الرئيسيةمقالات

قدور بك ملي زادة ودوره في نشأة القامشلي

قراءة تاريخية نقدية في الهوية الكردية والملكية العقارية والتحولات السياسية بين نصيبين والجزيرة السورية (1919-1936)

بقلم : مروان فلو

ملخص

يتناول هذا المقال شخصية قدور بك، أحد أعيان نصيبين الذين انتقلوا إلى القامشلي في مرحلة تأسيسها، وتُنقل تسميته بصيغ منها “قدور بك ملي زادة” و”قدور بك بن أحمد بك بن علي بك زادة الملي”. ويعالج ثلاث مسائل: النسب والهوية، وموقعه في خريطة الملكية العقارية والزعامات المحلية، ودوره في التحولات التي أعقبت ترسيم الحدود السورية-التركية.
تعتمد الدراسة على مصدر أكاديمي واحد يذكر الرجل صراحةً، هو كتاب جوردي تيجيل عن كورد سوريا (2009، ص 29)، وعلى عمود رأي للباحث فاتح تورغاي إلدَم نُشر في صحيفة “آرتوكلو خبر” بتاريخ 12 شباط/فبراير 2026، وعلى مواد محلية. وتخلص إلى أربع نتائج:

أولاً، الثابت بأكثر من مصدر أنه قائمقام سابق لنصيبين انتقل إلى القامشلي وانتُخب نائباً عن الجزيرة عام 1936.
ثانياً، وصف “مردنلي” جغرافي واجتماعي ولا يحسم الهوية القومية، كما أن نص تيجيل لا يصرّح بهوية قدور بك القومية.
ثالثاً، عبارة “القامشلي بُنيت على أرضه” تبالغ فيما تسمح به المصادر المتقابلة.
رابعاً، تنفرد رواية إلدَم بتفاصيل الاتصالات الفرنسية والتنازلات العقارية وتسلسل المناصب، وهي تحتاج إلى مقابلة بالوثائق الأصلية.

كلمات مفتاحية:
قدور بك؛ علي بك زادة؛ القامشلي؛ نصيبين؛ ماردين؛ الكورد؛ الانتداب الفرنسي؛ نهر جقجق؛ الملكية العقارية؛ الجزيرة السورية.

مقدمة:
من زعامة محلية إلى تاريخ مدينة

لا يمكن فهم نشأة القامشلي بوصفها مخططاً عمرانياً فرنسياً خالصاً، ولا بوصفها ثمرة مبادرة فردية. فقد تداخلت في تأسيسها الحدود الجديدة، وتحوّل طرق التجارة، ومصالح ملاك الأراضي، وانتقال السكان من نصيبين وماردين، وسياسات الانتداب. وفي هذا السياق يبرز قدور بك، الذي ارتبط اسمه بأراضٍ جنوب نصيبين وبحيٍّ في القامشلي يحمل اسمه.

تجتمع في سيرته عناصر عدة: منصب إداري عثماني، ونفوذ عقاري، وصلات بالإدارة الفرنسية، ثم تمثيل نيابي في الثلاثينيات. وتقتضي هذه العناصر مقاربة تفكك كل ادعاء على حدة: من قاله، وعلى أي وثيقة استند، وهل تسنده مصادر مستقلة. وقد صُنّفت المعلومات بحسب مصدرها ودرجة توثيقها، وأُشير إلى الصفحات حيثما أمكن.

أولاً: الاسم والنسب وإشكالية “ملي زادة”
يرد الاسم عند تيجيل وإلدَم بصيغة Kaddur Bey. وتذكر صحيفة “روناهي” نسباً أطول هو “قدور بك بن أحمد بك بن علي بك زادة الملي” (3). أما مهند الكاطع في “التاريخ السوري المعاصر” فيسمّي مدير المالية عام 1928 “عبد القادر بك (قدور بك)” (4) وهند الكاطع هو عربي وبريد تعريب كل شيئ. وتفرض هذه المعطيات ثلاث ملاحظات.

الأولى: “ملي زادة” قد لا يكون اسماً واحداً. في صيغة النسب المنقولة يتكوّن المقطع الأخير من “علي بك زادة” ثم “الملي”. ويدعم ذلك أن إلدَم يسمّي ابنَي عمّه طلعت ورشاد “حاجي علي بك زاده” (2)، أي أن اسم الأسرة المرجّح هو “علي بك زادة”، وأن “الملي” نسبة أخرى. وعليه ينبغي التحقق من أن تركيب “ملي زادة” الشائع ليس دمجاً لاحقاً أو اختصاراً.

الثانية: ما المقصود بـ”الملي”؟ يوثّق تيجيل كونفدرالية “الملّي” الكوردية وحضورها في المصادر العثمانية منذ عام 1518، وارتباطها إدارياً بماردين (1:ص9)، وتنتمي إليها أسرة إبراهيم باشا التي جاء منها خليل بك إبراهيم باشا، زميل قدور بك في نيابة 1936. ويجوز أن تكون النسبة إلى هذه الكونفدرالية، غير أن المصادر المتاحة لا تتضمن نصاً يربط قدور بك بها، فتبقى فرضية تحتاج إلى دليل مستقل، ولا يصح بناء استنتاج قومي عليها.
الثالثة: قدور وعبد القادر. كثيراً ما يُستعمل “قدور” صيغةً من “عبد القادر”، وقد جمع الكاطع بين الاسمين (4). وفي المقابل يذكر إلدَم عبد القادر باشا (غوزو) من ماردين عمّاً لزوجة قدور بك (2).

فيلزم التمييز بين الرجلين، وتوثيق الاسم الرسمي لقدور بك من سجلات النفوس العثمانية. ولا يعني اختلاف التهجئة (Kaddur وKaddour وKadour وQaddur) تعدد الشخصيات، لكنه يوجب أن يشمل البحث الأرشيفي كل هذه الصيغ مع Milli وAlibeyzade.

ثانياً: كوردي أم مردنلي؟
فصل الهوية القومية عن الانتماء الجغرافي

يدل “مردنلي” في التركية على من ينتمي إلى ماردين أو يرتبط بها، وهي منطقة متعددة الجماعات. ويستعمل إلدَم الوصف نفسه لأسر سريانية كاثوليكية ويهودية وكوردية وعربية ارتبطت بتأسيس القامشلي (2)، فهو فئة جغرافية اجتماعية لا قومية. ولا تناقض بين أن يكون الشخص كوردياً وأن يوصف بأنه مردنلي.

يذكر تيجيل قدور بك في سياق الحركة المناطقية في الجزيرة، فيصفه بقائم قام سابق لنصيبين اشتهر في القامشلي، ويجعله مع حاجو آغا وخليل بك إبراهيم باشا من أبرز محركي الحركة (1:ص 29). لكن النص لا ينصّ على هويته القومية، والتعبير الذي يستعمله هو “الكتلة الكوردية-المسيحية”، وقد صاغه ضباط فرنسيون لوصف تحالف محلي أوسع من الهوية الإثنية (1:ص 29). و إن تيجيل “يدرجه ضمن الشخصيات الكوردية”؛ فالأدق أنه يدرجه ضمن قيادة الحراك الإقليمي الذي كان الكورد عموده الأبرز. كما يحذّر تيجيل نظرياً من اعتبار الإثنية عنصر الهوية الأول في تلك المرحلة، ويرى أنها كانت مكوّناً واحداً من شبكات انتماء متعددة (1: ص 2-3، 9.)
أما وصف “روناهي” الحي بأنه من الأحياء الكوردية الشعبية القديمة (3) فيخص سكانه، ولا يثبت وحده هوية صاحب الاسم. وصحيفة “روناهي” فيُستعمل نصها شاهداً على الذاكرة المحلية لا دليلاً توثيقياً. وبالمثل تدل مصاهرات قدور بك، فهو متزوج من نسيمة ابنة أخ عبد القادر باشا (غوزو)، وابنته أميرة متزوجة من كمال غوزو (2)، على شبكة وجهاء ماردين، ولا تحدد انتماءً قومياً.

يستلزم الحسم ثلاثة مستويات متمايزة: النسب الموثق في السجلات، والتصنيف في الوثائق المعاصرة (ومنها تقارير الاستخبارات الفرنسية التي كانت تصنّف الزعماء بالجماعة)، والهوية التي تبنّتها الأسرة في الذاكرة المحلية. وما بين أيدينا اليوم لا يغطي سوى المستوى الثالث جزئياً.

ثالثاً: الأرض: ما الثابت وما المبالغ فيه

يروي إلدَم أن أراضي قدور بك كانت شرق نهر جقجق، بينما كانت أراضي رفيق نظام الدين غربه، وأنه كان قيّماً على وقف جامع زين العابدين في نصيبين، وهو وقف يرجع بحسب إلدَم إلى عام 1158. وإلى الجنوب الشرقي مراعٍ شاسعة لشيخ عشيرة طيء محمد عبد الرحمن (2). ويضيف أن رفيق نظام الدين “كان يتصرف تصرف المالك”، وهذه عبارة تأويلية من الكاتب لا حقيقة موثقة، كما أن قوله إن رفيقاً توفي بعد سنوات قليلة مبني على الظن (2).

ويذهب تيجيل إلى أن القامشلي “بلدة بُنيت على أرض تعود له” (1: ص 29)، وهي صياغة شاملة. غير أن مهند الكاطع يذكر أن أول بيت بناه سيد حسن، ثم بنى حسين المقطف من عشيرة الحريث الطائية بيتاً على أرضه في الضفة الشرقية لجبجق، مهند الكاطع عربي ويريد ان يجعل كل شيئ عربياً وقد قُسّمت هذه الأرض لاحقاً ودخلت مخطط المدينة لتصبح حي “البشيرية”، وأن الحي المسمى باسم قدور بك قام على بساتين كان يملكها (4). فالضفة الشرقية لم تكن كلها لقدور بك إذن.

والأرجح أن ملكيته شكّلت جزءاً مهماً من الشرق من الموقع، لا مجمل أرض المدينة. وتعني خريطة الأرض عند التأسيس خمسة أنماط متجاورة: ملكية خاصة (قدور بك وآخرون)، ووقف تديره أسرة نظام الدين، ومراعٍ عشائرية (طيء)، وأراضٍ “محلولة” رسمية وزّعها الفرنسيون على الموالين من أهل ماردين (2)، وملكيات أخرى مثل ملكية حسين المقطف. ويجب أن تميّز كل رواية بين الملكية الخاصة، والإدارة الوقفية، وحق الانتفاع، والتبرع بالأرض للمنشآت العامة.

رابعاً: الحدود الجديدة والإدارة الفرنسية

حدّد اتفاق أنقرة الفرنسي-التركي في 20 تشرين الأول/أكتوبر 1921 خطاً قريباً من سكة بغداد-نصيبين، فبقيت نصيبين خارج منطقة النفوذ الفرنسي (1: ص 9و10). غير أن الفرنسيين لقوا في الجزيرة العليا أشد مقاومة حتى عام 1926 (1:ص 11). ويربط إلدَم تثبيت الحدود نهائياً بمعاهدة الصداقة لعام 1926 وقرار الفرنسيين تأسيس القامشلي (2)، ويذكر الكاطع أن النواة الأولى كانت حامية فرنسية على تل البدن في آب/أغسطس 1926 (4) والكاطع هذا عربي لاثقة به. فالترسيم عملية تدريجية لا لحظة واحدة.

وفي تعيين من يقف وراء المدينة ينبغي التفريق بين مشروعين مرتبطين بالنقيب بيير تيريه. الأول “خطة تيريه” السياسية التي دعت الزعماء الكورد إلى تركيز نشاطهم في الجزيرة (1: ص 27- 28)، وكان تيريه في المنطقة منذ 1924 وغادرها عام 1927 (1: ص 27). والثاني تخطيط المدينة الشبكي الذي ينسبه إلدَم إليه (2). وهما مشروعان لضابط واحد ولا يجوز دمجهما.

ويروي إلدَم، دون إحالة داخل النص، أن ضابط الاستخبارات الفرنسي الملازم بينو اتصل عام 1922 بقدور بك ورفيق نظام الدين وضمن لهما حقوقهما في الأراضي إن أصبحا قائمقام ورئيس بلدية المدينة الجديدة، وأن الفرنسيين ناقشوا عام 1923 إنشاء مدينة في تل جولك على بعد نحو 16 كم جنوب نصيبين وعرضوا القائم مقامية على قدور بك، فقبل دون أن يغادر نصيبين (2). وهذه الرواية تنفرد بها مادة إلدَم، وتسبق وصول تيريه بعامين، وتتعلق بموقع غير موقع القامشلي الحالي، فلا يجوز عرضها حقيقةً مستقرة قبل مقابلتها بالأرشيف الفرنسي.

ولا تصح قراءة العلاقة بثنائية الولاء والمقاومة. فبحسب إلدَم أرسل قدور بك ميليشيا بقيادة صهره عبد الرزاق غوزو بعد اتفاق 1921 لحماية أراضيه ومنع الفرنسيين من عبور جقجق شرقاً، ثم تواصل مع الفرنسيين عام 1922، ثم نفته الحكومة التركية إلى إسطنبول وإزمير (2). وتبدو هذه المسارات المتناقضة ظاهرياً متسقة مع منطق حماية الأملاك في حدود متحركة، غير أن الحكم على النوايا يتطلب أدلة مباشرة.

خامساً: التسلسل الزمني كما ترويه المصادر

يجمع التسلسل الآتي ما ورد في المصادر مع بيان صاحب كل رواية، ويُلاحظ أن أغلبه من رواية واحدة:

  1. 1919-1920: قائم مقام نصيبين، وبنى مزرعة وقصراً قرب طاحونة مائية على جقجق؛ وغُرّم لاستعماله حديد سكة نصيبين في بناء القصر (2). ويكتفي تيجيل بوصفه “قائم قاماً سابقاً” (1: ص 29).
  2. 1921-1922: بعد اتفاق أنقرة صارت أراضيه في سوريا، فأرسل ميليشيا بقيادة صهره؛ ثم اتصال الملازم بينو عام 1922 (2).
  3. 1923: عرض الفرنسيون عليه قائم مقامية مدينة جديدة في تل جولك، فقبلها دون ترك نصيبين (2).
  4. 1924: ترك المنصب وأصبح رئيس فرع الحزب الجمهوري الشعبي في نصيبين بحسب إلدَم؛ والعبارة غامضة في تحديد المنصب المقصود بـ”ترك” (2).
  5. بعد ذلك: نفتْه الحكومة التركية إلى إسطنبول وإزمير دون تاريخ صريح (2)؛ ثم هرب عام 1927 إلى القامشلي (2).
  6. 1928: مدير مالية القامشلي (4)، ويصفه إلدَم بـ”الدفتردار” (2).
  7. 1936: انتُخب نائباً عن الجزيرة مع خليل بك إبراهيم باشا وسعيد إسحاق (1: ص 29).

سادساً: ما الذي يثبت دوره في نشأة القامشلي؟

تتكرر في رواية إلدَم ثلاثة أمور: أن قدور بك ورفيق نظام الدين خصّصا أراضي للمنشآت العامة، وأن قدور بك بنى أول قصر حديث في المدينة، وأن الحي الذي يحمل اسمه قام حول منزله (2). وتؤيد “روناهي” وجود الحي واسمه (3)، بينما يجعل إلدَم قدور بك وعبد الرزاق غوزو وميشيل دوم “من أوائل” من بنوا منازل حديثة (2). وهذه دعاوى أسبقية متنافسة في الذاكرة المحلية، والأسلم عدم الجزم بها قبل مطابقتها بسجلات البلدية وسجلات الأراضي.

وينبغي ألا يُكتب تاريخ المدينة بوصفه إنجاز شخص واحد. فقد كان القرار التأسيسي فرنسياً، وشاركت فيه أطراف عدة: الضابط تيريه الذي ارتبط بالتخطيط (1)(2)، وميشيل دوم الذي ترجم في مفاوضات الحدود عام 1922 وهو في السابعة عشرة ثم تولى رئاسة البلدية من 1931 بصورة متقطعة حتى 1946 (2)، ورفيق نظام الدين، والكتيبة الكلدانية-الآشورية التي أسهمت في شق الطرق، وجالية يهود نصيبين، وتجار ماردين (2). ودور قدور بك أقرب إلى دور وجيه عقاري ووسيط محلي هيأت ملكيته وعلاقاته بعض شروط النشوء، لا دور المؤسس المنفرد.

سابعاً: المناصب الإدارية والبلدية

تتباين الأسماء والمناصب في المصادر، وهذا ما أمكن تثبيته منها:
مدير المالية (الدفتردار): قدور بك، عام 1928 (4)، ويصفه إلدَم بالدفتردار (2).
رئيس البلدية الأول (1928): عبد الرزاق غوزو (Gözü)، ويرد عند الكاطع بصيغة “عبد الرزاق آغا آل كوزي” (4). ويصفه إلدَم بأنه شقيق زوجة قدور بك (2).
ميشيل دوم: رئيس البلدية منذ 1931 (2)، ويذكره تيجيل بهذه الصفة عام 1937 (1: ص 30 – 32).
القائم مقام الأول للقامشلي (1928): عمر بك العبد العزيز الظفيري (4).
ولم يرد في أي مصدر فُحص أن قدور بك تولى رئاسة البلدية، ولذلك لا يصح وصفه بذلك. ويُستكمل التحقق بتحديد اسم المنصب بالفرنسية والعربية وتاريخ المرسوم أو القرار.

ثامناً: النشاط السياسي وانتخابات 1936

يذكر تيجيل أن قدور بك خاض الانتخابات التشريعية عام 1936 وانتُخب نائباً عن الجزيرة إلى جانب خليل بك إبراهيم باشا وسعيد إسحاق، وأن أنصار الحكم الذاتي رأوه معتدلاً أكثر مما ينبغي منذ البداية (1: ص 29). ويتضمن النص ما يبدو في ظاهره تناقضاً: فتيجيل يعدّه، مع حاجو آغا وخليل بك، من القوة الدافعة للحركة المناطقية، ثم يصفه بالمعتدل. والتوفيق بين القولين أن قدور بك ينتمي إلى التيار المناطقي لكنه يقع في جناحه المعتدل، في مقابل الجناح الراديكالي الذي يسميه تيجيل في الصفحة التالية: المطران حنا حبّه وميشيل دوم (1: ص 30).
ويأتي انتخابه في عام انتهى فيه التعاون الفرنسي-الكوردي بتوقيع المعاهدة الفرنسية-السورية (1: ص 28)، وهو العام الذي صاغ فيه ضباط فرنسيون مصطلح “الكتلة الكوردية-المسيحية” (1: ص 29). ويؤيد مصدر ثانوي أن سعيد إسحاق، السرياني الأرثوذكسي المولود عام 1902 في إقليم ماردين والمنتقل إلى عامودا، انتُخب عن الجزيرة عام 1936 (5). فقائمة 1936 إذن جمعت وجهاء من جماعات متعددة، ولا تصلح دليلاً على هوية أي منهم القومية. أما الدائرة الرسمية ومدة العضوية ومواقفه تحت القبة النيابية فتحتاج إلى سجلات الانتخابات ومحاضر المجلس.

تاسعاً: الذاكرة العمرانية والصورة التاريخية

يمثل استمرار اسم “حي قدور بك” ذاكرة عمرانية حية (3)، لكنه لا يغني عن دراسة سجلاته العقارية وتاريخ توسعه، ولا يثبت تفاصيل الروايات المتداولة عن صاحبه. أما الصورة المنسوبة إلى عام 1933 والتي يظهر فيها قدور بك إلى جانب سعيد إسحاق ورياض الصلح، فلم أعثر لها على مصدر منشور خلال التحقق، ويجب قبل الاستشهاد بها تعيين منشئها: الصحيفة أو الأرشيف، وتاريخ النشر، والتعليق الأصلي. وهي لو صحّت تثبت الحضور المشترك في مناسبة، لا مضمون اللقاء ولا طبيعة العلاقة.

عاشراً: نقد المصادر وحدود المعرفة

تتفاوت المواد المستخدمة في قيمتها الإثباتية:
تيجيل (2009): كتاب أكاديمي صادر عن روتلدج، يقوم بحسب مقدمته على سجلات فرنسية وبريطانية غير منشورة وصحف كوردية. غير أن ما يخص قدور بك فيه فقرة قصيرة، ولم تُراجع بعد هوامشها (الإحالتان 47-48 وما يجاورهما في قسم الملاحظات). وأرقام الصفحات هنا مأخوذة من النسخة الرقمية المتاحة وينبغي مطابقتها بالطبعة المطبوعة.
إلدَم (2026): عمود رأي في صحيفة محلية، كاتبه باحث ينشر دراسات محكّمة عن ماردين، وتضم قائمة مراجعه دراسة ديلمان (1979) وكتاب عثمان رمزي وسليم حنا “الجزيرة ورجالها” ومقالين محكّمين له. لكن النص بلا إحالات داخلية، ويستعمل عبارات الترجيح (“يُفهم أنه”، “لا بد أنه”). فهو دليل أولي يوجّه البحث ولا يغني عن وثيقة..
“روناهي”: صحيفة محلية ذات خط تحريري كوردي؛ مادتها عن الحي شهادة على الذاكرة المحلية.
Syriac Press: مدونة تعريفية، تُستعمل للتأييد الثانوي فقط.
وتبرز هنا مخاطرة منهجية: كثير من تفاصيل دور قدور بك في القامشلي (التنازلات، الاتصالات الفرنسية، المناصب، النفي) يعود إلى مصدر واحد هو إلدَم، بينما يقدم الأكاديمي الوحيد جملتين عنه. ولذلك فإن تعبير “المراجع الأكاديمية” بصيغة الجمع الوارد في المسودة السابقة لم يكن دقيقاً. ولا يعني نقد مصدر رفض معلوماته، كما لا يعني الاستشهاد به قبول استنتاجاته.

حادي عشر: ما لم يُحسم وخطة التحقق

  1. السجلات العثمانية والجمهورية التركية: تثبيت اسمه الرسمي ونسبه وتعيينه قائمقاماً لنصيبين (1919-1920)، مع البحث بصيغ Kaddur وKaddour وKadour وAlibeyzade وMilli، والتحقق من نفيه وفراره.
  2. أعمال إلدَم المحكّمة (دراسته في مجلة Bellek 2022 عن ماردين في حرب الاستقلال، ودراسته 2025 عن عشائر شمال شرق سوريا)، ودراسة ديلمان عن الفرنسيين في الجزيرة العليا (1979)، وكتاب رمزي وحنا، لمعرفة أصل رواية الاتصالات.
  3. الأرشيف الفرنسي (نانت وفانسين): مراسلات المفوضية العليا وتقارير الاستخبارات 1922-1936، بالبحث عن Terrier وBinnot وNissibin وQamichlié.
  4. السجلات العقارية والوقفية والبلدية: تمييز ملك قدور بك عن وقف زين العابدين ومراعي طيء والأراضي المحلولة.
  5. انتخابات 1936: قوائم الفائزين والدائرة ومحاضر المجلس.
  6. هوامش تيجيل 47-48 ومقابلة الترقيم بالطبعة المطبوعة.
  7. الصحافة المعاصرة: تتبع صورة 1933 في الصحف العربية والتركية والفرنسية.
    خاتمة
    تسمح الأدلة المنشورة بتقديم قدور بك بوصفه قائمقاماً سابقاً لنصيبين، ووجيهاً عقارياً وإدارياً انتقل إلى القامشلي في عام تأسيسها الأول وشارك في تهيئة شروط نشوئها، ثم نائباً عن الجزيرة عام 1936 في الجناح المعتدل من التيار المناطقي. وقد صُحّح في هذه النسخة ما بالغت فيه المسودة السابقة: فلم تُبنَ القامشلي كلها على أرضه، ولم يتولَّ رئاسة البلدية، ولا يصرّح تيجيل بهويته القومية، و”ملي زادة” قد يكون تركيباً من اسم أسرة ونسبة.
    أما المسائل الأدق، كالاتصالات الفرنسية السرية والتنازلات العقارية وتواريخ المناصب، فتبقى منسوبة إلى رواية إلدَم إلى أن تظهر وثائقها. وقيمة هذا البحث أنه يثبت ما يمكن إثباته، ويفصل الذاكرة المحلية عن الدليل، ولا يحوّل السيرة إلى سجال هوياتي لا تسنده الوثائق.
    المراجع والإحالات
    [1] Jordi Tejel, Syria’s Kurds: History, Politics and Society, London: Routledge, 2009. الصفحات المشار إليها (2-3، 9، 10-11، 27-32) بحسب النسخة الرقمية، ويُطابَق ترقيمها بالطبعة المطبوعة. https://www.kurdipedia.org/files/books/2012/74488.PDF
    [2] Fatih Turgay Eldem, “Kamışlı’nın Kuruluşunda Mardin ve Mardinliler”، عمود رأي في صحيفة Artuklu Haber، 12 شباط/فبراير 2026. https://artukluhaber.net/kose-yazilari/_kamislinin_kurulusunda_mardin_ve_mardinliler-5639
    [3] “إطلالة تاريخية مجتمعية على حي قدور بك بقامشلو”، صحيفة روناهي، 3 حزيران/يونيو 2024. https://ronahi.net/?p=202208
    [4] مهند الكاطع، “إضاءات وخلاصات.. القامشلي 1928″، موقع التاريخ السوري المعاصر، 16/11/2018. https://syrmh.com/2018/11/16/%D8%A5%D8%B6%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%85%D8%B4%D9%84%D9%8A-1928/
    [5] “Saeed Ishaq: The Silent Statesman Who Left His Mark on History”، Syriac Press، 16 آذار/مارس 2025. https://syriacpress.com/blog/2025/03/16/saeed-ishaq-the-silent-statesman-who-left-his-mark-on-history/
    [6] Bulletin officiel des actes administratifs du Haut-Commissariat de la République française en Syrie et au Liban، 1926، فهارس رقمية: https://kutuphane.osmanlica.com/diger/4856860 (لم تُفحص في هذه النسخة).
    [7] ملاحظة توثيقية: لم تُفحص وثيقة فرنسية أصلية تثبت الاتصالات السرية، ولا وثيقة عقارية أصلية تثبت حدود الأراضي، ولا الدراسات المحكّمة التي تستند إليها رواية إلدَم. وهذه النسخة صالحة للمراجعة والتطوير، ولا تغني عن مطابقة أرقام الصفحات والإحالات الأرشيفية قبل النشر الأكاديمي.

ملخص
يتناول هذا المقال شخصية قدور بك ملي زادة، أحد أعيان نصيبين المرتبطين بتاريخ نشأة القامشلي في عشرينيات القرن العشرين. ويركّز على ثلاثة محاور مترابطة: انتمائه العائلي والقومي، وموقعه ضمن شبكة ملاك الأراضي والزعامات المحلية، ودوره في التحولات التي أعقبت ترسيم الحدود السورية-التركية.

وتستند الدراسة إلى كتاب جوردي تيجيل عن كورد سوريا، وإلى دراسة تركية عن دور ماردين والمردنليين في تأسيس القامشلي، وإلى مواد تاريخية محلية. وتخلص إلى أن وصف قدور بك بأنه “مردنلي” يحدد صلة جغرافية ولا ينفي انتماءه الكوردي؛ كما تشير المراجع الأكاديمية إلى إدراجه ضمن الشخصيات الكوردية المؤثرة في الجزيرة وانتخابه نائباً عام 1936. غير أن بعض التفاصيل، مثل تاريخ توليه المناصب، والاتصالات الفرنسية السرية، وصيغ التنازل العقاري، لا تزال بحاجة إلى مراجعة الوثائق الأصلية.

كلمات مفتاحية
قدور بك ملي زادة؛ القامشلي؛ نصيبين؛ الكورد؛ ماردين؛ الانتداب الفرنسي؛ نهر جغجغ؛ الملكية العقارية؛ الجزيرة السورية.

مقدمة: من زعامة محلية إلى تاريخ
مدينة

لا يمكن فهم نشأة القامشلي الحديثة بوصفها مجرد عملية تخطيط عمراني نفذتها الإدارة الفرنسية، ولا بوصفها نتيجة مبادرة فردية منفصلة عن سياقها. فقد تداخلت في تأسيسها الحدود الجديدة، وتحولات طرق التجارة، ومصالح ملاك الأراضي، وانتقال السكان، وسياسات الانتداب. وفي قلب هذا السياق تبرز شخصية قدور بك ملي زادة، الذي ارتبط اسمه بالأراضي الواقعة جنوب نصيبين وبالموقع الذي تطورت فيه القامشلي.

تتمثل أهمية هذه الشخصية في اجتماع عناصر متعددة في سيرتها:

صلة بالبيئة الإدارية العثمانية،
ونفوذ عقاري محلي،
وعلاقات مع الإدارة الفرنسية،
ثم حضور في الحياة السياسية خلال الثلاثينيات.

وتستدعي هذه العناصر مقاربة نقدية لا تفترض صحة كل ما ورد في الروايات المحلية، ولا تستبعدها بسبب انحياز محتمل لدى مؤلف بعينه؛ بل تقارنها بالمراجع الأكاديمية والوثائق المعاصرة متى توفرت.

أولاً: الاسم والأسرة ودلالة “ملي زادة”

ترد تسمية الشخصية بصيغ متعددة في الكتابات العربية والتركية والأجنبية، منها: قدور بك الملي، وقدور بك ملي زادة، و
Kaddur Bey أو Kaddour Bey. وتذكر بعض المواد المحلية صيغة نسب أطول هي “قدور بك بن أحمد بك بن علي بك زادة الملي”. وتفيد اللاحقة التركية “زاده” معنى الابن أو المنحدر من أسرة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات سلسلة النسب ما لم تسندها سجلات عائلية أو إدارية.

ينبغي التعامل مع اختلاف التهجئة بوصفه مسألة مألوفة في نقل الأسماء بين العربية والتركية والفرنسية، لا دليلاً على تعدد الشخصيات بالضرورة. ولهذا ينبغي أن يشمل البحث الأرشيفي صيغ Kaddur, Kaddour, Kadour وMilli، إلى جانب اسم نصيبين والقامشلي.

ثانياً: كوردي أم مردنلي؟
فصل الهوية القومية عن الانتماء
الجغرافي

يُستخدم وصف “مردنلي” في التركية للدلالة على شخص من ماردين أو مرتبط بها. وماردين، تاريخياً، منطقة متعددة الجماعات اللغوية والدينية والقومية؛ لذلك لا يكفي الانتساب الجغرافي إليها لإثبات هوية قومية بعينها أو نفيها. ومن حيث المنهج، لا يوجد تناقض لازم بين أن يكون الشخص كردياً وأن يوصف بأنه مردنلي أو نصيبيني.

تكتسب هذه الملاحظة أهمية في حالة قدور بك، لأن بعض الكتابات التي تتناول تأسيس القامشلي تضعه ضمن فئة “ملاك الأراضي المردنليين”، وهو وصف جغرافي واجتماعي في سياق الحديث عن انتقال أصحاب الأملاك والتجار من نصيبين وماردين إلى الجانب السوري بعد ترسيم الحدود. ولا ينبغي تحويل هذا الوصف تلقائياً إلى تصنيف قومي.

في المقابل، يدرج جوردي تيجيل، في كتابه الأكاديمي
Syria’s Kurds: History, Politics and Society، قدور بك ضمن الشخصيات التي أدت دوراً في الحركة المناطقية/الاستقلالية في الجزيرة، ويصفه بأنه قائمقام سابق لنصيبين وشخصية معروفة في القامشلي، كما يربط اسمه بالانتخابات التشريعية لعام 1936. ويأتي ذكره ضمن سياق سياسي يتناول قوى كوردية وشخصيات كوردية في الجزيرة، ما يدعم تصنيفه ضمن النخب الكوردية المحلية. (1)

ومع ذلك، فإن إثبات الهوية على نحو أكثر حسماً يتطلب التمييز بين ثلاثة مستويات:

(أ) النسب العائلي الموثق؛
(ب) التعريف القومي في المصادر المعاصرة أو الأكاديمية؛
(ج) الهوية التي تبنتها الأسرة أو الجماعة في الذاكرة المحلية.

إن تقاطع هذه المستويات يقوي الاستنتاج، بينما لا ينبغي تحميل اسم العائلة وحده أكثر مما يحتمل.

ثالثاً: الأرض والاقتصاد قبل نشوء
القامشلي

تشير دراسة فاتح تورغاي إلدَم عن ماردين والمردنليين في تأسيس القامشلي إلى أن قدور بك كان قائمقاماً في نصيبين خلال مرحلة 1919-1920، وأنه أنشأ مزرعة وقصراً قرب طاحونة مائية على نهر جغجغ، في موقع يقع جنوب شرقي نصيبين. كما تذكر الدراسة أن أراضيه كانت إلى شرق النهر، بينما امتلكت عائلة نظام الدين أو أدارت أراضي وقفية واسعة إلى الغرب منه. (2)

وتوضح هذه المعطيات أن الموقع الذي قامت عليه القامشلي لم يكن أرضاً خالية من المصالح أو العلاقات الاجتماعية؛ بل كان جزءاً من اقتصاد زراعي تتقاطع فيه الملكية الخاصة، والأوقاف، والمراعي، وطرق الحركة المحلية. ومن ثم، فإن تاريخ تأسيس المدينة لا ينفصل عن تاريخ الأرض وحقوق الانتفاع بها.

لكن ثمة ضرورة منهجية في شأن أراضي آل نظام الدين: فالأرض التي تديرها عائلة بصفتها متولية على وقف لا تصبح بالضرورة ملكاً خاصاً لها. ولهذا ينبغي التمييز في كل رواية بين الملكية العقارية، والإدارة الوقفية، وحق الانتفاع، والتبرع أو التخصيص للمنشآت العامة.

رابعاً: الحدود الجديدة والإدارة الفرنسية

أعادت الحرب العالمية الأولى وتسويات ما بعدها تشكيل المجال الحدودي بين نصيبين والجزيرة السورية. ومع استقرار الحدود تدريجياً، بقيت بعض الأراضي التي ارتبطت اقتصادياً واجتماعياً بنصيبين في الجانب الخاضع للانتداب الفرنسي. وقد أسهم ذلك في تحويل مركز النشاط التجاري والإداري جنوباً، وفي خلق حوافز لملاك الأراضي وأصحاب المصالح كي يشاركوا في تأسيس مركز عمراني جديد.

تذكر دراسة إلدَم أن الفرنسيين ناقشوا عام 1923 إنشاء مدينة جديدة في تل جولك، جنوب نصيبين، وأن منصباً إدارياً عُرض على قدور بك. كما تتناول اتصالات بين المسؤولين الفرنسيين وقدور بك ورفيق نظام الدين في سياق ضمان المصالح العقارية وإقامة المركز الجديد. (2)

وهذه الرواية مفيدة لفهم تفاعل الإدارة الاستعمارية مع الأعيان، لكنها تظل بحاجة إلى مقابلة مستقلة مع مراسلات الإدارة الفرنسية وتقاريرها.

لا ينبغي اختزال هذه العلاقة في ثنائية الولاء أو المقاومة. فقد كانت الإدارة الفرنسية تعتمد في مناطق كثيرة على وسطاء محليين، فيما سعى الأعيان إلى حماية مصالحهم وتثبيت مواقعهم في واقع سياسي جديد. وتحتاج أي أحكام عن دوافع قدور بك إلى أدلة مباشرة، لا إلى استنتاجات عامة من مجرد تعاونه الإداري أو تفاوضه مع الفرنسيين.

خامساً: المساهمة في نشأة القامشلي

تفيد المصادر المنشورة بأن قدور بك ورفيق نظام الدين أسهما في تخصيص أراضٍ للمنشآت العامة في القامشلي. وتذكر رواية إلدَم أن قدور بك بنى أحد أوائل المنازل الحديثة في المدينة، وأن الحي المعروف باسمه ارتبط بموقع منزله. (2) وإذا أمكن تثبيت تفاصيل هذه التصرفات من سجلات الأراضي أو محاضر البلدية، فستكون دليلاً مهماً على دور العائلة في المرحلة التأسيسية.

ويظل من الضروري تجنب صياغة تاريخ المدينة باعتباره إنجاز شخص واحد. فالتأسيس نتاج تفاعل بين سلطات الانتداب، وملاك الأراضي، والتجار، والمهاجرين، وسكان المنطقة من جماعات متعددة. وتبرز أهمية قدور بك في كونه أحد الفاعلين المحليين الذين ساهمت ممتلكاتهم وعلاقاتهم في تهيئة شروط نشوء المدينة، لا باعتباره العامل الوحيد في تأسيسها.

كما ينبغي التحقق من الأسماء والمناصب البلدية بدقة. فالمصادر التي جرى الاطلاع عليها تذكر عبد الرزاق آغا/كوزي في سياق رئاسة البلدية، بينما تذكر قدور بك في منصب مالي في القامشلي في مرحلة لاحقة.

لذا لا يصح وصفه بأنه رئيس بلدية القامشلي ما لم تظهر وثيقة صريحة تؤكد ذلك.

سادساً: النشاط السياسي وانتخابات 1936

يذكر جوردي تيجيل أن قدور بك خاض الانتخابات التشريعية عام 1936 وانتُخب نائباً عن الجزيرة إلى جانب خليل بك إبراهيم باشا وسعيد إسحاق. ويشير السياق الذي يقدمه الكتاب إلى أن قدور بك كان يُنظر إليه بوصفه أكثر اعتدالاً من أنصار الحكم الذاتي الإقليمي. (1)

تمنح هذه المعلومة سيرته بعداً يتجاوز الملكية العقارية والإدارة المحلية؛ إذ تشير إلى انتقاله إلى مجال التمثيل السياسي في مرحلة كان فيها مستقبل الجزيرة وعلاقتها بالدولة السورية الناشئة موضع نقاش. ومع ذلك، فإن تحديد الدائرة الانتخابية الرسمية، ومدة العضوية، وطبيعة مواقفه السياسية، يستلزم الرجوع إلى سجلات الانتخابات ومحاضر المجلس والوثائق الفرنسية ذات الصلة.

سابعاً: الذاكرة العمرانية والصورة التاريخية

استمرار اسم “حي قدور بك” في القامشلي يمثل شكلاً من أشكال الذاكرة العمرانية التي تحفظ أثر شخصيات مرحلة التأسيس. غير أن تسمية الحي، رغم أهميتها، لا تغني عن دراسة سجلاته العقارية وتاريخ توسعه، ولا تثبت بمفردها تفاصيل جميع الروايات المتداولة عن صاحبه.

أما الصورة المتداولة التي يظهر فيها قدور بك إلى جانب سعيد إسحاق ورياض بك الصلح، والمنسوبة إلى عام 1933، فينبغي التعامل معها بوصفها وثيقة بصرية تحتاج إلى توثيق منشئها: اسم الصحيفة أو الأرشيف، تاريخ النشر، والتعليق الأصلي. ويمكن للصورة أن تثبت الوجود المشترك في مناسبة ما إذا صحّ التعرف إلى الأشخاص والتاريخ، لكنها لا تثبت وحدها مضمون اللقاء أو طبيعة العلاقة السياسية بينهم.

ثامناً: نقد المصادر وحدود المعرفة

تتفاوت المواد المستخدمة في دراسة قدور بك من حيث طبيعتها وقيمتها الإثباتية. فالكتاب الأكاديمي لجوردي تيجيل يستند إلى بحث في تاريخ الكورد خلال الانتداب، ويقدم سياقاً سياسياً أوسع.

أما دراسة إلدَم فهي مادة محلية تركية مفيدة في تفاصيل تأسيس المدينة، لكنها تتطلب التحقق من إحالاتها ومقارنة روايتها بمصادر مستقلة. وتساعد المقالات المحلية في حفظ أسماء العائلات والذاكرة الحضرية، لكنها لا ينبغي أن تكون وحدها أساساً لإثبات وقائع متنازع عليها.

ولا يعني نقد مصدر ما رفض جميع معلوماته، كما لا يعني الاستشهاد بمصدر قبول كل استنتاجاته. المنهج الأمتن هو تفكيك كل ادعاء على حدة: من الذي قاله؟ ومتى؟ وما الوثيقة التي يستند إليها؟ وهل تؤيده مصادر مستقلة؟ وبالنسبة إلى الجدل القومي، ينبغي اختبار الروايات لا افتراض نيات أصحابها من انتماءاتهم السياسية وحدها.

تاسعاً: ما الذي يحتاج إلى استكمال أرشيفي؟

تحتاج الدراسة إلى استكمال في خمسة مسارات رئيسية:

السجلات العثمانية: قرارات تعيين قائمقام نصيبين، وسجلات النفوس أو الملكية التي قد تساعد في تثبيت الاسم والنسب.
الأرشيف الفرنسي: مراسلات المفوضية العليا وتقارير الإدارة والاستخبارات في الجزيرة العليا، مع البحث عن صيغ Kaddur/Kaddour/Kadour وNissibin/Qamichlié واسم الضابط Terrier أو Binnot الوارد في بعض الروايات.
السجلات العقارية والوقفية: تحديد ملكية أراضي قدور بك، وأراضي آل نظام الدين، والفصل بين الملكية الخاصة وأراضي الوقف.
المصادر السياسية: سجلات انتخابات 1936، وقوائم النواب، ومحاضر المؤسسات الإدارية في الجزيرة.
الصحافة المعاصرة: التحقق من صورة عام 1933، ومراجعة الصحف التركية والعربية والفرنسية المنشورة في الفترة نفسها.

خاتمة
تسمح الأدلة المنشورة المتاحة بتقديم قدور بك ملي زادة بوصفه أحد أعيان نصيبين ذوي النفوذ العقاري والإداري، وشخصية شاركت في التحولات التي مهدت لنشوء القامشلي الحديثة. كما يدعم كتاب جوردي تيجيل إدراجه ضمن النخب الكوردية الفاعلة في الجزيرة، ويذكر انتخابه نائباً عام 1936. ولا ينقض وصفه بالمردنلي هذا التصنيف؛ فالأول يدل على صلة جغرافية، بينما يتطلب تحديد الهوية القومية قراءة أوسع للمصادر والسياق.

ومع ذلك، فإن بعض التفاصيل الشائعة بشأن الاتصالات السرية، والتنازلات العقارية، والمناصب الدقيقة، لا ينبغي أن تُعرض باعتبارها حقائق نهائية قبل الرجوع إلى وثائقها الأصلية. وتتمثل القيمة الأكاديمية للبحث في الجمع بين تثبيت الدور التاريخي لقدور بك، وتجنب المبالغة أو تحويل السيرة إلى سجال هوياتي لا تسنده الأدلة.

إن الوثائق العثمانية والفرنسية وسجلات الملكية والانتخابات هي الطريق الأجدى للانتقال من الرواية المحلية إلى سيرة تاريخية موثقة.

المراجع والإحالات
[1] Jordi Tejel, Syria’s Kurds: History, Politics and Society, London: Routledge, 2009. انظر مناقشة الحركة المناطقية في الجزيرة وذكر Kaddur Bey وانتخابات 1936. نسخة/بيانات الكتاب: https://syriastudies.com/book/syrias-kurds-history-politics-and-society/ ؛ ويظهر المقطع المتعلق بقدور بك في النص الرقمي للكتاب: https://www.kurdipedia.org/files/books/2012/74488.PDF
[2] Fatih Turgay Eldem, “Kamışlı’nın Kuruluşunda Mardin ve Mardinliler” [ماردين والمردنليون في تأسيس القامشلي]، Artuklu Haber. مادة تركية تتناول أملاك قدور بك، علاقته بالإدارة الفرنسية، ومساهمة ملاك الأراضي في نشأة المدينة: https://artukluhaber.net/kose-yazilari/_kamislinin_kurulusunda_mardin_ve_mardinliler-5639
[3] “حي قدوربك في قامشلو”، صحيفة روناهي، 3 حزيران/يونيو 2024. مادة محلية عن اسم الحي والذاكرة المرتبطة به: https://ronahi.net/?p=202208
[4] “إضاءات وخلاصات القامشلي 1928″، التاريخ السوري المعاصر. مادة محلية مفيدة للتحقق من بعض المناصب البلدية والإدارية: https://syrmh.com/2018/11/16/%D8%A5%D8%B6%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%85%D8%B4%D9%84%D9%8A-1928/
[5] Bulletin officiel des actes administratifs du Haut-Commissariat de la République française en Syrie et au Liban, 1926. فهارس رقمية للبحث عن القرارات الإدارية المنشورة: https://kutuphane.osmanlica.com/diger/4856860
[6] ملاحظة توثيقية: لم تُفحص في إعداد هذه المسودة وثيقة فرنسية أصلية تثبت نص الاتصالات السرية أو وثيقة عقارية أصلية تثبت حدود الأراضي المتنازل عنها. لذلك وردت هذه المسائل بصيغة منسوبة إلى المصادر الحديثة وتحتاج إلى تحقق مستقل.
ملاحظة تحريرية
هذه المسودة صالحة أساساً للتطوير والمراجعة، وليست بديلاً عن مراجعة النسخ الأصلية للمراجع أو استكمال الإحالات إلى أرقام الصفحات والوثائق الأرشيفية. قبل النشر الأكاديمي، يُستحسن إضافة أرقام الصفحات الدقيقة من طبعة تيجيل، ومراجعة المقال التركي بلغته الأصلية، والتحقق من جميع التواريخ والمناصب من مصادر أولية.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *