القوة الناعمة الكوردية:الثقافة والشتات والدبلوماسية العامة
بقلم: مروان فلو – باحث في التحليل السياسي والاستراتيجي
ملخص
تتناول هذه الدراسة القوة الناعمة الكوردية بوصفها حقلاً استراتيجياً مستقلاً عن السياسة الحزبية والدولة القُطرية، وتفحص إمكانية تحويل عناصر الهوية الكوردية – اللغة والثقافة والذاكرة التاريخية والشتات – إلى أصول قابلة للتوظيف الاستراتيجي عبر أطر نظرية مستقرة في العلاقات الدولية والدبلوماسية العامة. تخلص الدراسة إلى أن غياب الدولة الكوردية الموحدة لا يمنع تراكم النفوذ الناعم، لكن هذا التراكم مشروط بالمأسسة والاستقلال عن الاستقطاب الحزبي، وتقترح إطاراً مؤسسياً عملياً لتحقيق ذلك.
كلمات مفتاحية:
القوة الناعمة، الدبلوماسية العامة، الشتات، الهوية الكوردية، الدبلوماسية الثقافية، بناء الصورة الوطنية.
أولاً: الإطار النظري – من الهوية إلى النفوذ
يستدعي تأطير هذا الموضوع أكاديمياً العودة إلى المفهوم الذي صاغه جوزيف ناي (Joseph Nye) في مطلع التسعينيات.
عرّف ناي القوة الناعمة بأنها القدرة على تحقيق ما تريده الدولة أو الفاعل من خلال الجاذبية لا الإكراه أو الدفع، أي عبر المغناطيس لا العصا أو الجزرة. وقد ميّز ناي بوضوح بين القوة الصلبة التي تُفرض بالقهر أو الابتزاز، والقوة الناعمة التي تجعل الآخرين يريدون ما تريده أنت أصلاً، حتى إنه لخّص الفكرة بقوله إن الفارق الحاسم في السياسة الدولية لم يعد مَن يملك الجيش الأقوى، بل مَن تفوز روايته.
هذا الإطار يفسر أهمية أن تُبنى الحالة الكوردية على “رواية فائزة” لا على جيش أو دولة فقط، لكنه يحتاج إلى استكمال بمفهوم أحدث وأكثر التصاقاً بحالة شعب بلا دولة موحدة: الدبلوماسية العامة للشتات .
طوّرت الباحثة ألينا دوليا (Alina Dolea) إطاراً تحليلياً يصف الشتات بوصفه فاعلاً عابراً للحدود قادراً على التأثير في كل من بلد الإقامة وبلد الأصل، بل وعلى إعادة تشكيل الخطاب الدبلوماسي الرسمي للدول أحياناً أو تعطيله. وتخلص أدبيات هذا الحقل إلى أن الدول التي تنجح في مأسسة علاقتها بشتاتها – كما في التجربة الأيرلندية والإسرائيلية والصهيونية والصينية والهندية – تحوّل هذا الشتات من مجرد جالية إلى شبكة نفوذ منظمة.
من هذين الإطارين تنبثق أطروحة هذه الدراسة:
القوة الناعمة الكوردية لا تحتاج إلى دولة كوردية لكي تبدأ، لكنها تحتاج إلى مؤسسات تتعامل مع الثقافة والشتات والمعرفة بوصفها أصولاً استراتيجية لا أدوات حزبية.
ثانياً: من الهوية الشعورية إلى النفوذ القابل للتحويل
الهوية بذاتها ليست قوة؛ فقد يعتزّ مجتمع بلغته وتاريخه من دون أن يملك أي قدرة على التأثير في الآخر. القوة تبدأ حين تنتقل الهوية من الشعور الداخلي إلى قيمة قابلة للتفاعل معها من الخارج: اللغة تتحول إلى قوة حين تنتج أدباً وترجمة ومحتوى رقمياً؛ الثقافة تتحول إلى قوة حين تنتج سينما وموسيقى ومؤسسات تصل إلى جمهور غير كوردي؛ التاريخ يتحول إلى قوة حين يُدرَّس ويُوثَّق ويُترجَم؛ والشتات يتحول إلى قوة حين يصبح شبكة من الأكاديميين ورجال الأعمال والفنانين لا مجرد تجمع مهاجرين. المطلوب إذن ليس فقط “الحفاظ على الهوية”، بل إنتاج النفوذ من خلالها.
ثالثاً: البنية التحتية الثقافية واللغوية
تملك الثقافة الكوردية أصولاً غنية – اللغة والشعر والموسيقى والفنون البصرية والمطبخ ونوروز – وقد لعبت مؤسسات الشتات دوراً تأسيسياً في حمايتها؛ فمعهد الكورد في باريس، المؤسَّس عام 1983، يقدّم نفسه مؤسسة مستقلة غير حزبية مكرَّسة لحفظ اللغة والتاريخ والتراث وتعريف الجمهور العالمي بالكورد. هذه التجربة تؤكد مبدأً محورياً:
الثقافة لا تصبح قوة إلا عبر مؤسسات تنتج المعرفة وتحفظها وتنقلها.
غير أن اللغة تظل التحدي الأعمق، إذ تواجه ازدواجية اللهجات والأنظمة الكتابية من جهة، وانقطاع أجيال الشتات عن لغتهم الأم من جهة أخرى. الهدف الاستراتيجي السليم ليس حسم أي اللهجات “أصح”، بل حماية التنوع اللغوي مع بناء جسور ترجمة بين مكوناته، عبر مراكز ترجمة ومعاجم رقمية حديثة ومنصات تعليم إلكتروني ودعم للنشر الأدبي والعلمي بالاتجاهين. فالسؤال الاستراتيجي ليس
“كيف نحافظ على اللغة؟” بل “كيف نجعلها قادرة على إنتاج المستقبل؟”
رابعاً: الشتات كشبكة نفوذ لا كجمهور تعبوي
يُختزل الشتات الكوردي غالباً في كتلة بشرية تُعبَّأ في المناسبات السياسية، وهذا تصور ضيق يُهدر إمكاناته الفعلية كشبكة معرفية واقتصادية ودبلوماسية عابرة للحدود. تشير الدراسات إلى أن الأجيال الكوردية الثانية والثالثة في أوروبا لا تتعامل مع هويتها الكوردية بوصفها بديلاً عن مواطنتها الألمانية أو الفرنسية، بل تمارس ازدواجية مواطَنة – انتماء تحوّلها إلى جسور أكثر فاعلية من أي خطاب سياسي مستورد: الأستاذ الجامعي والطبيب والمهندس والصحفي والبرلماني، كلٌّ منهم جسر مختلف.
المشكلة الفعلية ليست غياب الكفاءات – فالأدبيات المتعلقة بالشتات الكوردي في ألمانيا وفرنسا توثّق تنوعاً واضحاً في أشكال المشاركة المدنية والثقافية – بل غياب البنية التي تربط هذه الكفاءات ببعضها وبالمصلحة العامة من دون تسييسها حزبياً.
خامساً: الدبلوماسية العامة بوصفها علاقة لا دعاية
يجب التمييز بدقة بين الدعاية التي تريد إقناع الآخر بموقف بعينه (“استمعوا إلينا”)، والدبلوماسية العامة التي تبني علاقة طويلة الأمد مع المجتمعات والمؤسسات (“تعالوا وتعرّفوا علينا”). إذا اختُزلت كل الرسائل الكوردية في المظلومية والصراع، فسيتعرف العالم إلى الكورد من خلال الألم وحده.
القوة الناعمة تتطلب صورة أكثر اكتمالاً: من هم الكورد، وماذا أنتجوا ثقافياً ومعرفياً، وما الذي يمكن أن يضيفوه – من دون التقليل من توثيق الانتهاكات الموثقة تاريخياً.
هذا يفضي إلى تحوّل سردي جوهري: من “نحن عانينا” إلى “نحن عانينا، ونملك أيضاً ما نقدّمه” – أي من رواية الضحية إلى رواية الفاعل القادر على المساهمة في صناعة الحل.
سادساً: أدوات التحويل – الاحتفال، الفن، والجامعة
نوروز نموذج جاهز لتحويل الاحتفال الداخلي إلى منصة عالمية، بدعوة الآخر للمشاركة لا لمجرد المشاهدة.
السينما والأدب والموسيقى أسرع من الخطاب السياسي في تغيير الصورة الذهنية؛ الفارق بين عمل يتحدث “عن القضية” وعمل يروي قصة إنسانية كوردية هو الفارق بين مخاطبة جمهور مسيَّس أصلاً ومخاطبة جمهور عام لا يعرف شيئاً عن الكورد.
الجامعات ومراكز الدراسات الكوردية أكثر استدامة من المنابر السياسية؛ الاستثمار في الترجمة الأكاديمية والأرشفة الرقمية والمنح والمؤتمرات الدولية ينتج رصيداً معرفياً يبقى بعد انتهاء أي دورة سياسية.
الشباب والمرأة والفضاء الرقمي: الأجيال الجديدة تملك أدوات إنتاج ونشر لم تكن متاحة سابقاً، ووظيفتها ليست نقل الرواية القديمة بل إعادة إنتاج الهوية بلغة العالم الجديد ولغاته المتعددة – فالرسالة التي تبقى كوردية فقط تخاطب الكورد، أما التي تُترجَم بالعربية والتركية والفارسية والإنكليزية والألمانية فتبدأ بمخاطبة العالم فعلاً.
سابعاً: البُعد المؤسسي – لماذا يفشل الحزب في إدارة القوة الناعمة
الخطر الأكبر في هذا المشروع هو تحويل القوة الناعمة إلى قوة حزبية: حين يصبح كل مهرجان ومؤسسة ثقافية وخطاب دولي محسوباً على جهة سياسية بعينها، فإن العالم الخارجي – الذي لا يرى تفاصيل الخلافات الداخلية بل يرى “الكورد” ككتلة واحدة – يفقد الثقة في مصداقية الرسالة كلها. التعدد الحزبي ليس مشكلة بذاته، لكن احتكار الحزب لبوابة التمثيل أمام العالم هو المشكلة.
من هنا تُقترَح فكرة “مجلس كوردستاني للثقافة والشتات والدبلوماسية العامة”، مؤسسة غير حزبية وغير تابعة لحكومة واحدة، لا تدّعي تمثيلاً سياسياً، ووظائفها:
شبكة ربط بين الجامعات والكفاءات في الشتات.
منصة ترجمة ودعم نشر وأرشفة رقمية.
تنسيق الفعاليات الدولية (نوروز نموذجاً).
إنتاج أبحاث دورية حول صورة الكورد في الإعلام العالمي (قياس الأثر، لا الانطباع).
حلقة وصل مؤسسية مع الجيل الثاني والثالث من الشتات.
كما أن الدبلوماسية العامة تبدأ من الداخل: النموذج الذي تبنيه المناطق الكوردية فعلياً في التعليم والتنمية وسيادة القانون وحقوق المرأة هو أفضل مادة دبلوماسية، لأن الفجوة بين الخطاب الخارجي والواقع الداخلي تنتقل حتماً إلى الخارج.
ثامناً: بُعد مقارن مقترح (إضافة أرى أنها ضرورية)
يفيد المقال من إسناد أطروحته إلى تجارب مقارنة موثقة أكاديمياً بدل الاكتفاء بالاستدلال النظري المجرد؛ من أبرزها:
التجربة اليهودية والصهيونية: مأسسة العلاقة مع الشتات عبر منظمات مثل الوكالة اليهودية، وتحويل الشتات إلى قناة تمويل ولوبي سياسي واستثمار منظم – نموذج يُدرَس كثيراً في أدبيات الشتات الدبلوماسي رغم إشكالياته السياسية.
التجربة الأيرلندية: توظيف الأدب والموسيقى (من جيمس جويس إلى الموسيقى التقليدية والفرق العالمية) ومؤسسات رسمية مثل “Global Irish” لتحويل شتات فقير تاريخياً إلى شبكة نفوذ اقتصادي وثقافي في الولايات المتحدة تحديداً.
التجربة الأرمنية: مأسسة ذاكرة الإبادة الجماعية أكاديمياً وقانونياً عالمياً، مع محاولات موازية – غير مكتملة دوماً – للانتقال إلى رواية ما بعد المظلومية عبر الاستثمار والتكنولوجيا.
مقارنة نقدية بين هذه الحالات (لا تكرار سردها فقط) يمكن أن تشكّل حلقة مستقلة لاحقة في هذه السلسلة، وتمنح التوصيات المؤسسية الواردة أعلاه سنداً تجريبياً أقوى من الاستنتاج النظري وحده.
خاتمة: من شعب يريد أن يُسمَع إلى شعب يُصغى إليه
لا تحتاج القوة الناعمة الكوردية إلى دولة كي تبدأ، ولا إلى إجماع سياسي كامل، بل إلى مساحة مشتركة تتفق عليها القوى المختلفة، وشبكة تربط خصوصيات الأجزاء الأربعة من دون إلغائها. والأهم أنها تحتاج إلى تحرير الثقافة من الاستخدام الحزبي الضيق لا إلى تحويلها إلى سلاح سياسي.
القاعدة الاستراتيجية الختامية: لا تجعل ثقافتك شعاراً سياسياً بل جسراً؛ لا تجعل الشتات جمهوراً بل شبكة؛ لا تجعل الدبلوماسية العامة دعاية بل علاقة. فالقوة التي تُفرض قد تثير المقاومة، والتي تُشترى تنتهي بانتهاء الصفقة، أما التي تجعل الآخر راغباً في معرفتك، فتبقى أبعد من السياسة نفسها.
مراجع أساسية للتوسع الأكاديمي:
Nye, Joseph S. Soft Power: The Means to Success in World Politics, 2004.
Nye, Joseph S. Bound to Lead: The Changing Nature of American Power, 1990.
Dolea, Alina E. “Diaspora Diplomacy, Emotions, and Disruption: A Conceptual and Analytical Framework,” CPD Perspectives on Public Diplomacy, 2024.
Institut kurde de Paris – وثائق المعهد التعريفية بأهدافه المؤسسية.
