من يمثّل الشعوب التي لا تمثّلها الدول؟
أزمة الشرعية في النظام الدولي وحدود التمثيل القائم على الدولة
بقلم: مروان فلو
منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، استقر النظام الدولي على قاعدة أساسية مفادها أن الدول هي الأطراف الرئيسية في تنظيم العلاقات الدولية وصنع القرارات المتعلقة بالسلم والأمن والتعاون بين الأمم. وقد مثّل هذا الاختيار استجابة لمرحلة تاريخية شهدت حربين عالميتين، وكان الهدف منه بناء نظام دولي يستند إلى قواعد مشتركة، ويحفظ للدول سيادتها ومساواتها القانونية، ويحد من احتمالات الصراع بينها.
غير أن العالم الذي نشأت فيه الأمم المتحدة لم يعد هو العالم الذي نعيش فيه اليوم. فقد تغيرت الخريطة السياسية، وتفككت إمبراطوريات، ونشأت دول جديدة، وتطورت مفاهيم حقوق الإنسان وتقرير المصير، وأصبحت قضايا الهوية القومية والثقافية والدينية أكثر حضوراً في النقاش الدولي. ومع ذلك، ظلت البنية الأساسية للتمثيل داخل الأمم المتحدة قائمة، إلى حد بعيد، على الدولة بوصفها الوحدة الرئيسية للعضوية والمشاركة في صنع القرار.
من هنا يبرز سؤال يتجاوز حدود التنظيم الإداري للأمم المتحدة إلى جوهر شرعية النظام الدولي نفسه: هل يكفي تمثيل الدول لضمان تمثيل الشعوب، ولا سيما تلك التي لا تمتلك دولة مستقلة، أو التي تعيش موزعة بين دول متعددة، أو التي لا تجد في المؤسسات القائمة ما يكفي للتعبير عن حقوقها وتطلعاتها؟
لا يتعلق الأمر بالدعوة إلى إلغاء دور الدولة أو التقليل من أهميته، بل بالتساؤل عما إذا كان النظام الدولي، الذي تطور في اعترافه بحقوق الإنسان والشعوب، قد طوّر مؤسساته بالقدر نفسه الذي طوّر به مبادئه.
الدولة تمثّل قانونياً، ولكن هل تمثّل الجميع فعلياً؟
تقوم عضوية الأمم المتحدة على الدول، وتتمتع الدول الأعضاء بحقوق المشاركة والتصويت وفقاً لميثاق المنظمة. وقد أسهم هذا النظام في ترسيخ مبدأ المساواة القانونية بين الدول، بصرف النظر عن تفاوت قوتها أو مساحتها أو ثرواتها.
لكن المساواة بين الدول لا تعني بالضرورة المساواة في تمثيل الشعوب داخلها. فالدولة قد تضم جماعات قومية ودينية وثقافية متعددة، لكل منها خصوصيتها وتطلعاتها، فيما تتولى الحكومة المعترف بها دولياً التعبير عن الموقف الرسمي للدولة في المحافل الدولية. ولا يضمن هذا الترتيب، في جميع الحالات، أن تكون مصالح كل مكون من مكونات المجتمع حاضرة بالقدر نفسه في القرارات الدولية.
وتزداد المسألة تعقيداً عندما تكون إحدى الجماعات طرفاً في نزاع سياسي، أو تعاني التمييز والحرمان من حقوق أساسية، أو ترى أن السلطات التي تتحدث باسم الدولة لا تعبّر عن تطلعاتها. ففي مثل هذه الحالات، يصبح الانتماء إلى دولة عضو في الأمم المتحدة أمراً مختلفاً عن امتلاك القدرة الفعلية على إيصال المطالب إلى المؤسسات الدولية والتأثير في القرارات المتعلقة بها.
ولا يعني ذلك أن كل جماعة قومية أو دينية تحتاج إلى تمثيل دولي مستقل، أو أن الحكومات لا تمثل مواطنيها لمجرد وجود اختلافات داخل المجتمع. فالدولة تظل الإطار القانوني الأساسي للعلاقات الدولية، كما أن المؤسسات الوطنية والآليات الديمقراطية وحقوق المواطنة تمثل المسار الطبيعي لمعالجة كثير من الخلافات الداخلية.
لكن المشكلة تبدأ حين تتسع الفجوة بين الحقوق التي يعترف بها النظام الدولي وبين قدرة أصحاب هذه الحقوق على المشاركة في القرارات التي تحدد مصيرها، ولا سيما عندما تتعثر الوسائل الوطنية أو تصبح القضية موضع نزاع دولي طويل الأمد.
الاعتراف بالحقوق لا يعني امتلاك أدوات التأثير
شهدت العقود الماضية تطوراً مهماً في الاعتراف الدولي بحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير المصير وحقوق الأقليات والشعوب الأصلية. كما أتاحت منظومة الأمم المتحدة، بدرجات متفاوتة، قنوات لمشاركة جهات غير حكومية في بعض أعمالها، من خلال الهيئات الاستشارية والمنتديات المتخصصة وآليات حقوق الإنسان وغيرها.
ومع ذلك، لا تتساوى هذه القنوات في طبيعتها أو صلاحياتها. فهناك فرق بين أن يُسمح لجماعة بعرض مطالبها أمام هيئة دولية، وأن تتمتع بصفة تتيح لها المشاركة في النقاشات، وبين أن يكون لها دور مؤسسي محدد في القرارات التي تمس حقوقها ومصالحها بصورة مباشرة.
وقد يُعترف لشعب بحق تقرير المصير، من دون أن يمتلك عضوية كاملة في الأمم المتحدة. وقد يحظى ممثلو جماعة ما بفرص للتواصل مع المؤسسات الدولية، من دون أن تكون لهم صلاحيات تصويت أو قدرة مباشرة على التأثير في القرارات. وفي المقابل، قد تتخذ الدول قرارات ذات آثار عميقة في مجتمعات لا تمتلك تلك المجتمعات أدوات كافية للمشاركة في مناقشتها.
وهكذا، لا تتمثل المشكلة بالضرورة في الغياب الكامل للشعوب عن النظام الدولي، بل في تفاوت أشكال حضورها، وفي الفجوة بين الاعتراف بحقوقها وبين قدرتها المؤسسية على الدفاع عن تلك الحقوق والتأثير في مساراتها.
إن هذا التفاوت يثير سؤالاً مشروعاً حول طبيعة الشرعية الدولية: هل تستمد المؤسسات شرعيتها من التزامها بالقواعد القانونية وحدها، أم ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار أيضاً مدى إتاحة الفرصة أمام الأطراف المتأثرة بقراراتها للتعبير عن مصالحها والمشاركة في مناقشة تلك القرارات؟
لا يمكن اختزال الشرعية الدولية في معيار واحد، لكن تجاهل صوت المتأثرين بالقرار قد يضعف الثقة بالمؤسسات، حتى عندما تكون إجراءاتها مستندة إلى قواعد قانونية معترف بها.
فلسطين: اعتراف متقدم وعضوية لم تكتمل
تمثل الحالة الفلسطينية مثالاً واضحاً على التباين بين الاعتراف الدولي والتمثيل المؤسسي الكامل.
فقد تطور حضور فلسطين في الأمم المتحدة عبر مراحل متعددة، وصولاً إلى منحها صفة دولة مراقب غير عضو عام 2012. وفي عام 2024، وسّعت الجمعية العامة حقوق مشاركة فلسطين في أعمالها، من دون أن يمنحها ذلك العضوية الكاملة في المنظمة.
وتكشف هذه التطورات عن مكانة دولية تطورت بمرور الوقت، لكنها تظل مختلفة قانونياً عن مكانة الدول الأعضاء. فالعضوية الكاملة تخضع لإجراءات محددة في ميثاق الأمم المتحدة، تشمل توصية مجلس الأمن وقرار الجمعية العامة.
ومع ذلك، لا يجوز اختزال القضية الفلسطينية في مسألة التمثيل داخل الأمم المتحدة. فجوهرها يرتبط بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وبالاحتلال، والسيادة على الأرض، والحقوق الوطنية، وتعثر التسوية السياسية، فضلاً عن التفاوت في موازين القوة ومدى تنفيذ القرارات الدولية.
لذلك، فإن تطوير المشاركة الفلسطينية في المؤسسات الدولية لا يمكن أن يكون بديلاً عن إنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. لكنه يوضح، في الوقت نفسه، أن الاعتراف الدولي بالحقوق لا يؤدي تلقائياً إلى امتلاك جميع الأدوات المؤسسية اللازمة لحمايتها أو إنفاذها.
وتكتسب هذه الحالة أهميتها من أن الشعب الفلسطيني يمتلك تمثيلاً وطنياً معروفاً ومساراً دولياً خاصاً، فيما لا تزال مكانته داخل الأمم المتحدة دون مستوى العضوية الكاملة. وهي بذلك تكشف عن حدود العلاقة بين الاعتراف السياسي والحقوق القانونية والمشاركة في صنع القرار.
الكورد: شعب موزع بين دول وغياب إطار تمثيلي جامع
تطرح الحالة الكوردية إشكالية مختلفة، وإن كانت تلتقي مع الحالة الفلسطينية في السؤال الأوسع المتعلق بتمثيل الشعوب التي لا تمتلك دولة مستقلة.
فالكورد شعب يعيش في تركيا والعراق وإيران وسوريا، وتختلف أوضاعه السياسية والقانونية والدستورية من دولة إلى أخرى. وقد أقر الدستور العراقي بإقليم كردستان بوصفه إقليماً اتحادياً داخل العراق، فيما تتباين أوضاع الكورد في الدول الأخرى من حيث الحقوق والتمثيل السياسي ومساحات المشاركة العامة.
لكن الوجود الكوردي الممتد عبر حدود دول متعددة لا يقابله إطار أممي موحد يتمتع بتفويض مقبول لتمثيل الكورد جميعاً بوصفهم شعباً عابراً للحدود. فهناك أحزاب وحركات ومؤسسات مدنية وسياسية كوردية متعددة، تختلف في توجهاتها وأولوياتها وعلاقاتها بالدول التي تعمل ضمنها، ولا يمكن افتراض أن جهة واحدة تمثل بالضرورة جميع الكورد أو تعبّر عن تطلعاتهم المتنوعة.
وهنا تكمن خصوصية الحالة الكوردية. فالمسألة لا تتعلق بغياب دولة مستقلة فحسب، بل أيضاً بكيفية تمثيل شعب موزع بين دول قائمة، مع مراعاة اختلاف أوضاع أفراده ومجتمعاته المحلية وتعدد تياراته السياسية.
ولا يمكن معالجة هذه الإشكالية بمجرد الإعلان عن ممثل واحد للكورد أو المطالبة بمقعد دولي باسمهم، لأن السؤال الأساسي يسبق ذلك: من يمنح هذا الممثل تفويضه؟ وكيف تُضمن مشاركة مختلف المناطق والاتجاهات؟ وما الآليات التي تسمح بمساءلته أو الاعتراض على ادعائه تمثيل الجميع؟
إن أي مقاربة جادة للحالة الكوردية ينبغي أن تبدأ من الاعتراف بالتعدد داخل المجتمع الكوردي نفسه، لا من افتراض وجود إرادة سياسية واحدة أو قيادة موحدة. كما ينبغي ألا تتحول المطالبة بتمثيل الكورد دولياً إلى وسيلة لتجاوز حقوق الأفراد والمواطنين داخل الدول التي يعيشون فيها، أو إلى أداة جديدة للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية.
ومن هنا، فإن المقارنة بين فلسطين والكورد لا تعني مساواة الحالتين في وضعهما القانوني أو السياسي، بل تكشف عن صورتين مختلفتين لمشكلة أوسع: كيف يمكن للنظام الدولي أن يستجيب لمطالب الشعوب التي لا تتطابق هويتها السياسية أو الجغرافية بالضرورة مع حدود الدول القائمة؟
بين سيادة الدول وحق الشعوب في المشاركة
يثير توسيع تمثيل الشعوب والمكونات غير الممثلة تمثيلاً كافياً مخاوف مشروعة. ففتح باب التمثيل الدولي من دون معايير واضحة قد يؤدي إلى تضخم عدد الجهات المطالبة بالاعتراف، أو إلى منح شرعية لجهات لا تمتلك تفويضاً حقيقياً، أو إلى استخدام الهويات القومية والدينية في الصراعات الجيوسياسية.
كما أن الاعتراف بكل جماعة بوصفها وحدة تمثيل مستقلة قد يثير إشكالات تتعلق بوحدة الدول وسيادتها، ويخلق تنافساً بين جماعات متعددة داخل الدولة الواحدة. ولا يمكن تجاهل أن القوى الدولية قد تستخدم بعض مطالب التمثيل لتوسيع نفوذها أو للضغط على خصومها.
لكن هذه المخاوف لا تعني أن البنية الحالية للتمثيل يجب أن تبقى خارج أي نقاش أو مراجعة. فثمة فرق بين منح كل جماعة عضوية مستقلة في الأمم المتحدة، وبين تطوير قنوات مؤسسية تسمح بمشاركة أكثر فاعلية للأطراف التي تتأثر مباشرة بقرارات دولية معينة.
ليس الخيار محصوراً، إذاً، بين إبقاء الدولة الإطار الوحيد للتمثيل في جميع الظروف، وبين تحويل الأمم المتحدة إلى تجمع مفتوح لكل جماعة قومية أو ثقافية أو دينية. فهناك مساحة يمكن استكشافها بين هذين الخيارين، من خلال تطوير آليات استشارية، وتوسيع فرص الاستماع إلى المجتمعات المتأثرة، وتعزيز مشاركة ممثليها في مناقشة الملفات التي تمس حقوقها بصورة مباشرة.
وقد يكون من الممكن تطوير بعض هذه الآليات ضمن الأطر القائمة في الأمم المتحدة، في حين قد تتطلب خيارات أخرى توافقاً سياسياً وقانونياً أوسع. أما أي تعديل يمس بنية العضوية أو قواعد التصويت والصلاحيات الأساسية للمنظمة، فسوف يواجه متطلبات وإجراءات ميثاقية أكثر تعقيداً.
المهم أن يكون الهدف تحسين المشاركة والشفافية والمساءلة، لا إنشاء كيانات موازية تتنافس مع الدول على السيادة، أو منح أي جهة حق التحدث باسم جماعة من دون تفويض واضح منها.
نحو تمثيل يتناسب مع الحقوق والقرارات
يمكن أن ينطلق النقاش من مبدأ يستحق الدراسة، هو التناسب التمثيلي؛ أي أن تتناسب آليات مشاركة الجماعة مع طبيعة حقوقها ومدى تأثرها بالقرار الدولي المعني.
فليس من الضروري أن تكون المشاركة متطابقة في جميع الحالات. قد تتطلب قضية تتعلق بحقوق جماعة ثقافية أو دينية آليات مختلفة عن قضية تتعلق بتقرير المصير أو بتسوية نزاع سياسي أو بقرار دولي ذي آثار مباشرة في مستقبل إقليم معين.
ويمكن أن يستند تحديد هذه المشاركة إلى معايير واضحة، من بينها طبيعة الحقوق المعنية، ومدى تأثر الجماعة بالقرار، ومدى تمثيل الجهات التي تتحدث باسمها، وآليات مساءلتها، وطبيعة المؤسسة الدولية واختصاصها.
ويظل السؤال الأكثر حساسية هو كيفية تحديد الجهة التي يحق لها المشاركة باسم الجماعة. فلا يجوز ترك هذا الأمر للحكومات وحدها، كما لا يصح أن يكون خاضعاً لإرادة القوى الدولية النافذة أو لادعاء أي تنظيم سياسي تمثيل شعب كامل.
ولذلك، فإن أي آلية مستقبلية تحتاج إلى إجراءات شفافة ومعلنة، ومعايير قابلة للمراجعة، وضمانات تسمح بتعدد الأصوات داخل الجماعة الواحدة. وينبغي كذلك أن تحمي حقوق الأفراد الذين قد يختلفون مع الجهات التي تدّعي تمثيلهم، لأن الجماعات ليست وحدات متجانسة، ولا يجوز أن تتحول حماية الهوية الجماعية إلى ذريعة لتقييد الحريات الفردية.
إن المقصود بالتناسب التمثيلي ليس منح كل جماعة صوتاً متساوياً في كل مؤسسة دولية، ولا تجاوز القواعد التي تنظم العلاقات بين الدول، بل إيجاد صيغ أكثر عدالة للمشاركة عندما تكون حقوق جماعة معينة أو مصالحها الأساسية موضع قرار دولي مباشر.
وقد يعزز هذا التوجه شرعية المؤسسات الدولية إذا استند إلى قواعد واضحة ومساءلة فعلية، لكنه لن يضمن وحده حل النزاعات أو تحقيق الاستقرار. ففاعلية التمثيل تظل مرتبطة أيضاً بمدى احترام القانون الدولي، وتنفيذ القرارات، ومعالجة الأسباب السياسية والاقتصادية التي تقف وراء الصراعات.
إصلاح التمثيل جزء من إصلاح النظام الدولي
تواجه الأمم المتحدة أزمات تتجاوز مسألة تمثيل الشعوب، من بينها اختلال موازين القوة، وصعوبة اتخاذ قرارات فعالة في بعض الأزمات، وانتقائية تنفيذ القرارات الدولية، وضعف آليات المساءلة. ولذلك، فإن توسيع المشاركة لا يمكن أن يكون حلاً شاملاً لأزمة النظام الدولي، لكنه قد يشكل أحد مداخل معالجتها.
فالشرعية لا تتعلق فقط بالقواعد التي تنظم عمل المؤسسات، بل تتصل أيضاً بمدى قدرتها على الاستجابة للمجتمعات التي تتأثر بقراراتها، وإتاحة الفرصة أمامها للتعبير عن مصالحها، وتوضيح الأسس التي تستند إليها القرارات المتخذة باسم المجتمع الدولي.
وإذا كان النظام الدولي قد تطور في اعترافه بحقوق الإنسان والشعوب، فإن التحدي يتمثل اليوم في البحث عن صيغ مؤسسية تواكب هذا التطور، من دون تقويض الأساس القانوني الذي تقوم عليه العلاقات الدولية أو تجاهل المخاطر المرتبطة بتسييس الهوية والتمثيل.
إن الدولة ستبقى ركناً أساسياً في النظام العالمي، لكن ذلك لا يعني أنها تستطيع دائماً أن تكون التعبير الوحيد عن جميع المصالح والتطلعات داخل حدودها، ولا أن التمثيل القانوني للدول يكفي في كل الظروف لضمان مشاركة جميع الأطراف المتأثرة بالقرارات الدولية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يستحق أن يفتح نقاشاً دولياً أوسع ليس ما إذا كان ينبغي استبدال الدولة بالشعوب، ولا ما إذا كان يجب منح كل جماعة مقعداً في الأمم المتحدة، بل ما إذا كان من الممكن بناء نظام أكثر قدرة على التوفيق بين سيادة الدول وحقوق الشعوب والمشاركة المؤسسية في القرارات التي تحدد مصائرها.
فهل تكمن أزمة الشرعية في النظام الدولي في غياب تمثيل الشعوب، أم في غياب قواعد مؤسسية واضحة تحدد متى وكيف وبأي صلاحيات يمكن لهذه الشعوب المشاركة في القرارات التي تمس حقوقها ومصالحها؟
قد لا تكون الإجابة في إعادة بناء النظام الدولي من أساسه، بل في تطويره بما يجعله أكثر اتساقاً مع المبادئ التي أعلنها، وأكثر قدرة على الإصغاء إلى من تتأثر حياتهم وحقوقهم بقراراته. فالتحدي ليس إضعاف الدولة، بل ضمان ألا تتحول مركزيتها في النظام الدولي إلى سبب لتهميش أصوات مشروعة لا تجد، في بعض الحالات، طريقاً كافياً إلى المؤسسات التي يُفترض أن تعمل باسم المجتمع الدولي بأسره.
