بين الوثيقة المسمارية والنص الديني: قراءة في تاريخ الرافدين وشعوبه
الكاتب: حسين قاسم ” بيوراسب”
شهدت منطقة الشرق الأدنى القديم (الرافدين وبلاد الشام) تعاقباً حضارياً وثقافياً ممتداً عبر آلاف السنين. وقد أدى التداخل بين الأدلة الأثرية المباشرة (الرُقُم المسمارية) وبين النصوص التاريخية والدينية المتأخرة (كأسفار التوراة) إلى نقاشات واسعة حول التسلسل الزمني ونشأة الأقوام والشعوب.
1. التسلسل الزمني لظهور الشعوب والممالك (حسب التنقيبات الأثرية)
تُظهر السجلات المسمارية المكتشفة في المواقع الآثارية حسماً علمياً بشأن أسبقية الظهور الحضاري في المنطقة:
- الآشوريون (الألفية الثالثة قبل الميلاد ~ 2500 ق.م): ظهر الأكاديون/الآشوريون كمكون سامي شرقي استوطن ضفاف دجلة الوسطى (أشور، نينوى، أربيل). واستمر وجودهم السياسي والحضاري عبر الإمبراطوريات الآشورية (القديمة، الوسيطة، والحديثة) حتى سقوط عاصمتهم نينوى عام 612 ق.م.
- العموريون والآراميون الأوائل – “قوم إبراهيم” (القرن 19–18 قبل الميلاد): خلال العصر البابلي القديم، استوطنت قبائل سامية شمالية غربية (العموريون) حوض الفرات الأعلى والشام. وتتطابق أسماؤهم ونمط حياتهم الرعوي مع السلالة الإبراهيمية المبكرة المذكورة في أرشيفات ماري وإبلا.
- الحوريون والدولة الميتانية (القرن 22 ق.م إلى القرن 14 ق.م): ظهر الشعب الحوري (ذو الأصول اللغوية غير السامية) في أعالي الفرات وجبال زاجروس منذ نهاية الألف الثالث ق.م، لكن دولتهم الكبرى (ميتاني) لم تتأسس كإمبراطورية إلا في القرن 16 قبل الميلاد (حوالي 1500 ق.م)، وخضعت لاحقاً للتوسع الآشوري.
- الكلدان (القرن 9 قبل الميلاد ~ 880 ق.م): أول ظهور صريح لاسم الكلدان (Kaldu) في النصوص المسمارية كان في حوليات الملوك الآشوريين (مثل آشور ناصر بال الثاني وشلمنصر الثالث). وهم قبائل سامية استقرت في أهوار جنوب العراق، واستطاعت لاحقاً تأسيس الإمبراطورية البابلية الحديثة (الكلدانية) عام 626 ق.م على يد نبوبولاسر ونبوخذ نصر الثاني.
- المؤابيون والعمونيون (القرن 13–12 قبل الميلاد): شكلت هذه القبائل السامية الشامية ممالكها في العصر الحديدي في مناطق شرق الأردن، وتنسبهم المأثورات إلى ذريّة لوط.
2. الإشكاليات الزمنية والتساؤل العلمي حول “أور الكلدانيين”
يطرح الاختلاف بين التدوين التاريخي الأثري والنص المتأخر تساؤلاً منهجياً حاسماً:
“كيف يُنسب إبراهيم الخليل إلى (الكلدانيين) في النص التاريخي التقليدي، بينما تُثبت المسماريات والتنقيبات الأثرية أن قبائل (الكلدان) لم تظهر في جنوب الرافدين إلا بعد زمانه بحوالي ألف عام؟فإذا كان إبراهيم قد عاش في العصر البابلي القديم (القرن 19–18 قبل الميلاد)، والكلدان لم يظهروا في السجلات التاريخية إلا في القرن 9 قبل الميلاد؛ ألا يكشف هذا التباين الزمني الصريح عن إقحام جغرافي وتعديل تحريري متأخر أُضيف على النص عند تدوينه بعد السبي البابلي، مما يمنع اعتماد التوصيف كحقيقة تاريخية معاصرة للحدث؟”
يرى علماء الآثار ونقد النصوص أن هذا التباين يرجع إلى مفهوم الإسقاط الجغرافي المتأخر (Anachronism)؛ حيث قام المحرر القديم أثناء تدوين النص في العصر البابلي الحديث/الفارسي (القرن 6–5 ق.م) بإضافة اسم المكون الذي كان يحكم المنطقة في عصره (“الكلدان”) للتحديد المكاني لأهل زمنه، بينما كانت “أور” في زمن إبراهيم مدينة سومرية/أكادية عريقة ولا وجود للكلدان فيها حينها.
كما يتكرر هذا الإسقاط الزمني في إقحام الجمال في القوافل المبكرة قبل استئناسها التجاري، أو الإشارة إلى “الفلستينيين” في الشام قبل استقرارهم الفعلي في القرن 12 ق.م.
3. السبي الآشوري والسبي البابلي: تمييز تاريخي
تؤكد الآثار والتاريخ وجود حادثتين منفصلتين للتهجير القسري والسبي:
- السبي الآشوري (حوالي 722 قبل الميلاد): وقّعه الملوك الآشوريون (مثل سرجون الثاني) على مملكة إسرائيل الشمالية (السامرة)، ونُقل سكانها إلى أرجاء الإمبراطورية الآشورية.
- السبي البابلي (605–586 قبل الميلاد): وقّعه الملك الكلداني نبوخذ نصر الثاني على مملكة يهوذا الجنوبية (أورشليم) بعد سقوط الإمبراطورية الآشورية بعقود.
وفي أعقاب العودة من السبي البابلي خلال العصر الفارسي (القرن 5–4 ق.م)، جرى جمع وتدوين النص النهائي للتوراة على يد عزرا الكاتب والمحررين، مستندين إلى مأثورات شفهية ونصوص إقليمية قديمة (كالنسخ السامرية والشامية المبكرة).
4. الهويات الحديثة والامتداد الحضاري
توضح الدراسات العلمية فرقاً جوهرياً بين الدول والإمبراطوريات القديمة التي اندثرت ككيانات سياسية (كآشور وبابل)، وبين السكان والامتدادات الثقافية؛ فالجماعات السريانية والآرامية والكلدانية والآشورية الحديثة في العراق والشام هي امتدادات لغوية وثقافية وسكانية لسكان الرافدين القدامى، جرى إعادة تأطير هوياتها الاسمية في العصور الحديثة (القرنين 19 و20) لدوافع كنسية وسياسية وثقافية.
إن التاريخ الحضاري لوادي الرافدين هو نسيج تراكمي شاركت فيه أقوام متعددة من سومريين وأكاديين وآشوريين وبابليين وعموريين وآراميين وحوريين. والقراءة العلمية المنصفة تعتمد الوثيقة الآثارية المعاصرة للحدث لتحديد التواريخ، وترى في العراق والشام أرضاً شهدت التنوع والتلاحم الحضاري منذ فجر التاريخ.
_______________________________________________________________
أولاً: مراجع تاريخ وآثار الرافدين (الآشوريون، الكلدان، الميتانيون، الحوريون)
- طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة (الجزء الأول: الرافدين) – دار الشؤون الثقافية، بغداد. (المرجع الأساسي لتاريخ السومريين، الأكاديين، والآشوريين وظهور الكلدان في الأهوار).
- عامر سليمان: العراق في التاريخ القديم (الجزء الأول والثاني) – جامعة الموصل. (توثيق تاريخ الدولة الآشورية القديمة والوسطى والحديثة وحوليات الملوك).
- أحمد سوسة: تاريخ حضارة وادي الرافدين في ضوء الاكتشافات الأثرية والمصادر التاريخية – دار الحرية للطباعة.
- Georges Roux: Ancient Iraq (Penguin Books). (من أهم المراجع العالمية الشاملة لتاريخ الرافدين وتسلسل ظهور الشعوب من السومريين إلى سقوط بابل).
- Amélie Kuhrt: The Ancient Near East, c. 3000–330 BC (Routledge). (مرجع أكاديمي يفصل ظهور القبائل الكلدانية في القرن التاسع قبل الميلاد والعلاقات الآشورية الميتانية).
ثانياً: مراجع نقد النصوص والإسقاط الزمني (أور الكلدانيين وتدوين التوراة)
- William F. Albright: From the Stone Age to Christianity: Monotheism and the Historical Process (Johns Hopkins Press). (دراسة عالم الآثار الشهير أولبرايت حول البيئة العمورية لقصص الآباء والإسقاطات الزمنية في النصوص).
- Israel Finkelstein & Neil Asher Silberman: The Bible Unearthed: Archaeology’s New Vision of Ancient Israel and the Origin of Its Sacred Texts (Free Press). (كتاب “التوراة غير مستورة” لعالم الآثار فينكلشتاين؛ يثبت بالدليل الأثري التدوين المتأخر للتوراة في القرن 6-7 ق.م ومفهوم الإسقاط الزمني مثل “أور الكلدانيين” والجمال والفلستينيين).
- Richard Elliott Friedman: Who Wrote the Bible? (HarperOne). (دراسة في نقد النصوص توضح مراحل تدوين التوراة ودور عزرا الكاتب والمحررين بعد السبي البابلي).
- Cyrus H. Gordon: Abraham and the Merchants of Ura (Journal of Near Eastern Studies). (البحث الشهير الذي ناقش إشكالية موقع أور والموازنة بين أور الجنوبية وأور الشمالية).
ثالثاً: مراجع السبي الآشوري والبابلي والهويات الحديثة
- فاضل عبد الواحد علي: من سومر إلى التوراة – سينا للنشر. (مقارنة بين النصوص المسمارية والأساطير والمأثورات المدونة في التوراة).
- H.W.F. Saggs: Everyday Life in Babylonia and Assyria & The Might That Was Assyria. (تفاصيل سياسات التهجير والسبي في الإمبراطوريات الآشورية والبابلية).
- John Joseph: The Modern Assyrians of the Middle East: Encounters with Western Christian Missions, Archaeologists, and Colonial Powers (Brill). (دراسة تاريخية أكاديمية حول كيفية إعادة إطلاق وتشكيل المسميات القومية الحديثة للآشوريين والكلدان والشرقيين في القرنين 19 و20 عبر الرحالة والمبشرين الغربيين).
