهوية وتاريخاً، وتُفرض عليه سيطرة خارجية أو تقسيم قسري، يمتلك حقّاً أصيلاً في تقرير مصيره، بما في ذلك إقامة دولته المستقلة. وهذا ينطبق على الشعب الكوردي كما انطبق على عشرات الشعوب التي نالت استقلالها عبر القرارات نفسها.
إنّ حقّ الشعب الكوردي في إقامة دولته ليس مطلباً سياسياً طارئاً، ولا مشروعاً انفصالياً كما تحاول دول الاحتلال تصويره، بل هو امتداد مباشر لمبدأ تقرير المصير الذي صاغته الأمم المتحدة، والذي أُنشئت من أجله عشرات الدول الحديثة. وما لم تُصَغ القضية الكوردية في إطارها الصحيح كقضية تحرر وطني لشعبٍ على أرضه التاريخية، سيبقى الصراع محصوراً في الهوامش، بينما يستمر الجينوسايد المجتمعي والسياسي ضد هوية هذا الشعب.
إنّ كوردستان ليست مطالبة بالاعتذار عن وجودها، بل العالم هو الذي مدعوّ للاعتراف بأنّ شعباً كاملاً حُرم من حقّه الطبيعي في الدولة. والقانون الدولي – بكل نصوصه وقراراته – يقف إلى جانب هذا الحق، ويمنحه شرعية كاملة لا يمكن إنكارها.
