الرئيسيةمقالات

زلزال المنطقة المرتقب: ماذا وراء زوايا اللقاءات السرية في أربيل وتحركات الحسكة؟

بقلم : مروان فلو

مقدمة: العاصفة التي تسبق إعادة التشكيل
لم تكن زيارة الجنرال مظلوم عبدي الأخيرة إلى أربيل ولقاءاته بالقيادات الكردية، وفي مقدمتهم رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني والرئيس مسعود بارزاني، مجرد زيارة بروتوكولية أو تحركاً دبلوماسياً عابراً. إن قراءة التحركات الميدانية المتزامنة — بدءاً من العمليات الأمنية الخاطفة لقوات مكافحة الإرهاب (HAT) في الحسكة للسيطرة على ثغرات سجون داعش، وصولاً إلى الضربات الجوية الاستباقية في صحراء الأنبار العراقية — تؤكد أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة إعادة ترتيب جيوسياسية شاملة تُدار خطوطها الكبرى بتنسيق عالي المستوى مع التحالف الدولي.
أولاً: بعث “داعش” الاستباقي.. تحذيرات القيادة وحدود الفراغ
جاءت التطورات الأخيرة في الحسكة والأنبار لتثبت صحة التحذيرات الاستراتيجية التي طالما أطلقها الرئيس مسعود بارزاني وقادة الإدارة الذاتية بشأن خطورة استغلال تنظيم “داعش” للفراغات الأمنية. إن محاولات التنظيم المتكررة لاختراق تحصينات الحسكة أو إعادة التجمع في صحراء الأنبار ليست أحداثاً منفصلة، بل هي استغلال لإنشغال القوى الإقليمية بالتوترات الكبرى.
وقد جاء التحرك الميداني السريع بقوة مشتركة وتغطية استخباراتية من التحالف ليؤكد أن بغداد وأربيل والقامشلي باتت تتعامل مع الملف الأمني بوصفه وحدة واحدة لا تتجزأ، استباقاً لأي سيناريو قد ينجم عن تقليص أو إعادة تموضع التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة.
ثانياً: شطرنج واشنطن وتل أبيب.. تأمين الجبهة الخلفية لضرب إيران
لا يمكن فصل هذا التنسيق الأمني والسياسي المحموم عن المشهد الإقليمي الأكثر سخونة: التجهيزات والرسائل المتصاعدة بين واشنطن وتل أبيب للقيام بضربات استراتيجية تتصاعد ضد الداخل الإيراني وبنيته الحاكمة.
في العرف العسكري والاستراتيجي، لا يمكن فتح جبهة مواجهة مع رأس “محور المقاومة” دون تأمين الجبهة الخلفية في العراق وسوريا. ومن هنا، يأتي ضغط واشنطن وحلفائها لـ “تطهير المسرح” من أي إرباك قد تسببه الخلايا الإرهابية، ولضمان استقرار شريط الحدود الممتد بين غرب العراق وشمال شرق سوريا، ليكون خط دفاع صلباً يمنع انفجار الفوضى في حال اندلاع الصدام المباشر مع طهران.
ثالثاً: ترتيب “روژهەلات” ووحدة الصف الكردي.. الفرصة التاريخية والمخاطر
ضمن هذه المعادلة المعقدة، تكتسب وساطة نيجيرفان بارزاني وحراك أربيل بعداً حيوياً آخر يتعلق بالبيت الكردي في إيران (روژهەلات). إن استشراف التغيير الحتمي داخل إيران يفرض تنظيم أحزاب وقوى شرق كردستان وإعدادها لتلعب دوراً موزوناً وعقلانياً في رسم مستقبل المنطقة، دون أن تُستغل كـ “ورقة تكتيكية مؤقتة” في صراعات الدول الكبرى.
وهنا يبرز تصريح رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، الذي شدد فيه على أنه لا يمكن الخروج بمكتسبات تاريخية دون “وحدة الصف الكردي”. إن إدراك القيادات الكردية في أربيل والسليمانية والحسكة لحجم اللحظة التاريخية يفرض إنهاء الانقسامات الحزبية، وتشكيل جبهة متماسكة قادرة على ملء الفراغ، وحماية المكتسبات القومية والإدارية، وتقديم الكرد كشريك استراتيجي صلب في صناعة الاستقرار الإقليمي.
خاتمة: رسم الخارطة بمهارة اللاعبين لا بالأوراق
إن ما يشهده الإقليم اليوم هو السباق الأخير مع الزمن؛ فاللقاءات الدبلوماسية في أربيل، والضربات العسكرية في الحسكة والأنبار، والتحركات الاستباقية لتنظيم أوراق كردستان إيران، كلها أحجار شطرنج تُحرك على رقعة واحدة. إن النجاح في صياغة موقف كردي موحد ومدعوم بتنسيق أمني دولي وإقليمي هو الضمانة الوحيدة لمنع نيران الصدام المقبل من التهام المنطقة، وتحويل لحظات الخطر إلى فرصة لتثبيت أركان الاستقرار والاعتراف السياسي العادل لجميع مكونات المنطقة.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *