خريطة سياسية- اقتصادية ترسمها الإعفاءات الأمريكية في الشمال السوري

طرح قرار وزارة الخزانة الأمريكية منح التراخيص الأخيرة لمناطق في شمال شرقي وغربي سوريا، أوراقًا تغير الكثير من المعطيات الحالية بعد الجمود الأمريكي في التعامل مع الملف السوري منذ استلام الرئيس الأمريكي، جو بايدن، للإدارة الحالية.

ولاتزال الأمور أقرب إلى الضبابية فيما يخص أثر هذه الإعفاءات على المنطقة من الناحية السياسية والاقتصادية واستفادة النظام السوري منها، وكيفية استثمارها على الأرض من قبل “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا، أو في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة المؤقتة في الشمال الغربي من سوريا.

تناقش عنب بلدي المتغيرات السياسية والاقتصادية المترتبة على خلفية قرار الاستثناءات مع عدد من الباحثين السياسيين والاقتصاديين المطلعين على الوضع في المنطقة.

قصة الإعفاءات

بدأ العمل على قرارات الإعفاءات منذ بداية عام 2022، وأخبر المسؤولون الأمريكيون المنظمات السورية- الأمريكية ثم الائتلاف السوري المعارض، ثم الحكومة التركية في شباط، ليتم بعدها إعلام الدول الداعمة لسوريا في مؤتمر “بروكسل” المنعقد مطلع هذا الشهر، ليعلن بشكل رسمي في الاجتماع الوزاري للتحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” في 11 من أيار الحالي، بحسب ما قاله الدبلوماسي السوري السابق بسام بربندي، في حديث إلى عنب بلدي.

وكان الهدف المعلن من القرار دعم جهود “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لمحاربة “الإرهاب”، أي أن المنطقة يجب أن تكون مستقرة لتتمكن القوات من محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”، ولكن الأمريكيين دعموا الفكرة للاستفادة المالية منها عبر المنظمات، وكانت الغاية منها أن تشمل جزءًا من إدلب أيضًا.

بموافقة روسية؟

ونفى بربندي وجود أي فجوة في التنسيق بين الجانب الأمريكي والروسي في قضية الإعفاءات، لأن روسيا اشترت حصة شركة نفطية بريطانية موجودة في مدينة الحسكة بموافقة أمريكية، دون تسميتها.

ويرى الدبلوماسي أن القرار هو بداية تقسيم جديد لسوريا، بفصل منطقة كاملة عن سوريا وإعطاءها جيشًا وعلمًا وحدودًا وامتيازات اقتصادية، ما يفتح الباب أمام “العلويين والدروز والمسيحيين للمطالبة بمناطق خاصة بهم”، بحسب بربندي.

وكان الأولى بالأمريكيين أن يؤسسوا عقدًا اجتماعيًا جديدًا بين المكونات في منطقة الجزيرة من عرب وكرد ومسلمين ومسيحيين، يكون في إطار نموذج ديمقراطي حي يعكس شكل سوريا المستقبلي الذي لطالما طالب به السوريون، تحت غطاء أمني عسكري اقتصادي.

ملامح تقارب تركي- أمريكي

الباحث السياسي، في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية”، معن طلاع، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن السياسة الأمريكية ساعدت في مكان ما بترسيخ سيناريو “تمترس الجغرافيا في سوريا”.

وينعكس الاستثناء على دعم المنظمات الدولية والإقليمية، بعدما كانت أمريكا تعتبرها  جزءًا من التغيير الديموغرافي الذي تسعى إليه تركيا، في المناطق الواقعة تحت سيطرتها.

وتشمل المناطق المشمولة بالإعفاء، محافظات تقع تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” المدعومة أمريكيًا، ومناطق تخضع لسيطرة “الجيش الوطني” المدعوم تركيًا، باستثناء عفرين ومنطقة إدلب.

ويرى طلاع أن ضم مناطق عمليات “نبع السلام” (مدينتي رأس العين شمال غربي الحسكة وتل أبيض شمال الرقة) في المناطق المشمولة بالإعفاءات، هي “بادرة حسن نية” من قبل واشنطن مع أنقرة، والتي بموقفها الرسمي تقول إنها ضد الاستثناءات الأمريكية، ولكن تركيا عمليًا اليوم انفتحت على منطقة عمليات “درع الفرات”، كاملةً من جرابلس لحدود الراعي واعزاز.

كما توجد ملامح تتهيأ لتقارب ما غير مكتمل بين واشنطن وأنقرة في الملف السوري، يفرضها الجو العام ولا سيما في الملف الأوكراني.

ويُقرأ ملف الإعفاءات ضمن سيناريو التجميد على أنه تعزيز “لللامركزية”، في ظل تعثر العملية الدستورية بجولتها السابعة وغياب أثر سياسي وقانوني لهذه العملية، إلى جانب عدم توافق سياسي في المنطقة، وتراجع الملف السوري عن الساحة الدولية في حين تصدر الملف الأوكراني، بحسب طلاع.

وبالتالي سيؤدي إلى الانتقال من فكرة الحدود الإدارية والأمنية إلى الحدود السياسية، لأن كل المنظمات ستصب جهودها في هذه المنطقة، ما سيؤدي بطريقة أو بأخرى إلى وقف إطلاق للنار.

وإذا تم التوافق بين الموقف الأمريكي والموقف التركي، إلى جانب تفاوض كل من تركيا والاتحاد الأوروبي بضم كل من فنلندا والسويد إلى الناتو مقابل منطقة آمنة في سوريا، فسيتفق الفاعلون الرئيسيون في المنطقة، ليبقى الفاعل الروسي الذي ليست لديه قدرة على خلق مساحات أكبر طالما يحفظ مناطق نفوذه الاستراتيجية، ولاطمئنانه بأن تركيا لاتزال تأخذ دور الوسيط بقضية أوكرانيا بين الطرفين الأمريكي والروسي.

المصدر: عنب بلدي