أخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةقسم التاريخ

تفنيد مغالطة “لاجئي 1925”: قراءة في سجلات الطابو العثمانية، جغرافية ما قبل الحدود، والهندسة الديموغرافية الحديثة

الكاتب: حسين قاسم”بيوراسب”

تُعدّ مقولة إن الوجود الكردي في الجزيرة الفراتية وشمال شرق سوريا هو مجرد “تجمّع طارئ لفراريين ولاجئين” عقب ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925م، إحدى أكثر المغالطات التاريخية انتشاراً في الأدبيات القومية الإقصائية. يُراد من هذه السردية اختزال تاريخ شعب كامل وتحويل أرضه التاريخية إلى “ملاذ لجوء إنساني مؤقت”، قفزاً فوق الحقائق الأرشيفية والوثائق العثمانية، وتجاهلاً للقرارات السياسية التشريعية التي استهدفت سلب ملكياتهم العقارية لاحقاً.

تفكيك هذه المغالطة لا يعتمد على الإنشائيات، بل يستند إلى سجلات الطابو والتفتيش العقاري العثماني (Tapu Tahrir Defterleri)، المفاهيم الجغرافية والأنثروبولوجية لما قبل حدود سايكس-بيكو/لوزان، والقرارات والقوانين الاستثنائية الصادرة في العهد السوري الحديث التي تُثبت بالدليل القاطع وجود الملكيات العقارية والتاريخية للكرد قبل استهدافها.

أولاً: جغرافية ما قبل الحدود (مأزق إسقاط سايكس-بيكو على التاريخ)

تعتمد مغالطة “لاجئي 1925” على مغالطة منهجية تُعرف بـ “الإسقاط الزمني المائل” (Anachronism)، حيث تُسقط خطوط حدود معاهدة لوزان (1923م) وسايكس-بيكو على تاريخ يمتد لقرون قبلها:

  1. الوحدة الجغرافية والإدارية لـ “الميزوبوتاميا الفوقانية”:لم تكن مناطق القامشلي، ورأس العين (Serê Kaniyê)، والحسكة، وعامودا في العهد العثماني أقاليم معزولة عن ماردين، ونصيبين، وجزيرة ابن عمر، وديار بكر. كانت هذه الجغرافيا تُشكل فضاءً اقتصادياً، وعشائرياً، وجغرافياً واحداً يربط الجبل بالسهل دون سياك أو حدود فاصلة.
  2. المدينة الواحدة التي قسمتها السكة:القامشلي ونصيبين، على سبيل المثال، كانتا متصلتين كحيّين أو امتداد جغرافي واحد، ولم يطرأ الفصل إلا بعد اعتماد خط سكة حديد “برلين-بغداد” كحدود سياسية بين الدولة التركية الحديثة وزمن الانتداب الفرنسي على سوريا. إن اعتبار أهالي السهل جنوب السكة “غلاء أو طوارئ” أتوا من شمالها هو تحكم استعماري باطل بتاريخ المنطقة.

ثانياً: شهادة سجلات الطابو والتفتيش العثماني (القرون 16 – 19)

تنسف الدفاتر الأرشيفية المحفوظة في أرشيف رئاسة الوزراء العثمانية في إسطنبول (Başbakanlık Osmanlı Arşivi) ادعاء خلو الجزيرة من المكون الكردي قبل القرن العشرين:

+-----------------------------------------------------------------------------------+
|               الوثائق الأرشيفية العثمانية الثابتة للوجود الكردي                    |
+-----------------------------------------------------------------------------------+
|  1. دفاتر Tahrir Defterleri (القرن 16):                                           |
|     تسجيل مقاطعات وأراضٍ باسم عشائر كردية مستقرة بين ماردين وسهل الخابور.       |
|                                                                                   |
|  2. سجلات ولاية ديار بكر وسنجق الزور:                                            |
|     توثيق القرى والملكيات الزراعية لعشائر (الملية، الكيكان، الدقورية).            |
|                                                                                   |
|  3. إمارة إبراهيم باشا الملي (القرن 19):                                         |
|     سيادة واستقرار عشائري وزراعي يمتد من رأس العين والرقة إلى ويران شهر.            |
+-----------------------------------------------------------------------------------+
  • سجلات القرن السادس عشر (Defter-i Mufassal):تُظهر دفاتر التفتيش العثمانية للواء ديار بكر وسنجق ماردين (الذي كانت أراضي الجزيرة تتبع له إدارياً) وجود عشرات المقاطعات والقرى الكردية المسجلة باسم عشائرها.
  • العشائر الكردية المستقرة:لم تكن عشائر مثل الملية (Mılan)، والكيكان (Kîkan)، والدقورية (Daqûrî) مجرد عابري سبيل، بل كانت تُسجّل ملكيات الأراضي (المزرعة والتاپو) والقرى، وتدفع الضرائب الرسمية للسلطة العثمانية عن المحاصيل الزراعية والمراعي الصيفية والشتوية في سهل الخابور ورأس العين وطول القامشلي قبل عام 1925 بقرون.
  • إمارة إبراهيم باشا الملي:شهد القرن التاسع عشر نفوذاً واسعاً لإمارة الاتحاد الملي الكردي، حيث اتخذت من رأس العين ورستن وسهل الجزيرة مراكز استقرار ورعي وزراعة، موثقة في التذكرة الإدارية العثمانية والتقارير القنصلية الأوروبية (البريطانية والفرنسية) في حلب وديار بكر.

ثالثاً: القانون 161 لسنة 1958م والهندسة الديموغرافية الزراعية

تأتي القرارات والقوانين الاستثنائية التي صدرت في العهد الشمولي الحديث (زمن الجمهورية العربية المتحدة) لتُمثّل أكبر دليل قانوني ومادي على ثبوت الملكية العقارية والتاريخية للوجهاء والعشائر الكردية؛ إذ لا يُمكن مصادرة أملاك أو نزع ملكيات من “مهاجرين بلا أرض”!

+-----------------------------------------------------------------------------------+
|             القرارات والتشريعات الاستثنائية لنزع الملكية والتعريب                |
+-----------------------------------------------------------------------------------+
|  1. قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 (عام 1958م / عهد جمال عبد الناصر):               |
|     مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة المملوكة للوجهاء          |
|     والعشائر الكردية في الجزيرة تحت ذرائع "مكافحة الإقطاع".                      |
|                                                                                   |
|  2. إعادة توزيع الأراضي واستحداث "الحزام العربي":                               |
|     منح الأراضي المقتطعة للوافدين العرب وتوطينهم في القرى الكردية،             |
|     بهدف تغيير الديموغرافيا التاريخية للشريط الحدودي.                            |
|                                                                                   |
|  3. التناقض القانوني للسردية الإقصائية:                                           |
|     صدور قرارات رسمية بأسماء كبار الملاكين الكرد يُثبت أصالة وجودهم               |
|     وملكيتهم للأرض قبل تأسيس الدولة الحديثة وقوانينها.                           |
+-----------------------------------------------------------------------------------+
  1. دلالة قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 (1958م):عندما أصدر الرئيس جمال عبد الناصر القانون رقم 161 لعام 1958م الخاص بالإصلاح الزراعي في الإقليم السوري، تم تطبيقه في محافظة الحسكة/الجزيرة بشكل استهدافي وممنهج ضد العائلات والوجهاء ورؤساء العشائر الكردية.
  2. سلب الأراضي وتغيير التركيبة السكانية:لم تكن العملية مجرد تطبيق لعدالة اجتماعية مفترضة، بل استُخدمت الأراضي المقتطعة من الملاكين الكرد لاحقاً لتنفيذ مشروع “الحزام العربي” (Cênîka Erebî)؛ حيث جرى اقتطاع شريط بعمق 10 إلى 15 كيلومتراً على طول الشريط الحدودي وتوزيع هذه الأراضي الزراعية المملوكة كردياً على المزارعين والوافدين العرب (كالمنتفعين من الغمر)، مع حرمان الفلاحين الكرد الأصليين منها.
  3. المفارقة القانونية المفندة للمغالطة:كيف يُمكن لسلطات الدولة أن تصدر قرارات رسمية ومراسيم استملاك بأسماء عائلات وعشائر كردية تمتلك مئات آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية في الجزيرة إذا كانوا مجرد “فراريين ولاجئين طارئين دخلوا البلاد عام 1925م”؟ إن صدور هذه التشريعات ومصادرة هذه المساحات الشاسعة يثبتان رسمياً وقانونياً أن الكرد كانوا كبار الملاكين والأهالي المستقرين في أرضهم أباً عن جد.

رابعاً: التمييز العلمي بين “التكثيف السكاني” و”الأصلانية التاريخية”

تعتمد السردية المضادة على مغالطة تخلط بين نشأة الوجود وبين التكثيف السكاني والتحضر:

“إن حركة النزوح واللجوء التي شهدتها المنطقة عقب ثورة الشيخ سعيد (1925م) ومجازر سيفو (1915م) لم تُنشئ الوجود الكردي أو المسيحي في الجزيرة من الفراغ، بل اتجه الفارين طبيعياً نحو امتدادهم العشائري، والديني، والجغرافي الأصيل المستقر هناك سابقاً.”

                  [ المكونات التاريخية الأصيلة للجزيرة ]
                                    │
       ┌────────────────────────────┼────────────────────────────┐
       ▼                            ▼                            ▼
[ المكون السرياني/الآشوري ]      [ المكون الكردي ]             [ المكون العربي ]
 عصب حضاري ولغوي رافديني       استقرار عشائري وزراعي         امتداد عشائري وفراتي
  (طور عابدين والجزيرة)       في الجبال والسهول المحاذية      (الجبور، شمر، وغيرهم)
  1. طبيعة الهجرة واللجوء: لا يهاجر الإنسان إلى المجهول؛ بل يلجأ النازحون دائماً إلى المناطق التي يمتلكون فيها امتداداً أقربائياً وثقافياً وروافد شعبية تؤويهم.
  2. عمران المدن الحديثة: إن بناء مدن حديثة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين (مثل القامشلي والحسكة والمالكية) تخطيطاً وتنظيماً تحت الانتداب الفرنسي جاء لتجميع الساكنة المحلية المنتشرة في القرى والأرياف، إلى جانب استقبال الوافدين الجدد (من كرد وسريان وأرمن)، وهو تطور نشوء المدن الحديثة في عموم المشرق العربي وليس حكراً على الجزيرة.

خامساً: الختام

إن اختزال التاريخ العريق للشعب الكردي في الجزيرة الفراتية بحادثة لجوء سياسي عام 1925م هو تزوير للكرونولوجيا الأرشيفية وسعي غير علمي لتجريد المكونات الأصيلة من حقها التاريخي في أرضها.

الجزيرة الفراتية العليا كانت وما زالت فضائاً حضارياً وتاريخياً متعدداً:

  • السريان والآشوريون: هم الجذر الحضاري واللغوي الرافديني الأصيل.
  • الكرد: هم أصحاب الجذور التاريخية والأرض المتمثلة في السهول والمرتفعات المتصلة جغرافياً، والمثبتة ملكياتهم في دفاتر الطابو العثمانية وقرارات الاستملاك الحديثة (كالقانون 161 لسنة 1958م).
  • العرب: هم عماد الفضاء الفراتي والجزراوي عبر التحولات العشائرية والإسلامية.

إن إعادة قراءة الأرشيف العثماني والقوانين التشريعية الحديثة بعيداً عن الأيديولوجيات التعريبية أو الإقصائية تثبت أن الوجود الكردي في الجزيرة ليس طارئاً ولا مكتسباً بقرار سياسي، بل هو حق وثائقي، ومكاني، وتاريخي راسخ.

______________________________________________________
– المراجع الأكاديمية والوثائقية والميدانية الموثقة التي تعتمد عليها في تعزيز هذا الطرح وتفنيد الشبهات الأرشيفية والجغرافية، مقسمة حسب المحاور العلمية:

أولاً: الأرشيف العثماني وسجلات الطابو (BOA – Başbakanlık Osmanlı Arşivi)
  1. Başbakanlık Osmanlı Arşivi (BOA), Istanbul:
    • Defter-i Mufassal-ı Liva-i Diyarbekir / Mardin (Tapu Tahrir Defterleri): دفاتر التفتيش العقاري والضرائب لولايتي ديار بكر وسنجق ماردين (القرن 16، وخاصة السجلات رقم TD 64 و TD 999)، والتي تدون أسماء المقاطعات والقرى والعشائر الكردية (كالملية والكيكان) ونشاطها الزراعي والرعوي.
    • Cevdet Dahiliye & Salname-i Vilayet-i Halep / Diyarbekir: السالنامات الإدارية العثمانية لولايتي حلب وديار بكر، والتي توثق الحدود الإدارية للواء كلس (جبل الأكراد) وسنجق ماردين والزور وتسمياتها الرسمية.
  2. Özoğlu, Hakan (2004): Kurdish Notables and the Ottoman State: Evolving Identities, Competing Loyalties, and Shifting Boundaries. SUNY Press. (دراسة تفصيلية لهيكلية العشائر والعائلات الكردية البارزة في الأرشيف العثماني).
ثانياً: الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية في العهد الفرنسي والحديث
  1. Weulersse, Jacques (1946): Paysans de Syrie et du Proche-Orient. Gallimard, Paris.(دراسة جغرافية وأنثروبولوجية مرجعية للمستشرق الفرنسي جاك ويلر حول تشكل المجتمعات الزراعية والعشائرية في الجزيرة الفراتية والشمال السوري).
  2. Rondot, Pierre (1937): Les Tribus Kurdes de Haute-Djézireh. Les Cahiers de l’Afrique et l’Asie, Paris.(تقرير ودراسة ميدانية وثق فيها الضابط والباحث الفرنسي بيير روندو خريطة الانتشار العشائري والتاريخي للكرد والعرب والمسيحيين في الجزيرة العليا).
  3. Tejel, Jordi (2009): Syria’s Kurds: History, Politics and Society. Routledge.(من أهم المراجع الأكاديمية الحديثة التي تؤرخ لتاريخ كرد سوريا، وتفكك مغالطة اختزال الوجود الكردي في موجات نزوح 1925، موضحة الامتداد العشائري المسبق).
ثالثاً: القوانين والتشريعات السورية الرسمية (الهندسة الديموغرافية)
  1. الجريدة الرسمية للجمهورية العربية المتحدة (الإقليم السوري) – 1958:
    • القانون رقم 161 لسنة 1958 (قانون الإصلاح الزراعي): الصادر عن الرئيس جمال عبد الناصر، والقرارات الإجرائية الملحقة به الصادرة عن وزارة الإصلاح الزراعي الخاصة بمحافظة الحسكة (والتي وثقت ملكيات الأراضي الواسعة باسم الوجهاء والعائلات الكردية قبل استملاكها).
  2. Human Rights Watch (1996): Group Denial: Repression of Kurdish Cultural and Civil Rights in Syria.(تقرير دولي يوثق خلفيات الإحصاء الاستثنائي عام 1962 ومشاريع “الحزام العربي” واستغلال قوانين الإصلاح الزراعي لتغيير الديموغرافيا).
رابعاً: الأوراق البحثية في علم الجينات القديمة (aDNA)

Haber et al. (2020): “A Genetic History of the Near East from Ancient and Modern Genome Sequences”. Cell / The American Journal of Human Genetics.(توضح التكتلات الجينية المشرقية والعزل الجيني الناتج عن الانغلاق الديني لدى المجموعات الرافدينية وشراكتها مع السلالات المجاورة).

Lazaridis et al. (2022): “The genetic history of the Southern Arc: A bridge between West Asia and Europe”. Science, 377(6609).(دراسة جينية عالمية ضخمة أثبتت الاستمرارية الوراثية لسكان زاغروس وتوروس وشمال الرافدين منذ العصر النيوليثي).

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

2 thoughts on “تفنيد مغالطة “لاجئي 1925”: قراءة في سجلات الطابو العثمانية، جغرافية ما قبل الحدود، والهندسة الديموغرافية الحديثة”

  • جانو

    توثيق أكاديمي وجيني قاطع يثبت جذور الوجود الكردي الأصيل في سوريا، ويسقط كل محاولات اختزاله أو إعادة رسم جغرافيته. قراءة مهمة تضع النقاط على الحروف لتأسيس رؤية عادلة ومحقة للتحرر الوطني.

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *