الرئيسيةاللغة الكورديةثقافة وفنقسم التاريخمقالات

الحروف الكوردية في مخطوط ابن وحشية: شهادة من أعماق التاريخ

مهما جلبنا من آثارات ومن براهين الكل يرفض الحقيقة المرة التي غابت عنهم ولكن دعونا نغوص في أعماق التاريخ ونجلب الأحرف الكوردية التي كانت تستخدم

في القرن اسادس والسابع والثامن ميلادي

بقلم الباحث والمؤرخ أمير أبو حديد

حين أتأمل هذه الحروف التي أوردها ابن وحشية تحت اسم الحروف الكوردية، فإنني لا أنظر إلى أشكال صامتة مرسومة على الورق، بل أرى أثرًا من آثار الذاكرة الكوردستانية التي حاولت قرون النسيان والإنكار أن تطمسها. إن الحرف ليس خطًا جامدًا؛ إنه صوت الإنسان حين ينتصر على الفناء، وذاكرة الأمة حين ترفض أن تُدفن مع أصحابها.

يُنسب كتاب «شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام» إلى العالم أبي بكر أحمد بن علي المعروف بابن وحشية النبطي، المتوفى نحو سنة ٣١٨هـ/٩٣٠–٩٣١م. ويَرِد في النسخ والروايات المتداولة تاريخ ٢٤١هـ، الموافق ٨٥٥–٨٥٦م، بوصفه تاريخًا مرتبطًا بتأليف الكتاب أو تدوينه. غير أن الأمانة العلمية تفرض التنبيه إلى أن تاريخ النص ونسبة جميع أجزائه إلى ابن وحشية ما زالا موضع نقاش بين الباحثين.

ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأساسية شديدة الأهمية: يصف مرجع أكاديمي حديث في تاريخ كامبريدج للكورد ما ورد عند ابن وحشية بأنه أقدم إشارة معروفة إلى وجود كتابة كوردية في مصدر من العصور الوسطى. وهذه ليست عبارة عاطفية صادرة عن قومي كوردي، بل ملاحظة واردة في دراسة أكاديمية حديثة عن تاريخ اللغة الكوردية وآدابها. The Cambridge History of the Kurds

ماذا قال ابن وحشية؟

لم يكتف ابن وحشية بذكر الكورد عرضًا، بل نسب إليهم قلمًا خاصًا، وعرض مجموعة من رموزه مقرونة بما يقابلها من الحروف العربية. كما نُقل عنه أنه شاهد كتبًا مكتوبة بهذا القلم، وأن علماء من الكورد دوّنوا به معارفهم في الزراعة والمياه والنباتات.

إن قيمة هذه الشهادة لا تكمن في شكل الحروف وحده، بل في اقتران ثلاثة عناصر داخل نص واحد:

١. تسمية القلم بأنه كوردي.
٢. عرض عدد من رموزه وأصواته.
٣. الحديث عن كتب ومعارف كُتبت به.

ولهذا لا يجوز اختزال النص في صورة متداولة على وسائل التواصل، بل يجب التعامل معه بوصفه شاهدًا مخطوطًا يحتاج إلى التحقيق والمقارنة مع النسخ المختلفة من الكتاب.

بين الحروف الكوردية والبهلوية والفهلوية والأفستية

عند مقارنة الأشكال المنسوبة إلى القلم الكوردي بالحروف الإيرانية القديمة والوسطى، تظهر ملامح بصرية تستحق الدراسة، ولا سيما مع الخطوط البهلوية والأشكال الكتابية المرتبطة بالتراث الفهلوي، وكذلك بعض رموز الأبجدية الأفستية.

لا يعني التشابه البصري وحده أن أحد الخطوط منسوخ مباشرة من الآخر؛ فإثبات النسب بين أنظمة الكتابة يتطلب مقارنة دقيقة لاتجاه الكتابة، وترتيب الحروف، والقيم الصوتية، وطرق اتصال الرموز، وتاريخ أقدم الشواهد. لكنه يسمح بطرح سؤال علمي مشروع: هل ينتمي هذا القلم إلى بيئة كتابية إيرانية أوسع تطورت فيها أشكال محلية متعددة؟

البهلوية نظام كتابي استُعمل في تدوين لغات إيرانية وسطى، وأصول حروفه البعيدة متصلة بالآرامية. أما الخط الأفستي، فقد صُمم في بيئة دينية إيرانية اعتمادًا على الخط البهلوي مع توسيعه ليصبح أكثر قدرة على تسجيل الأصوات الدقيقة للنصوص المقدسة. وهذا يفسر إمكان ظهور تشابهات شكلية بين بعض رموز هذه الأنظمة. Encyclopaedia Iranica

أما مصطلح الفهلوية، فينبغي استعماله بدقة؛ فهو لا يدل دائمًا على أبجدية مستقلة واحدة، بل قد يشير في المصادر الإسلامية إلى لهجات وآداب إيرانية محلية ارتبطت بأقاليم ميديا والجبال و«فهلة». ومن هنا تكتسب المقارنة أهمية خاصة؛ لأن كوردستان التاريخية كانت جزءًا أساسيًا من ذلك المجال الجغرافي واللغوي الإيراني الغربي.

إن القرب المفترض بين الحروف الكوردية المعروضة عند ابن وحشية وبين البهلوية والفهلوية والأفستية لا ينبغي تقديمه كشعار نهائي، بل بوصفه فرضية خطية وتاريخية جديرة بدراسة مستقلة. قوة القضية الكوردية لا تحتاج إلى اختلاق اليقين؛ فالوثيقة الحقيقية أقوى من مئة مبالغة.

لماذا تثير هذه الحروف كل هذا الانزعاج؟

لأن الاعتراف بإمكان وجود تقليد كتابي كوردي قديم يهدم الصورة التي صوّرت الكورد قرونًا طويلة على أنهم مجرد جماعات جبلية بلا كتابة ولا معرفة ولا ذاكرة مدونة. لقد كُتب تاريخ المنطقة غالبًا بأقلام الدول المنتصرة، ثم جرى التعامل مع غياب ما وصل إلينا من مخطوطات كوردية قديمة وكأنه دليل على غياب الكورد أنفسهم.

لكن ضياع الكتب لا يعني أنها لم توجد. لقد أُحرقت خزائن، وتبدلت الأديان والدول، وهُجرت المدن، واستُبدلت أنظمة كتابة بأخرى. واللغة الكوردية نفسها كُتبت في العصور اللاحقة بأكثر من أبجدية، مما يدل على أن تغيير القلم لا يعني موت اللغة أو انقطاع أهلها.

إن شهادة ابن وحشية لا تحل وحدها جميع ألغاز تاريخ الكتابة الكوردية، لكنها تمنعنا من إغلاق باب البحث. فهي تقول إن مؤلفًا من العصور الوسطى عرف شيئًا سماه صراحة قلمًا كورديًا، وربطه بالكتب والمعرفة. وعلى من يريد إسقاط هذه الشهادة ألا يكتفي بالسخرية أو الإنكار، بل عليه دراسة المخطوط، وطبقاته، وتاريخ نسخه، وأشكال حروفه، ومقارنتها بالأنظمة الكتابية المعاصرة له والسابقة عليه.

ليست أحرفًا ميتة بل قضية تنتظر التحقيق

أنا لا أقدّم هذه الرموز بوصفها أثرًا حُسمت جميع تفاصيله، ولا أطالب القارئ بأن يستبدل البحث بالإيمان العاطفي. إنني أقول شيئًا أبسط وأقوى: أمامنا وثيقة تنسب إلى الكورد قلمًا خاصًا، فلا يجوز دفنها لأنها لا تنسجم مع الروايات التي اعتادت إقصاء الكورد من التاريخ المكتوب.

المطلوب اليوم هو جمع نسخ «شوق المستهام»، وتحديد أقدمها، وفحص الاختلافات بين رسوم الحروف، ثم مقارنتها علميًا بالبهلوية والأفستية وغيرها من خطوط المنطقة. كما ينبغي البحث عن الأسماء والكتب التي ذكرها النص في فهارس المخطوطات العربية والفارسية والكوردية والأرمنية والسريانية.

هذه الحروف ليست نهاية البحث، بل بدايته.

إنني كوردي، وأعتز بتاريخ أمتي، ولكن اعتزازي لا يحتاج إلى إهانة أمة أخرى. أرفع صوتي لأن تاريخ الكورد تعرض للتهميش، وأتمسك بالوثيقة لأن الحقيقة لا تُستعاد بالصراخ وحده. لسنا شعبًا وُلد على هوامش كتب الآخرين؛ نحن أبناء أرض عميقة الجذور، وما بقي من آثارنا ليس إلا أجزاء نجت من مكتبة كبيرة بعثرتها الحروب والسياسات وتقلبات الزمن.

ستظل الحروف التي سجلها ابن وحشية شاهدًا يطرق باب التاريخ، وسنظل نسأل: أين ذهبت الكتب التي قيل إنها كُتبت بها؟ ومن قرأها؟ وأي معارف كانت تحملها؟

قد تتأخر الإجابة، لكن السؤال نفسه لم يعد من الممكن دفنه.

أسد كوردستان
الباحث والمؤرخ الكوردي الكوردستاني أمير أبو حديد

أمير أبو حديد

أنا أمير أبو حديد، من غرب كوردستان، روج آفا – كوردستان سوريا، من قرية الزهرية، من بيت رفو. ولدت عام 1965، وترعرعت في مدينة حلب، حيث أمضيت سنوات طفولتي وشبابي وتلقيت تعليمي حتى حصولي على الشهادة الثانوية. منذ سنواتي الأولى كان التاريخ بالنسبة إليّ أكثر من مجرد حوادث وأسماء وتواريخ؛ كان سؤالًا دائمًا عن الإنسان والأرض والهوية والحقيقة. وهذا الشغف هو الذي قادني لاحقًا إلى رحلة طويلة في الدراسة والبحث لم تتوقف حتى اليوم. بعد إنهائي المرحلة الثانوية انتقلت إلى دمشق والتحقت بكلية الآداب، قسم الفلسفة. وبعد السنة الأولى انتقلت إلى كلية التربية لدراسة علم النفس. وقد أتاحت لي هاتان التجربتان الاقتراب من الإنسان من زاويتين مختلفتين: الفكر والنفس، وهو ما ترك أثرًا في الطريقة التي أصبحت أقرأ بها التاريخ فيما بعد. ثم انتقلت إلى بيروت للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت، كلية الآداب والعلوم، قسم التاريخ. وهناك درست موضوعات شملت تاريخ الشرق الأوسط، وتاريخ بلاد الشام، والدراسات العثمانية وآثار الشرق القديم. وكانت بيروت بالنسبة إليّ أكثر من مرحلة جامعية؛ ففي أثناء وجودي فيها بدأت، باجتهاد شخصي، دراسة الأديان السماوية الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام، والبحث في نصوصها وتاريخها والعلاقات التي نشأت بينها وبين مجتمعات الشرق الأدنى. وبسبب الحرب الأهلية اللبنانية انتقلت إلى هولندا، حيث واصلت مسيرتي الدراسية والمعرفية، وأقيم فيها منذ نحو ثمانية وثلاثين عامًا. أكثر من ثلاثين عامًا في البحث لم تتوقف علاقتي بالتاريخ بانتهاء الدراسة الجامعية، بل بدأت بعدها بالنسبة إليّ المرحلة الأهم. فعلى مدى أكثر من ثلاثين عامًا واصلت البحث والتدقيق والمقارنة والتفتيش عن الحقيقة التاريخية، وخصوصًا في تاريخ الشرق الأدنى القديم، وشعوب بلاد الرافدين وزاغروس، والحوريين والكورد، وتاريخ الأديان والهويات والقوميات التي تشكلت في المنطقة. وأحرص على متابعة ما يصدر حديثًا من أبحاث ودراسات، ولي اتصالات ومراسلات مع جامعات في هولندا بهدف الاطلاع على المستجدات في علم الآثار والدراسات التاريخية والبحوث المتعلقة بالشرق القديم. وقد تعلمت خلال هذه الرحلة الطويلة مبدأً أعدّه أساسًا في عملي: التاريخ ليس نصًا مقدسًا لا يجوز الاقتراب منه. فالعلم يتقدم باستمرار، والتنقيبات الأثرية تكشف مواقع جديدة، والنقوش والمسماريات يعاد فحصها وقراءتها، ونظريات كانت مقبولة لعشرات السنين قد تتغير عندما يظهر دليل جديد. وقد أثبت تطور علم الآثار والدراسات المسمارية أن بعض القراءات والتفسيرات القديمة تحتاج إلى التصحيح أو إعادة النظر. ولهذا لا أتعامل مع رأي مؤرخ أو عالم، مهما كان اسمه، باعتباره نهاية البحث، وإنما أسأل دائمًا: ما الدليل؟ وما المصدر؟ وهل ما زال هذا التفسير قائمًا أمام المكتشفات والدراسات الحديثة؟ مؤلفاتي وأبحاثي وصل عدد كتبي المنشورة على موقع مكتبة نور العربية إلى 27 كتابًا، تناولت فيها موضوعات تاريخية وفكرية متعددة، مع اهتمام خاص بتاريخ الشعب الكوردي وحضارات الشرق الأدنى القديم. ومن بين مؤلفاتي: «تاريخ الكورد بالمختصر المفيد»، الذي حاولت من خلاله تقديم تاريخ الشعب الكوردي وجذوره ومسيرته التاريخية بصورة واضحة ومركزة. وكتاب «البارزاني: من عشيرة جبلية إلى قوة سياسية في كوردستان»، الذي أتناول فيه التحولات التاريخية والسياسية التي رافقت صعود الحركة البارزانية ومكانتها في التاريخ الكوردي الحديث. وكذلك كتاب «من زاغروس الساسانية إلى شنكال: تاريخ العنف والمجازر والتهجير ضد الشعب الكوردي من 636م إلى الوقت الحاضر»، وهو محاولة لتوثيق مسار طويل من الحروب والمجازر والتهجير والتحولات التي تعرض لها الشعب الكوردي عبر مراحل تاريخية مختلفة. كما كنت من أوائل من تناولوا بالنقد ما يسمى «حضارة تارتاريا»، وخصصت لها دراسة هدفت إلى تفكيك الادعاءات المنتشرة حول وجود إمبراطورية تارتارية عالمية مخفية، ومقارنتها بالخرائط والوثائق والشواهد التاريخية. ولي كذلك كتاب أتناول فيه الحضارة الإغريقية وصلاتها بحضارات الشرق القديم، وأبحث بصورة خاصة في أوجه التشابه والتأثير التي أراها بين بعض الموروثات الإغريقية والعالم الحوري، ولا سيما في مجال الآلهة والأساطير والمعتقدات. الحوريون والكورد وإعادة قراءة تاريخ الشرق القديم يشكل البحث في الحضارة الحورية واحدًا من أهم محاور مشروعي الفكري والتاريخي. ومن خلال سنوات طويلة من المقارنة بين الجغرافيا والأسماء القديمة والنقوش والمواقع الأثرية وحركة الشعوب، طورت أطروحتي الخاصة حول العلاقة التاريخية بين الحوريين والكورد، وأعمل على إعادة قراءة تاريخ المناطق الممتدة من جبال زاغروس إلى شمال بلاد الرافدين والجزيرة السورية والأناضول ضمن هذا الإطار. كما طرحت قراءتي الخاصة لمسألة الأموريين، وحاولت من خلالها إعادة النظر في هويتهم وأصولهم وعلاقتهم بالشعوب والجغرافيا المحيطة بهم. وعملت كذلك على تحديد ما أراه الجغرافيا التاريخية لكوردستان الكبرى، من خلال مقارنة الخرائط التاريخية وأسماء المناطق والجبال والأنهار والمدن والمصادر القديمة والحديثة. ومن أبحاثي التي أعتز بها أيضًا دراسة أكاديمية خصصتها لمسألة أصول السومريين. وفيها أطرح أطروحتي بأن البحث عن جذورهم ينبغي أن يتجه نحو المجال الحوري والزاغروسي والكوردي القديم، وأقدم الأدلة والمقارنات التي بنيت عليها هذا الاستنتاج، مع مناقشة النظريات الأخرى المتعلقة بأصل السومريين. وأؤكد عندما أطرح مثل هذه الآراء أنني أقدم نتائج بحثي وأطروحاتي الشخصية؛ فالقول إنني أول من فك «شفرة الأموريين»، أو أول من ربط الكورد بجذور حورية، أو أنني أثبت الأصل الحوري-الكوردي للسومريين، هو ما أتوصل إليه وأدافع عنه في أبحاثي، وأضع أدلتي أمام القارئ والباحث للنقاش والنقد والمقارنة. لماذا أبحث في التاريخ؟ بعد هذه السنوات الطويلة أصبحت أكثر اقتناعًا بأن وظيفة الباحث ليست الدفاع عن الرواية التي ورثها، وإنما اختبارها. أنا لا أبحث لكي أكرر ما كتبه الآخرون، ولا أعتقد أن قدم النظرية يجعلها صحيحة بالضرورة. أبحث في النقوش، والآثار، والجغرافيا، واللغات، والخرائط والمصادر، وأقارن بينها قدر استطاعتي، لأنني أؤمن بأن اكتشافًا أثريًا واحدًا أو قراءة صحيحة لنقش قديم قد يجبرنا أحيانًا على إعادة النظر في صفحات كاملة من التاريخ. قد يتفق القارئ معي، وقد يختلف، وهذا حقه. ما أطلبه هو أن يكون الدليل هو الحكم. رحلتي التي بدأت من قرية الزهرية، ومرت بحلب ودمشق وبيروت، واستقرت بي في هولندا، تحولت عبر العقود إلى رحلة بحث عن شيء واحد: الحقيقة التاريخية كما أستطيع الوصول إليها، لا كما يراد لي أن أراها. وما زلت أقرأ وأبحث وأراجع وأصحح؛ لأنني أؤمن أن الباحث الحقيقي لا يصل إلى يوم يقول فيه إنه عرف كل شيء، بل يبقى مستعدًا لأن يعيد النظر في رأيه عندما يظهر أمامه دليل أقوى. أنا الباحث والمؤرخ أمير أبو حديد باحث في التاريخ والفكر، ومؤرخ وكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *