من عفرين إلى الشيخ مقصود… جغرافيا الانتهاكات وصمود شعب

الكاتب: بيوراسب داريوس

تشهد المناطق الكوردية في شمال سوريا — من عفرين إلى كري سبي (تل أبيض)، ومن سري كانيه (رأس العين) إلى الشيخ مقصود والأشرفية في حلب — واقعاً معقداً يتداخل فيه الأمني بالسياسي، والإنساني بالعسكري، في ظل استمرار الانتهاكات التي تطال أبناء الشعب الكوردي منذ سنوات. هذه المناطق، التي كانت يوماً ملاذاً آمناً لعشرات الآلاف من المدنيين، تحوّلت اليوم إلى ساحات مفتوحة أمام التغيير الديمغرافي، والضغوط الأمنية، والتضييق على السكان، ما جعل الحياة اليومية للكورد هناك سلسلة من التحديات المتواصلة.

عفرين… مدينة الزيتون التي تغيّر وجهها

منذ السيطرة عليها، تعيش عفرين حالة من الانفلات والانتهاكات التي طالت الأرض والإنسان معاً. تغيّرت معالم المدينة، وتغيّرت تركيبتها السكانية، وتعرض أهلها لعمليات تهجير، ومصادرة ممتلكات، واعتقالات، وفرض إتاوات، إضافة إلى التضييق على النساء، وقطع الأشجار، ونهب الموارد. عفرين اليوم ليست عفرين الأمس، وهذا ما يشعر به كل كوردي يعرف قيمة هذه المدينة ورمزيتها.

كري سبي وسري كانيه… مدنٌ بلا أهلها

في كري سبي وسري كانيه، ما زالت آثار التهجير القسري واضحة في كل شارع وحي. البيوت التي كانت عامرة بأهلها أصبحت مأهولة بغير سكانها الأصليين، والقرى التي كانت تنبض بالحياة تحوّلت إلى مناطق عسكرية مغلقة. المدنيون الذين نزحوا إلى المخيمات يعيشون منذ سنوات بلا أفق واضح للعودة، وسط غياب أي ضمانات أو حلول سياسية تعيد لهم حقوقهم.

الشيخ مقصود والأشرفية… حصارٌ يتجدد

أما في الشيخ مقصود والأشرفية، فيتكرر المشهد بشكل مختلف: إغلاق للمداخل، تضييق على الحركة، منع دخول المواد الأساسية، وقيود على المدنيين. هذه الأحياء التي صمدت في وجه الحرب، تواجه اليوم ضغوطاً من نوع آخر، تضرب الحياة اليومية للسكان وتزيد من معاناتهم.

كيف نواجه هذه الانتهاكات؟

1) التوثيق المستمر

أول خطوة لمواجهة أي انتهاك هي توثيقه. التوثيق يحوّل الألم إلى ملف قانوني، والشهادة إلى وثيقة، والمعاناة إلى دليل لا يمكن إنكاره.

2) العمل القانوني والحقوقي

رفع الملفات إلى المنظمات الدولية، والضغط عبر القنوات الحقوقية، واستخدام لغة القانون بدلاً من لغة الغضب، كلها أدوات فعّالة في معركة طويلة النفس.

3) الإعلام الحر

الإعلام هو سلاح الشعوب. عندما تُنقل الحقيقة كما هي، يصبح من الصعب على أي جهة أن تخفي ما يجري أو تبرره.

4) بناء موقف سياسي موحّد

الانقسام هو أكبر خدمة تُقدَّم لمن يريد إضعاف الشعب الكوردي. وحدة الموقف السياسي — مهما اختلفت الأيديولوجيات — هي شرط أساسي لوقف الانتهاكات.

أهمية التضامن… من الداخل والخارج

التضامن ليس شعاراً، بل شبكة حماية. عندما تتضامن القوى السياسية، والمجتمع المدني، والجاليات الكوردية في الخارج، يصبح الصوت الكوردي أعلى، والمطالب أكثر وضوحاً، والضغط أكثر تأثيراً. التضامن يخلق رأياً عاماً، والرأي العام يغيّر المعادلات.

اتحاد القوى… الطريق نحو إنهاء الانتهاكات

إن اتحاد القوى الكوردية — رغم اختلافاتها — هو الطريق الوحيد لوقف الانتهاكات. لا يمكن لأي طرف أن يواجه وحده هذا الواقع المعقد. القوة الحقيقية تأتي من:

  • وحدة الصف
  • وحدة الخطاب
  • وحدة الهدف

وعندما تتوحد القوى، يصبح من الممكن فرض حلول سياسية تحمي الشعب وتضمن حقوقه.

مطالب الشعب الكوردي… من الفيدرالية إلى الكونفيدرالية أو الاستقلال

المطالب الكوردية ليست جديدة، بل هي امتداد لنضال طويل:

1) الفيدرالية

كحل يضمن إدارة ذاتية ديمقراطية، وحماية للهوية، وحقوقاً سياسية واضحة.

2) الكونفيدرالية مع كوردستان الجنوبية

فكرة مطروحة لدى بعض القوى، تقوم على شراكة سياسية واقتصادية وأمنية بين كورد سوريا وكورد العراق، ضمن إطار قانوني متفق عليه.

3) الاستقلال التام

وهو مطلب تاريخي لدى جزء من الشعب الكوردي، يرى أن الحل النهائي هو دولة مستقلة تجمع الكورد تحت راية واحدة.

هذه المطالب — مهما اختلفت مستوياتها — تعبّر عن إرادة شعب يسعى للكرامة، والأمان، والاعتراف، والحقوق.

الخاتمة

ما يجري في عفرين وكري سبي وسري كانيه والشيخ مقصود والأشرفية ليس مجرد أحداث عابرة، بل هو اختبار لإرادة شعب كامل. شعبٌ يريد أن يعيش بسلام، وأن يحمي هويته، وأن يقرر مصيره بنفسه. وما بين الانتهاكات المستمرة، والواقع المعقد، والضغوط السياسية، يبقى الأمل معقوداً على الوحدة، والتضامن، والعمل المشترك.

فالشعوب التي تتوحد… لا تُهزم.