حين تُعلن الحرب على المدنيين ويصمت العالم


.
الكاتب: بيوراسب دارا
تشهد أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب مرحلة قاسية تتصاعد فيها الضغوط على المدنيين بشكل يومي. فالحصار المفروض منذ سنوات يشتد، والقصف يتكرر، والمواد الأساسية تُمنع من الدخول، ما يجعل حياة السكان في حالة اختناق دائم. الإعلان الرسمي عن عمليات عسكرية في هذه المناطق أثار استهجاناً واسعاً، لأن المستهدفين في النهاية هم الأطفال والنساء والعمال الذين لا يملكون سوى محاولة البقاء على قيد الحياة وسط ظروف لا يمكن وصفها إلا بأنها عقاب جماعي.

هذا التصعيد لا يمكن النظر إليه بمعزل عن المشهد الإقليمي. فكلما ظهرت بوادر تقارب بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية، تتحرك الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا لقصف الأحياء الكوردية في حلب. الأمر يبدو وكأنه محاولة واضحة لإفشال أي خطوة نحو التفاهم، وإبقاء الكورد تحت ضغط مستمر. هذا النمط تكرر مرات عديدة، ما يجعل ما يجري اليوم امتداداً لسياسة تهدف إلى منع أي استقرار في المناطق ذات الغالبية الكوردية.

ورغم وضوح الانتهاكات، يظل الصمت الدولي حاضراً بقوة. لا مواقف حاسمة، ولا تحركات جدية، ولا حتى بيانات تليق بحجم المعاناة. هذا الصمت يترك انطباعاً بأن حياة المدني الكوردي ليست ضمن أولويات المجتمع الدولي، وأن ما يجري يمكن تجاهله مهما بلغ حجم الألم.

في الداخل الكوردي، تتزايد الدعوات إلى إعادة النظر في المسار السياسي. التجارب السابقة أثبتت أن الاعتماد على تفاهمات مؤقتة لا يوفر الحماية، وأن انتظار حلول خارجية لا يضمن الحقوق. لذلك ترتفع الأصوات المطالبة بالعمل الجاد من أجل حق تقرير المصير، وبناء مشروع سياسي واضح يضمن للكورد مستقبلاً مستقلاً أو حكماً ذاتياً كاملاً ينسجم مع تطلعاتهم.

وفي ظل التهديدات التي تتعرض لها المناطق الكوردية من الفصائل المتشددة المدعومة من تركيا، تتجه الأنظار نحو القوى الدولية القادرة على لعب دور مؤثر. هناك من يرى أن إسرائيل، التي تعلن عداءها للتنظيمات المتطرفة، يمكن أن تكون طرفاً داعماً للكورد في مواجهة الجماعات التي تهدد وجودهم. هذا الطرح يأتي من منطلق البحث عن حلفاء قادرين على مواجهة الإرهاب، وليس من باب خلق صراع جديد.

أما تركيا، فتسعى بشكل واضح إلى تفكيك القوات الكوردية. فهي تدرك أن هذه القوات أصبحت قوة منظمة لها حضور سياسي وعسكري، وتمثل نموذجاً لإدارة محلية مستقرة. هذا الواقع يتعارض مع أهداف أنقرة التي تعمل على منع أي كيان كوردي مستقر قرب حدودها، وتسعى إلى إبقاء روج آفا منطقة نفوذ تتحكم بها عبر الفصائل المسلحة.

في النهاية، تبقى الشيخ مقصود والأشرفية مثالاً صارخاً على معاناة المدنيين الكورد في سوريا. الأحياء المحاصرة والقصف المتكرر والصمت الدولي كلها عناصر تكشف حجم التحديات التي يواجهها هذا الشعب. ومع كل يوم يمر، تتأكد الحاجة إلى مشروع سياسي واضح، وتحالفات دولية تحمي المدنيين من أن يتحولوا إلى ضحايا دائمة لصراعات الآخرين.