الرئيسيةمقالات

سوريا بين الدولة الواحدة والدولة متعددة القوميات مقاربة مقارنة بين رؤية الرئيس أحمد الشرع ورؤية المكونات القومية لبناء الدولة السورية الجديدة

الكاتب: مروان فلو
 

    
منذ سقوط النظام السابق، أصبحت قضية بناء الدولة السورية الجديدة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فلم يعد السؤال مقتصراً على من يحكم سوريا، بل أصبح يتعلق بطبيعة الدولة نفسها: هل ستكون دولة قومية مركزية تقوم على هوية وطنية واحدة، أم دولة وطنية تعترف بتعدد قومياتها ومكوناتها دستورياً؟

في مقابلته الأخيرة مع قناة الجزيرة، قدم الرئيس السوري أحمد الشرع تصوراً متكاملاً لسياسة سوريا الداخلية والخارجية، كشف من خلاله عن ملامح المشروع السياسي الذي تتبناه دمشق في المرحلة الانتقالية. وفي المقابل، ما تزال المكونات القومية، وفي مقدمتها الكرد، تطرح رؤية مختلفة للدولة المنشودة.

أولاً: رؤية أحمد الشرع لسوريا الجديدة

أوضح الشرع أن أولويات الدولة السورية تتمثل في استعادة الاستقرار، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة الصراع التي استمرت سنوات طويلة.

وعلى المستوى الإقليمي، أكد أن سوريا لا ترغب في الدخول في حروب جديدة، وأنها تسعى إلى علاقات متوازنة مع جميع القوى الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، تحدث عن:

– السعي إلى تفاهمات أمنية مع إسرائيل تمنع التصعيد العسكري.
– عدم التدخل في الشأن اللبناني، واعتبار استقرار لبنان مصلحة سورية.
– إقامة علاقات متوازنة مع روسيا والولايات المتحدة والدول العربية.
– رفض أن تكون سوريا جزءاً من محاور إقليمية متصارعة.

وتعكس هذه المواقف انتقال السياسة السورية من منطق الصراع المفتوح إلى منطق إدارة المصالح وإعادة بناء الدولة.

ثانياً: موقف الشرع من القضية الكردية

يميز الرئيس السوري بوضوح بين المجتمع الكردي وبين قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

فهو يؤكد أن الكرد جزء أصيل من المجتمع السوري، وأن لهم حقوقاً يجب احترامها، لكنه يرفض أن تتحول هذه الحقوق إلى مشروع سياسي أو عسكري خارج إطار الدولة.

كما يؤكد أن جميع المواطنين يجب أن يتمتعوا بحقوق متساوية، وأن معالجة المظالم التاريخية التي تعرض لها الكرد لا تعني إنشاء كيان سياسي مستقل أو نظام قومي منفصل.

غير أن الملاحظ أن هذا الخطاب، رغم اعترافه بالمكون الكردي، لا يصل إلى حد الاعتراف الدستوري بالقومية الكردية بوصفها شريكاً في تكوين الدولة السورية.

وهنا تكمن نقطة الخلاف الأساسية.

ثالثاً: هل يكفي الاعتراف بالمكون الكردي؟

من وجهة نظر قطاعات واسعة من المثقفين والسياسيين الكرد، فإن الاعتراف الإعلامي لا يكفي.

فالمشكلة التاريخية لم تكن أن الدولة أنكرت وجود أفراد أكراد، بل أنكرت وجود الشعب الكردي بوصفه جماعة قومية لها لغتها وثقافتها وتاريخها.

لذلك فإن المطلوب، من وجهة نظرهم، ليس منح امتيازات خاصة، وإنما تثبيت حقائق قائمة داخل الدستور، بحيث لا تصبح مرتبطة بإرادة الحكومات المتعاقبة.

فالحقوق التي لا يحميها الدستور تبقى عرضة للتغيير مع كل تحول سياسي.

ولهذا يطالب كثير من الكرد بأن ينص الدستور السوري صراحة على:

– أن سوريا دولة متعددة القوميات والثقافات.
– الاعتراف بالعرب والكرد والسريان والآشوريين والتركمان وسائر المكونات الوطنية.
– حماية اللغات الوطنية المختلفة.
– ضمان الحقوق الثقافية والتعليمية والإدارية لكل المكونات.
– منع أي سياسة مستقبلية تقوم على الإنكار أو الإقصاء.

إن هذا الطرح لا ينطلق بالضرورة من فكرة الانفصال، بل من فكرة الشراكة الوطنية.

رابعاً: هل الاعتراف بالقوميات يهدد وحدة الدولة؟

يُطرح هذا السؤال باستمرار في سوريا.

لكن التجارب الدستورية المقارنة تقدم صورة أكثر تعقيداً.

فسويسرا تعترف بأربع لغات رسمية وعدة جماعات ثقافية، ومع ذلك تُعد من أكثر الدول استقراراً.

وكندا اعترفت بالهوية الكيبيكية واللغتين الإنجليزية والفرنسية، ولم يؤد ذلك إلى انهيار الدولة، بل عزز شرعيتها لدى قطاعات واسعة من السكان.

أما إسبانيا، فقد اعترفت بالقوميات التاريخية وبالحكم الذاتي، رغم استمرار بعض التوترات السياسية.

وتبين هذه التجارب أن الاعتراف بالتعددية لا يؤدي تلقائياً إلى الانفصال، بل قد يشكل وسيلة لاحتواء النزاعات إذا اقترن بدولة ديمقراطية وسيادة قانون.

خامساً: بين رؤيتين للدولة

يمكن تلخيص النقاش السوري اليوم في مشروعين مختلفين.

الرؤية الأولى، التي تعكسها تصريحات الرئيس أحمد الشرع، تنطلق من دولة موحدة ذات سلطة مركزية، تعترف بحقوق المواطنين جميعاً، لكنها تتحفظ على بناء النظام السياسي على أساس القوميات.

أما الرؤية الثانية، التي تتبناها قطاعات من الكرد ومكونات سورية أخرى، فترى أن المواطنة لا تتعارض مع الاعتراف الدستوري بالجماعات القومية، بل إن هذا الاعتراف هو الضمان الحقيقي لوحدة الدولة على المدى البعيد.

وبين المشروعين مساحة واسعة للحوار والتوافق.

خاتمة

لا يبدو أن مستقبل سوريا سيتحدد فقط بإنهاء الصراعات العسكرية أو بإعادة الإعمار، بل سيتحدد أيضاً بالإجابة عن سؤال أكثر عمقاً:

هل تستطيع الدولة السورية أن تنتقل من مفهوم الأكثرية والأقلية إلى مفهوم الشراكة الوطنية؟

إن الاعتراف الدستوري بالمكونات القومية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تهديداً لوحدة البلاد، وإنما باعتباره عقداً وطنياً جديداً يؤسس لدولة يشعر جميع أبنائها بأنهم شركاء في الوطن لا مجرد رعايا فيه.

فالكردي الذي يرى لغته وثقافته وهويته معترفاً بها في الدستور، سيكون أكثر تمسكاً بسوريته، تماماً كما يتمسك العربي والسرياني والآشوري والتركماني والدروز بوطن يتسع للجميع.

وربما تكون هذه هي المعادلة التي ستحدد شكل سوريا خلال العقود القادمة: دولة تقوم على وحدة الأرض، ووحدة السيادة، مع الاعتراف بتعدد القوميات والهويات التي صنعت تاريخها.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *