أخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةقسم التاريخمقالات

رحلة الإنسان الأولى في وجه العصر الجليدي من زاغروس الى امانوس



الكاتب: حسين قاسم (بيوراسب)

منطقة ميزوبوتاميا لم تكن مجرد مهدٍ للحضارات المعروفة لاحقًا، بل كانت مسرحًا لأقدم التجمعات البشرية التي خرجت من نطاق جبال زاغروس قبل نحو ثلاثة عشر ألف عام، في مرحلة حرجة من تاريخ المناخ عُرفت بامتداد العصر الجليدي الأخير. في تلك الفترة، حين كانت البراري مغطاة بالثلوج والبرد ينهش الحياة، تحركت مجموعات بشرية من سفوح زاغروس نحو سلسلة جبال أمانوس، باحثة عن الدفء والملاذ، فدخلت شبكات الأنفاق الطبيعية والكهوف العميقة التي تحولت لاحقًا إلى مدن تحت الأرض. هذه المدن، التي كشفت عنها التنقيبات الحديثة في مناطق مثل ديرنكوي وقونية وأنقرة، لم تكن مجرد ملاجئ مؤقتة، بل منظومات عمرانية كاملة تتسع لعشرات الآلاف من البشر، وتضم مخازن وممرات وتهوية ومناطق للعيش والعمل، ما يشير إلى مستوى متقدم من التنظيم الاجتماعي في تلك الحقبة المبكرة.

تُظهر الاكتشافات أن هذه المجموعات البشرية كانت من أوائل الشعوب التي استقرت في نطاق ميزوبوتاميا العليا، وانتشرت تدريجيًا من زاغروس إلى أمانوس، مستفيدة من الممرات الطبيعية بين الجبال والسهول. وقد أطلقت الدراسات الأثرية على بعض هذه الجماعات تسميات مثل قوم سو وتي، وهي مجموعات يُعتقد أنها لعبت دورًا في تشكيل البنية الأولى للمجتمعات الزراعية والرعوية التي ظهرت لاحقًا في شمال الهلال الخصيب. هذه الشعوب كانت تتعامل مع الطبيعة بذكاء؛ فحين اشتد العصر الجليدي لسبعة أعوام متواصلة، لم تبحث عن الهجرة البعيدة، بل عن حلول داخل البيئة نفسها، فأنشأت ممالك تحت الأرض، مدنًا كاملة تحميها من البرد وتوفر لها الاستقرار.

إن انتشار هذه الجماعات من زاغروس نحو أمانوس يعكس حركة بشرية مبكرة سبقت ظهور الحضارات الكبرى بآلاف السنين، وأسست لوجود بشري متواصل في هذه المنطقة التي ستصبح لاحقًا مركزًا للحضارات السومرية والحورية والميتانية وغيرها. ومع أن هذه الشعوب لا تُعرف اليوم بأسماء واضحة، إلا أن آثارها العمرانية في الأنفاق والمدن الجوفية، وبقايا أدواتها الحجرية، تؤكد أنها كانت من أوائل من سكن هذه الجغرافيا، وأنها تركت بصمتها في مسار تطور الإنسان في الشرق الأدنى.

إن الحديث عن هذه المجموعات ليس حديثًا عن هوية قومية حديثة، بل عن جذور بشرية قديمة ساهمت في تشكيل تاريخ المنطقة. فالمسار الذي يبدأ من زاغروس ويمتد إلى أمانوس هو مسار بشري أصيل، يعكس قدرة الإنسان على التكيف والابتكار في مواجهة أقسى الظروف المناخية. وما تكشفه التنقيبات اليوم يعيد رسم صورة جديدة لبدايات الاستقرار البشري في ميزوبوتاميا، ويُظهر أن هذه المنطقة كانت مأهولة ومنظمة قبل ظهور الكتابة والحضارة بآلاف السنين، وأن سكانها الأوائل كانوا جزءًا من حركة بشرية واسعة امتدت عبر الجبال والسهول، وأسست لوجود إنساني مستمر حتى يومنا هذا.
_______________
المصادر:

  1. Smithsonian Magazine – The Underground Cities of Cappadocia (2023).
  2. National Geographic – Life Beneath the Earth: Ancient Subterranean Civilizations (2022).
  3. Cambridge University Press – Prehistoric Societies of the Zagros Mountains (2019).
  4. Archaeology Magazine – Derinkuyu: The City Beneath the Mountain (2021).
  5. Journal of Near Eastern Archaeology – Early Human Settlement Patterns in Upper Mesopotamia (2020).
  6. Turkish Ministry of Culture and Tourism Reports (2018–2024).

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

One thought on “رحلة الإنسان الأولى في وجه العصر الجليدي من زاغروس الى امانوس

  • جانو

    طرح مميز ومدعوم بالمصادر، ويستحق القراءة. تاريخ ميزوبوتاميا ما زال يكشف لنا الكثير من الأسرار، وكل اكتشاف أثري جديد يضيف بعدًا أعمق لفهم بدايات الحضارة والوجود البشري في المنطقة

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *