شرق يتغير وقضية لا تنكسر
الكاتب: بيوراسب دارا
.
الشرق اليوم يقف على حافة تحوّل كبير، وكأن الأرض تتحرك تحت خرائطه القديمة. لم يعد الوطن في هذه المنطقة فكرة مستقرة، بل مساحة تتجاذبها القوى الإقليمية والدولية، وتتنازعها المصالح، فيما تبقى الشعوب تبحث عن مكان يحفظ كرامتها وسط هذا الاضطراب. وفي قلب هذا المشهد تقف القضية الكوردية، قضية شعب يمتد على أربع دول، يحمل تاريخاً طويلاً من المعاناة، ويبحث عن مستقبل يليق بتضحياته.
القضية الكوردية ليست ملفاً سياسياً عابراً، وإنما امتحان حقيقي لقدرة الشرق على الاعتراف بالتعددية والحقوق. غير أن الواقع السياسي يجعلها محاصرة بين حسابات الدول وتوازنات القوى. فالدول المحيطة بالكورد ما زالت تنظر إلى القضية من زاوية أمنية، وهذا ما يجعل أي تقدّم هشاً وقابلاً للتراجع. وفي الداخل، لا تزال الانقسامات الكوردية عبئاً ثقيلاً، إذ يتحرك كل طرف وفق حساباته الخاصة، فيتشتت القرار، وتستفيد القوى الخارجية من هذا التباعد.
وفي الوقت ذاته، تشهد الساحة السياسية خلافات داخل القصر الجمهوري تعكس حجم الصراع الإقليمي والدولي. فالتوترات بين بعض الشخصيات ليست مجرد اختلافات في الرأي، وإنما انعكاس لتنافس بين تركيا وبعض دول الخليج، ومحاولة كل جهة التأثير في القرار السياسي. القصر لم يعد مجرد مؤسسة، بل نقطة التقاء لمصالح متعارضة تحاول كل منها فرض حضورها.
الصراع يتجاوز حدود الإقليم، إذ يعيش التحالف الدولي نفسه خلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا، تمتد إلى مناطق بعيدة مثل غرينلاند، حيث تتنافس القوى الكبرى على النفوذ في منطقة قطبية تزداد أهميتها الاستراتيجية. الصين وروسيا تحاولان التقدم عبر الاستثمار والوجود القطبي، في حين تسعى أمريكا وأوروبا إلى تثبيت مواقعها. هذا التنافس ينعكس على الشرق الأوسط، لأن كل قوة تبحث عن تعويض نفوذها في مناطق أخرى.
الحرب الروسية الأوكرانية بدورها تلقي بظلال ثقيلة على الشرق الأوسط. فقد تحولت إلى مواجهة عالمية أثّرت على أسعار الطاقة، وعلى حركة الجيوش، وعلى شكل التحالفات. القوى الكبرى تعيد توزيع أوراقها، وتضغط على حلفائها، ما يجعل المنطقة جزءاً من معادلة أكبر تتجاوز حدودها.
تركيا أيضاً في وضع حساس. فهي تخشى أن تتغير موازين القوى الدولية، فتجد نفسها أمام روسيا دون دعم كافٍ. ولهذا تسعى إلى حسم ملفات معينة، وفي مقدمتها الملف الكوردي، قبل أن تتبدل التحالفات. وفي الداخل التركي، يزداد الحديث عن ضرورة إعادة فتح قنوات التواصل مع الأطراف الكوردية واليسارية، لأن الاستقرار الداخلي أصبح حاجة ملحّة في ظل الضغوط الاقتصادية والسياسية.
وفي هذا العالم المتوتر، يبدو كوكب الأرض كله وكأنه يقف على صفيح ساخن. الحروب تتوسع، الأزمات الاقتصادية تتعمق، التغير المناخي يهدد الأمن الغذائي والمائي، والثقة بين الشعوب والحكومات تتراجع. كل ذلك يجعل الشرق الأوسط أكثر هشاشة، ويجعل أي قوة بلا مشروع واضح عرضة للتهميش.
أما الكورد، فهم أمام لحظة تاريخية. التخبط السياسي، وتأجيل الوعود، والاعتماد المفرط على التحالف الدولي، كلها عوامل تجعل القرار الكوردي ضعيفاً. فالدعم الخارجي مهم، إلا أنه لا يمنح ضمانات سياسية حقيقية، وتحركات القوى الكبرى مرتبطة بمصالحها لا بمصالح الشعوب.
ويبقى السؤال: ما الذي يجب على الكورد فعله في هذا المشهد المعقد؟
الجواب يبدأ من الداخل. عليهم أن يوحدوا صفوفهم، وأن يبنوا مشروعاً وطنياً جامعاً يتجاوز الانقسامات. عليهم أن يقللوا اعتمادهم على التحالفات الخارجية، وأن يعززوا علاقاتهم مع الشعوب المجاورة، وأن يستعدوا لكل السيناريوهات. فالقضية الكوردية لن تتقدم بالصوت المرتفع، وإنما بالوعي والوحدة والقدرة على قراءة الواقع.
الكورد اليوم أمام فرصة قد لا تتكرر. إما أن يكونوا صناع قرار، أو يبقوا أسرى قرارات الآخرين. والفارق بين الحالتين كلمة واحدة: الوحدة.