تاريخ “الزط” (الجُت): من السند إلى أهوار العراق وثغور أوروبا
تُشكل حكاية “الزط” (المعروفين في المصادر الهندية القديمة بـ Jats) واحدة من أكثر المحطات الأنثروبولوجية والسياسية إثارة في تاريخ الشرق الأوسط. لم يكونوا مجرد عشائر عابرة، بل مجموعات هندية أصلية أسهمت هجراتها القسرية والطوعية في إعادة تشكيل الخارطة السكانية والسياسية للمنطقة عبر العصور.
1. الظهور التاريخي والأصول (استقلال تام عن الشعوب الزاغروسية)
تُجمع المصادر الأركيولوجية والدراسات الجينية الحديثة على أن الموطن الأصلي والوحيد للزط هو إقليم السند ومناطق المكران والبانجاب في شبه القارة الهندية.
- ظهور الاسم أثرياً ولغوياً: يعود اللفظ إلى أصله السنسكريتي القديم (Jartika) وتطوره البركريتي (Jaṭṭa). ويشير أقدم نقش أثري حجري موثق يحمل اسم (Jat) إلى الفترة الممتدة بين القرن السادس والقرن السابع الميلادي (نقش منطقة جيلجيت-بالتستان شمال باكستان). بينما ظهر اللفظ المعرّب «الزُّطّ» في المصادر والنصوص العربية لأول مرة خلال القرن الأول الهجري / السابع الميلادي مع بدايات الفتوحات الإسلامية للعراق والسند.
- الاستقلال الأنثروبولوجي عن سيكولوجيا وزاغروس: من الضروري علمياً الفصل التام بين الزط وبين شعوب وقبائل جبال زاغروس (كالليلو، الكاسيين، الأكراد، اللور، وغيرهم). فالزط لا يمتون لشعوب وجبال زاغروس بأي صلة، لا من قريب ولا من بعيد؛ لا من الناحية اللغوية (لغاتهم هندية أصلية مقابل اللغات الإيرانية/الزاغروسية)، ولا من الناحية الجينية (تحوراتهم الجينية هندية جنوب آسيوية طارئة على المنطقة)، ولا من حيث الموطن والجغرافيا التي قدموا منها.
- الاستقدام الساساني: بدأت أولى موجات انتقالهم نحو الغرب كعنصر أجنبي وافد في عهد الدولة الساسانية، ولا سيما في عهد الملك بهرام جور (420 – 438 م). استقدم الساسانيون أعداداً غفيرة من الزط وشجعوهم على الاستقرار في مكران، وكرمان، وجنوب العراق (الأهوار والأبلة) لاستغلالهم في حراسة الطرق الشائكة، والقتال، ورعي الجواميس.
2. عصر الفتوحات الإسلامية والدولة الأموية
مع دخول الجيوش الإسلامية إلى فارس والعراق في عهدي الخليفتين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان (رضي الله عنهما)، وجد المسلمون الزط مقاتلين في صفوف الجيش الساساني كعنصر مجنّد.
- الانضمام والتحالف: عقب معارك الأبلة والأهواز، أعلن الزط إسلامهم وانضموا كحلفاء (موالي) للقبائل العربية، وتحديداً قبيلة بني تميم، واستقر معظمهم في البصرة.
- سياسة التهجير الأموية:
- معاوية بن أبي سفيان: قام بنقل أعداد كبيرة من زط البصرة إلى الثغور البحرية في الشام (مثل سواحل أنطاكية وطرطوس) لتعمير تلك المناطق ومواجهة البيزنطيين.
- الحجاج بن يوسف الثقفي: عقب حملات محمد بن القاسم الثقفي في السند، جلب الحجاج أعداداً ضخمة جديدة من الزط من موطنهم الأصلي بالهند مع مواشيهم، وأسكنهم في بطائح العراق (أهوار البصرة وواسط) بهدف استصلاح الأراضي المائية.
3. ثورة الزط الكبرى في العصر العباسي (820 – 834 م)
استغل الزط الجغرافيا الوعرة لأهوار جنوب العراق وتكاثرهم الملحوظ، مما جعلهم يشكلون قوة عسكرية شبه مستقلة خارجة عن سلطة بغداد خلال عهدي المأمون والمعتصم العباسي.

4. التهجير النهائي ونشأة الغجر (الروماني)
بعد إخضاعهم، اتخذ المعتصم قراراً استراتيجياً بنقلهم بالكامل وتشتيت تكتلهم البشري في جنوب العراق:
- النقل إلى عين زربة: تم نقل زهاء 27 ألف شخص من الزط مع عوائلهم ومواشيهم إلى منطقة عين زربة (على الحدود الثغورية بين الشام والإمبراطورية البيزنطية).
- الأسر البيزنطي: في عام 855 م، شن البيزنطيون هجوماً كاسحاً على عين زربة، وأسروا معظم الزط الموجودين فيها، ونقلوهم إلى عمق الأراضي البيزنطية في الأناضول والبلقان.
- الارتباط بـ “الغجر”: يجمع أغلب علماء الأنثروبولوجيا والمؤرخين المعاصرين على أن حركة أسر ونقل الزط إلى بيزنطة تشكل اللبنة والأصل التاريخي الأساسي لنشأة شعوب الغجر (Romani/Gypsies) التي انتشرت لاحقاً في كافة أنحاء أوروبا.
خلاصة: ظهر الزط أثرياً وتاريخياً بين القرنين السادس والسابع الميلادي كمجتمعات هندية الأصل استُقدمت إلى المنطقة كعنصر وافد، وليس لهم أي ارتباط جيني، تاريخي، أو جغرافي بسكان جبال زاغروس أو الشعوب الزاغروسية القديمة والحديثة. وقد شكل مسار تحركهم امتداداً فريداً من أودية السند إلى أهوار العراق، وصولاً إلى الثغور الإسلامية وعمق القارة الأوروبي
