كوردي أم من أصل كوردي؟ سؤال التسمية الذي يختبر أمانة المؤرخ
إعداد: مروان فلو
مقدمة: إشكالية التسمية والتوصيف
تطرح كتابة التاريخ وتوثيق الشخصيات والمصطلحات إشكالات منهجية تتصل بالدقة والحياد. ومن أبرزها التردد بين وصف شخصية أو مفردة بأنها “كوردية” مباشرة، أو القول إنها “من أصل كوردي”. وهذا التباين ليس تفضيلاً لغوياً شكلياً، بل يقع عند تقاطع علم اللغة والهوية الاجتماعية والسياسية وطبيعة الاندماج الحضاري عبر التاريخ. ويسعى هذا المقال إلى اختبار هذه الصيغة، وبيان حدود صلاحيتها، ثم اقتراح معيار عملي قابل للتطبيق.
أولاً: البعد البشري والتاريخي
- الاندماج الثقافي واللغوي
عاش كثير من أصحاب الجذور الكوردية في بيئات ثقافية أخرى: عثمانية أو عربية أو فارسية. وحين يتخذ الشخص لغة مختلفة لغةً رئيسة لعمله، ويعمل ضمن مؤسسة سياسية أو علمية غير كوردية، يميل المؤرخون إلى قول “من أصل كوردي” إشارةً إلى النسب، مع الاعتراف بالهوية الثقافية والسياسية التي صنعت أثره. ومن الأمثلة صلاح الدين الأيوبي، وهو من أسرة كوردية الأصل، لكنه بنى دولته ضمن الفضاء الإسلامي، وكُتبت سيرته وإدارته بالعربية. ومثله محمد كرد علي، مؤسس المجمع العلمي العربي بدمشق، وعبد الرحمن باشا اليوسف الذي نُسب إلى أسرة كوردية استقرت في دمشق. - التكوين المركّب للهوية
لم تكن الهوية أحادية في الإمبراطوريات القديمة، إذ كانت الرابطة الدينية أو المؤسسية تعلو غالباً على الرابطة العرقية. وتتيح صيغة “من أصل كردي” للمؤرخ أن يثبت النسب دون أن يحمّل الشخص انتماءً قومياً لم يكن يعرّف نفسه به. - تجنّب إسقاط الحاضر على الماضي
قد يُفهم الوصف المباشر بـ”كوردي” في السياق المعاصر على أنه إشارة إلى مشروع قومي كوردي. وهذه الحجة وجيهة، لكنها تثير سؤالاً مشروعاً: لماذا تُخَصّ الكوردية بهذا الحذر دون غيرها؟ فالحجة نفسها تنطبق على كل صفة قومية قبل القرن التاسع عشر، فلا ينبغي وصف صلاح الدين بـ”عربي” ولا “تركي” ولا “كردي” بالمعنى القومي الحديث. والمعيار المنهجي السليم أن تُعامَل الصفات القومية جميعها بميزان واحد، لا أن يُطبَّق التحفظ على جماعة دون أخرى.
ثانياً: اعتراض الازدواجية في التطبيق
يرد على هذه الصيغة اعتراض جوهري: قد تُستعمل “من أصل كوردي” أحياناً لإضعاف النسبة، فيما يُوصف أصحاب أصول أخرى بالتوصيف المباشر. وهذا الاعتراض صحيح إذا طُبّقت الصيغة انتقائياً. وللإنصاف، فإن “من أصل تركي” و”من أصل شركسي” و”من أصل ألباني” تُستعمل كذلك في الكتابة التاريخية عن النخب العثمانية في الشام ومصر. فالصيغة ليست خاصة بالكورد، لكنها تفقد قيمتها إذا لم تُطبَّق بمعيار موحّد على الجميع. ومن هنا ضرورة وضع معيار صريح، كما يرد في الفقرة الأخيرة.
ثالثاً: تدقيق النسب وحدود اليقين
لا ينبغي القول إن الجذور “لا جدال فيها” على إطلاقه. فنسب بعض الشخصيات محل خلاف بين المصادر، وقد ينقلب المقال إلى الخطأ الذي ينتقده إن أدرج شخصية دون تحقق. ومثال ذلك محمد علي باشا، فالمتواتر في المصادر أنه ألباني الأصل من قولة (كافالا)، ولا يصح إدراجه شاهداً على الأصل الكوردي. ومن ثم يوصى بالصيغة الحذرة: “تنسبه المصادر إلى أصل كذا”، وبالإحالة إلى المصدر عند الخلاف، كما في الخلاف حول أصل آل العظم بين من ينسبهم إلى الكورد ومن ينسبهم إلى الأتراك.
رابعاً: البعد اللغوي والدلالي
- الكلمات المقترضة
تنتقل مفردات من الكوردية إلى لغات مجاورة كالعربية والفارسية والتركية. وحين تدخل الكلمة لغة أخرى وتخضع لقواعدها الصرفية والنحوية، يكون من الأدق علمياً قول “كلمة ذات أصل كوردي” لا “كلمة كوردية” في سياقها الجديد.
تكشف دراسة العلاقات اللغوية بين الكوردية والتركية والفارسية والعربية عن تداخل تاريخي وثقافي أسهم في انتقال المفردات بين هذه اللغات. وقد تناولت دراسة أكاديمية للباحث خالص دده بعض الكلمات التي يُحتمل انتقالها من الكوردية إلى العربية، ومنها مفردات مثل «الجزر» و«ضنك»، مع مقارنتها بصيغ كوردية مثل Gizêr وTeng. غير أن إثبات الأصل الكوردي يتطلب الرجوع إلى المعاجم الاشتقاقية والشواهد التاريخية، لا الاكتفاء بالتشابه اللفظي. ومن المراجع المفيدة معجم A Kurdish-English Dictionary لتوفيق وهبي وسي. ج. إدموندز (1966)، إلى جانب الدراسات المتخصصة في العلاقات اللغوية الإيرانية والتركية. ولذلك ينبغي التمييز بين الكلمات الكوردية الأصيلة والمفردات الإيرانية المشتركة والكلمات التي انتقلت عبر لغة وسيطة. المرجع: خالص دده، دراسة منشورة في مجلة Artuklu Kurdology، 2025؛ ومعجم A Kurdish-English Dictionary، 1966.
- التحول الدلالي عبر الزمن
قد تحتفظ الكلمة بمعناها الأصلي في الكوردية، ثم تكتسب بمرور الوقت أبعاداً جديدة في اللغة المستقبِلة. والإشارة إلى “الأصل” تحفظ حق المفردة التاريخي دون إلغاء معناها الذي اكتسبته في مجتمعها الجديد.
خامساً: الممارسة في المراجع الغربية
يستعمل الباحثون في الكتابات الأكاديمية الغربية صيغاً مثل
Kurdish origin وof Kurdish descent
Kurdish-born،
ولكل منها دلالة مختلفة:
الأولى تشير إلى النسب،
والثانية إلى السلالة العائلية،
والثالثة إلى مكان الولادة.
ويُستحسن أن يختار الباحث الصيغة الأقرب إلى ما تثبته المصادر فعلاً، لا الأقرب إلى موقفه من القضية.
سادساً: أمثلة متقابلة
يوصف بـ”كوردي” دون حرج: أحمد خاني، صاحب ملحمة “مم وزين” بالكوردية، ومصطفى البارزاني الذي قاد حركة سياسية كوردية معلنة. فاللغة والمؤسسة والانتماء المعلن في الحالتين كوردية.
يوصف بـ”من أصل كردي”: صلاح الدين الأيوبي ومحمد كرد علي، إذ كان الإطار اللغوي والمؤسسي الذي عملا فيه عربياً إسلامياً، وإن بقي النسب موثقاً.
ويبقى هذا التمييز اجتهاداً قابلاً للنقاش، لا قاعدة مطلقة، إذ تظل حالات حدّية كثيرة بين الطرفين.
خاتمة: معيار عملي
إن استعمال “من أصل كوردي” بدل “كوردي” ليس تقليلاً من شأن النسبة ولا نكوصاً عن إثباتها، بل هو أداة توثيقية تجمع بين الأمانة في إرجاع النسب إلى جذوره، والأمانة في وصف الواقع الثقافي واللغوي والسياسي الذي عاشته الشخصية. ولكي لا تتحول الصيغة إلى أداة انتقائية، يُقترح المعيار الآتي، على أن يُطبَّق بالمقدار نفسه على كل الجماعات:
يقال “كوردي” حين تجتمع اللغة والمؤسسة والانتماء المعلن في الإطار الكوردي، ويقال “من أصل كردي” حين تغيب هذه العناصر أو أغلبها، مع إسناد النسب إلى مصدر موثق في الحالتين.
++++++++++++++++++
مراجع للتحقق
لم أراجع نصوصها الآن، فتأكد من الطبعات والصفحات:
- Benedict Anderson, Imagined Communities.
- Martin van Bruinessen, Agha, Shaikh and State.
- Hakan Özoğlu, Kurdish Notables and the Ottoman State.
- ابن شداد، النوادر السلطانية (عن صلاح الدين).
