الرئيسيةمقالات

هل القدر الكوردي ضحية للتناقضات

بقلم: Birîndar

تقوم القضية الكردية على مفارقة جغرافية وتاريخية حادة في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من التشابك والمعاناة الإنسانية التي شابت الحركة الصهيونية والقضية اليهودية عبر التاريخ، إلا أن الأخيرة استطاعت -عبر تنظيم سياسي برغماتي وإرادة دولية ومفهوم دولة المأوى- بلورة “دولة أمة” على أرض واقعية.
في المقابل، ظل الجغرافيا الكردية مقسمة بين كيانات إقليمية ذات نزعات قومية صلبة، ومع ذلك، لم تكن الجغرافيا هي العائق الوحيد؛ بل تمثل العائق الأكبر في انحراف الأداة السياسية التحررية الكردية عن غايتها الوطنية وتغليب “الإيديولوجيا المفهومية” على حساب إقامة “الكينونة القومية”.
ثانياً: جذور حزب العمال الكردستاني (PKK) وخيار التحرير القومي
عند تأسيس حزب العمال الكردستاني في أواخر السبعينيات، صاغ أدبياته حول مفهوم “تحرير وتوحيد كردستان”. كانت البداية حراكاً قومياً تحررياً حاداً، مما جعله عرضة لنقد لاذع من القوى اليسارية والشيوعية التقليدية آنذاك، والتي اتهمته بالتطرف القومي وتغليب المسألة القومية على الصراع الطبقي الأممي. وكان شعار الحزب الصريح حينها: “(كل شيء من أجل تحرير جزء من تراب الوطن)”.
في تلك المرحلة، حاولت الأدبيات التركية الرسمية والإعلام تحجيم الحزب وقضيته عبر إطلاق مسمى “الأبوجية” (Apocilik) عليه، في محاولة من الدولة لشخصنة القضية الشاملة واختزال حركة تحرر وطني في كاريزما شخص واحد لتسهيل ضربها شيطنتها سياسياً.
ولعل موقف الشهيد مظلوم دوغان في المحكمة العسكرية يُجسد هذا الوعي المبكر، عندما رفض اختزال الحركة وشخصنتها قائلاً بوضوح: «نحن لسنا أبوجية، نحن حركة تحرر وطني كردستانية واسعة اسمها حزب العمال الكردستاني».
ثالثاً: تحول الحزب إلى “أسر الإيديولوجيا الأبوجية” وتصفية المشروع الوطني
وهنا تتجلى المفارقة الفلسفية والسياسية الكبرى؛ فالسمة الكاريزمية الاستبدادية لعبد الله أوجلان أتاحت له تدريجياً الهيمنة على الحزب وتهميش النخب القومية والتنظيمية الحرة داخل القيادة. لكن المفارقة الأعمق تمثلت في كيفية استغلال صقور الحزب لهذا الرمز المعزول.

  • الاستحواذ عبر الرمزية (جميل بايق والشلة القيادية):
    استغلت القيادة الميدانية في قنديل (بقيادة جميل بايق، ومراد قريلان، ودوران كالكان) غياب أوجلان في السجن، وحولت أفكاره ونظرياته المتغيرة إلى “توتاليتارية عقائدية”. أُخضعت الكوادر في الجبال والسجون لعمليات غسيل إيدولوجي ومناهج تدريبية تقتصر حصراً على “فكر أبوجي”، مما أدى إلى تغييب نمط التفكير النقدي لدى الكادر الكردي وتأطيره داخل طائفة عقائدية بدلاً من حزب تحرري.
  • التجلّي الساخر للمفارقة (القائد المعنوي):
    لم تكن هذه العملية غائبة عن وعي أوجلان نفسه؛ حيث تتجلى حقيقة هذا الصراع في تصريحه الشهير لمجموعته القيادية وعلى رأسهم جميل بايق: «أنتم تريدون أن تجعلوا مني مجرد قائد معنوي». لقد أدرك أوجلان أن القيادة الميدانية تستخدم اسمه وكاريزمته كـ “درع عقائدي” للاستحواذ على القرار السياسي والميداني وتصفية الصوت الكردستاني الأصيل، بينما هم في الحقيقة يمارسون سلطتهم الخاصة بعيداً عن أهدافه الأولى.
  • حتمية الصراع: بين التحرير والاندماج الاستسلامي:
    تكلل هذا التحول بالإعلان الصريح على لسان قادة الحزب (مثل صبري أوك) عن انتهائه كحزب تحرر قومي وتدشين “الحركة الأبوجية” كبديل نهائي. هذا التحول وضع القضية الكردية أمام معادلة صفريّة:
    • خيار الحزب المؤسس: صراع تحرير الأرض والشعب، وإقامة الكيان القومي.
    • واقع الحركة الأبوجية: الانزلاق نحو مقولات فلسفية هلامية (“الأمة الديمقراطية”، “الكونفدرالية الديمقراطية”)، والتي انتهت عملياً إلى مشروع اندماج استسلامي يتنازل عن الجغرافيا والحقوق القومية لصالح طروحات يوتوبية أفرغت القضية الكردية من جوهرها التحرري.
      الخلاصة الفلسفية
      إن واقع الحركة الكردية مع حزب العمال هو دراما إغريقية مكتملة الأركان: حركة بدأت بطلب كينونة الأمة على الأرض، وانتهت بتضحية الأرض والأمة في سبيل الحفاظ على إيديولوجيا الفرد وصنميته. لقد انتصرت “الأبوجية” كمنظومة هيمنة وتدجين، وانهزمت “الكردستانية” كمشروع تحرر واستقلال.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *