بما يسمى شمال العراق ومن سكنه في قديم الزمان ولمن الأرض؟
الحوريين أصجاب الأرض
«طرح عدد من كبار علماء الشرق القديم منذ بدايات القرن العشرين وجود طبقة سكانية حورية أو سوبارية قديمة في شمال بلاد الرافدين، وذهب آرثر أونغناد إلى تفسير اسمي ملوك الخيام البدو الرحل أوشبيا وكيكيا، من أوائل حكام آشور، تفسيرًا حوريًا. كما وسّع سبايزر البحث في العنصر الحوري بوصفه من السكان القدماء لبلاد الرافدين. إلا أن هذه الأطروحات تعرضت لاحقًا للنقد، ولا يوجد إجماع حديث على أن سكان الأوائل كانوا جميعًا حوريين.»
والآن نأتي الى ماذا قال العلماء:
- Ungnad – آرثر أونغناد، ألماني
فسّر اسمي الملكين الآشوريين المبكرين Ušpia (أوشبيا) وKikkia (كيكيا) على أنهما اسمان حوريان. هذه النظرية مهمة تاريخيًا، وإن كان باحثون لاحقون، ومنهم Arno Poebel، قد اعترضوا عليها، واليوم لا تعد قراءة الاسمين حوريين أمرًا محسومًا. - E. A. Speiser – سبايزر
في Mesopotamian Origins تناول ما اعتبره السكان الأصليين لبلاد الرافدين وربط قطاعًا كبيرًا منهم بالحوريين. ولدينا شهادة مباشرة من Gelb بأن Speiser كان يستعمل «Hurrian» للسكان الذين كان Ungnad يسميهم «Subarian». - Ignace J. Gelb – إغناس غِلب
كتابه Hurrians and Subarians، جامعة شيكاغو، 1944، مهم جدًا لأنه راجع القضية كلها. لكنه عارض المساواة البسيطة بين الحوريين والسوباريين؛ ولذلك هو مفيد لنا بوصفه ناقدًا للنظرية، لا شاهدًا مؤيدًا لكل تفاصيلها. - Gernot Wilhelm – غيرنوت فيلهلم، ألماني
من كبار المتخصصين بالحوريين. أعماله تثبت وجود الحوريين في نطاق واسع من أعالي بلاد الرافدين، الخابور، أعالي دجلة، وما وراء دجلة، وتتناول وجود أسماء حورية حتى في وثائق التجار الآشوريين القدماء في الأناضول. - Michael C. Astour – مايكل أستور
درس الانتشار الحوري في شمال سوريا وأعالي بلاد الرافدين. ويشير إلى أن الحوريين يظهرون في نطاق جغرافي واسع يمتد باتجاه زاغروس، مع ملوك وأشخاص يحملون أسماء حورية. - Jean-Robert Kupper – جان روبير كوبر، بلجيكي/فرنكوفوني
خصص دراسة لـ الحوريين في ماري، وهي مهمة لإثبات مدى تغلغل العنصر الحوري في البيئة السياسية لشمال بلاد الرافدين وسوريا في الألف الثاني ق.م. - William W. Hallo
درس Simurrum والحدود الحورية، أي المجال الواقع شرق دجلة وفي نطاق زاغروس المتصل مباشرة بالعالم الذي كانت آشور جزءًا منه جغرافيًا. - Horst Klengel – هورست كلينغل، ألماني
بحث في توسع ميتاني وبنيته السياسية، وهو مهم لفهم المرحلة التي أصبح فيها المجال الحوري-الميتاني القوة الكبرى في شمال بلاد الرافدين. - Annelies Kammenhuber – أنيليس كامنهوبر، ألمانية
من كبار الباحثين الألمان في الدراسات الحورية، ودرست الحوريين وعلاقتهم بالمشكلة الهندوآرية، وهي من الأسماء الأساسية في المدرسة الألمانية الحديثة لدراسة حوريي شمال بلاد الرافدين. - Albrecht Goetze – ألبريشت غوتسه، ألماني الأصل
وله كتاب عنوانه لافت جدًا:
Hethiter, Hurriter und Assyrer
أي:
«الحيثيون والحوريون والآشوريون»
وقد تناول فيه الخطوط الكبرى للتطور الحضاري لهذه المجموعات في الألف الثاني ق.م. وهو من المراجع الكلاسيكية في المسألة الحورية.
لكن هناك نقطة أقوى من مجرد جمع عشرة أسماء
لدينا خلاف علمي قديم واضح جدًا حول السكان الأقدم لشمال بلاد الرافدين.
Gelb نفسه يكتب في مقدمة Hurrians and Subarians أن Speiser وUngnad كانا يبحثان في السكان الأصليين لبلاد الرافدين؛ Speiser سماهم:
Hurrian — حوريين
بينما Ungnad سماهم:
Subarian — سوباريين. ثم لدينا المسألة الخاصة بمدينة آشور: Ungnad اعتبر Ušpia وKikkia حوريين من حيث الاسم. وهذه النقطة ليست كلامًا قوميًا حديثًا؛ إنها فرضية معروفة في تاريخ علم الآشوريات الألماني، حتى وإن رفضها باحثون لاحقون.
أنا أمير أبو حديد، أطرح هذه المسألة من زاوية نقدية، وأرى أن تاريخ شمال بلاد الرافدين لا يجوز أن يُقرأ فقط من خلال الرواية التي تشكّلت في القرن التاسع عشر على أيدي المستكشفين والباحثين الأوروبيين، ولا سيما في المناخ البريطاني الذي كان شديد الاهتمام بالبحث عن المواقع والأسماء الواردة في الكتاب المقدس.
أنا لا أنكر وجود الدولة الآشورية القديمة ولا ملوكها ولا آثارها ونقوشها؛ فهذه أمور تثبتها المادة الأثرية. لكنني أفرّق بوضوح بين وجود دولة آشورية في العصور القديمة وبين الادعاء بأن كل سكان جغرافيتها كانوا شعبًا إثنيًا واحدًا، أو أن هناك خطًا قوميًّا متصلًا بلا انقطاع يمتد من آشور بانيبال إلى جماعات العصر الحديث.
وأرى أن الجغرافيا التي قامت عليها آشور لم تكن أرضًا خالية قبل نشوء الدولة الآشورية. شمال بلاد الرافدين والجزيرة وأعالي دجلة شهدت قبل الهيمنة الآشورية وخلالها وجود جماعات متعددة، وكان للحوريين حضور واسع ومثبت في أجزاء كبيرة من هذه المنطقة. ومن هنا أطرح فرضيتي بأن دراسة تاريخ السكان يجب أن تبدأ من الجغرافيا والاستمرارية السكانية والأثرية، لا من أسماء الإمبراطوريات وحدها.
في سنة 612 ق.م سقطت نينوى أمام التحالف البابلي–الميدي، ثم استمرت بقايا السلطة الآشورية فترة قصيرة قبل زوالها السياسي. سقوط الإمبراطورية حقيقة تاريخية، لكن سقوط الدولة لا يعني تلقائيًا إبادة جميع سكانها. الأرجح أن السكان الذين عاشوا في أراضيها استمر قسم كبير منهم في المكان، بينما اندمج آخرون في التكوينات السياسية والثقافية اللاحقة.
وهنا أصل إلى المسألة الأكثر حساسية: الهوية الآشورية الحديثة.
أنا أرفض القفز مباشرة من كلمة «آشور» في نقش من القرن السابع قبل الميلاد إلى هوية إنسان عاش في القرن التاسع عشر أو العشرين. يجب أولًا إثبات حلقات الاستمرارية عبر أكثر من ألفي سنة: ماذا كانت تسمية الجماعة لنفسها؟ ما لغتها؟ أين كانت تعيش؟ ماذا تقول وثائق الكنائس والمخطوطات والسجلات العثمانية والرحالة؟ ومتى أصبح استعمال «Assyrian» بالمعنى القومي الحديث واسعًا؟
ومن المؤكد تاريخيًا أن المبشرين والرحالة والدبلوماسيين وعلماء الآثار الغربيين لعبوا دورًا مهمًا في إعادة إحياء أسماء حضارات الشرق القديم وفي تشكيل الطريقة الحديثة التي قُرئت بها المنطقة. لكن هذا وحده لا يكفي لإثبات أن البريطانيين اخترعوا جماعة بشرية من الصفر. ما يمكن بحثه بصورة أكثر جدية هو مدى مساهمة النشاط التبشيري والسياسي والأثري الأوروبي في إعادة تعريف بعض الجماعات المسيحية الشرقية وإعادة صياغة هوياتها في العصر الحديث.
لذلك فإن موقفي ليس: «الآشوريون القدماء لم يوجدوا». فهذا يتعارض مع النقوش والآثار.
موقفي هو السؤال الأصعب:
من كان سكان هذه الجغرافيا قبل قيام آشور؟ ومن عاش داخل الإمبراطورية الآشورية إلى جانب النخبة السياسية والعسكرية؟ وماذا حدث لهؤلاء السكان بعد 612 ق.م؟ وهل تستطيع المصادر أن تثبت استمرارية قومية مباشرة بين آشور القديمة والهوية الآشورية الحديثة، أم أننا أمام عملية تاريخية أكثر تعقيدًا من ذلك؟
أنا أمير أبو حديد، وأرى أن التاريخ لا يُحسم بالشعارات القومية، ولا بالتوراة، ولا بكتابات المستشرقين وحدها؛ بل بالنقش، والطبقة الأثرية، واللغة، والجغرافيا، والتسلسل الزمني، والدليل المادي.
ومن يملك الدليل الأقوى، فليضعه على الطاولة.
الباحث والمؤرخ أمير أبو حديد
