أخبار الميتانأخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةمقالات

حين تتحوّل الحقيقة إلى صدمة، والجهل إلى موقف


الكاتب: حسين قاسم “بيوراسب”

على مدى قرون، واجه الشعب الكوردي ظاهرة متكررة: استهزاء دائم، إنكار متواصل، ودهشة مفاجئة كلما ظهرت حقيقة تاريخية أو علمية تتعلق به. وكأن الكوردي محكوم بأن يُرى من خلال الصور التي رسمها الآخرون عنه، لا من خلال تاريخه العميق الممتد في ميزوبوتاميا.

فما إن يطّلع البعض على تاريخهم الشخصي حتى يُصدموا بأن الكورد كانوا جزءًا من المشهد الحضاري القديم. وما إن يسمعوا باسم عالم كوردي أو قائد كوردي أو مساهمة كورديّة في العلوم والسياسة، حتى يتفاجأوا وكأن الأمر غير ممكن. وحين تؤكد الدراسات الحديثة أن جذور ميزوبوتاميا تمتدّ إلى شعوب هورية وميدية وكاردوخية، وأن الكورد هم الامتداد الحيّ لهذه الجذور، يبادر كثيرون إلى النفي الفوري، لا لأن الحقيقة ضعيفة، بل لأن وعيهم مبني على روايات قومية حديثة لا تحتمل الاعتراف بوجود شعب قديم ومستمر.

وتبلغ المفارقة ذروتها حين يطالب الكوردي بحقه الطبيعي في تقرير مصيره. هنا تتساقط كل الشعارات:
لا الأخوّة الإسلامية تنفع،
ولا الأممية الشيوعية تصمد،
ولا الخطابات القومية تتسع.
فجأة يصبح الكوردي “خطرًا”، ويبدأ البعض بإعادة ترتيب عدّته الفكرية والسياسية لمواجهته، وكأن مجرد مطالبة شعب بحقه تهديدٌ لوجود الآخرين.

هذه الظاهرة ليست موقفًا سياسيًا فقط، بل حالة نفسية–اجتماعية لها جذور واضحة:
الاعتراف بتاريخ الكورد يعني الاعتراف بأن المنطقة ليست ملكًا لرواية واحدة،
والاعتراف بحقوقهم يعني الاعتراف بوجود قضية سياسية حقيقية،
وقبول دورهم في ميزوبوتاميا يعني إعادة كتابة التاريخ بعيدًا عن الأساطير القومية الحديثة.

لكن وسط كل هذا، هناك حقيقة لا ينتبه لها كثيرون:
الكوردي ليس مهتمًا بأن يثبت ذلك كله، لأنه مطمئن من النتيجة.
مطمئن لأن تاريخه لا يحتاج إلى إذن،
ولأن جذوره لا تنتظر اعترافًا،
ولأن وجوده لا يقوم على رأي الآخرين بل على امتدادٍ حضاريٍّ حيّ.

ومع ذلك، يبقى السؤال: ما العلاج؟

العلاج ليس في الصدام، ولا في الردّ على الاستهزاء باستهزاء، ولا في الانفعال الذي يريح الخصم ولا يخدم القضية.
العلاج الحقيقي يقوم على ثلاث ركائز مكثّفة:

الوعي:
أن يتحوّل الكوردي من متلقٍ للخطاب إلى صانع معرفة، يقدم تاريخه موثّقًا بلا مبالغة ولا ادعاء.

الخطاب:
أن يكون الردّ على السخرية هادئًا، واثقًا، مبنيًا على المعرفة لا على الغضب، يحوّل الهجوم إلى فرصة كشف.

التنظيم:
أن يتوحّد الجهد الثقافي والإعلامي بدل التشتت، وأن تُبنى مؤسسات تقدّم الرواية الكوردية كما هي.

بهذه الركائز، يتحوّل الكوردي من موقع الدفاع إلى موقع الفعل، ومن ردّ الفعل إلى مشروع وعي، ومن شعب يُساء فهمه إلى شعب يفرض حضوره بالمعرفة لا بالصدام.

العلاج إذًا ليس في تغيير الآخرين، بل في تغيير طريقة تقديم الذات.
وحين يعرف الكوردي من هو، ويعرف ماذا يريد، ويعرف كيف يعبّر عن ذلك، يصبح الاستهزاء مجرد ضوضاء لا قيمة لها أمام حقيقة شعبٍ عميق الجذور، ثابت الحضور، واضح المستقبل.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *