“سلام الأوهام” وتجارة “الفتات”: تفكيك المناورة التركية وتغييب الإرادة الكوردية
الكاتب: مروان فلو
يسعى الخطاب الرسمي في أنقرة وبعض القراءات السطحية للمشهد إلى إظهار “القانون الإطاري لتعزيز التضامن الوطني” وكأنه منعطف تاريخي ونهاية لعقود من الصراع المسلح. غير أن القراءة العميقة والمجردة لوثائق هذا القانون و لمجريات الأحداث تُكشف عن حقيقة مغايرة تماماً:
نحن لسنا أمام تسوية تاريخية، بل أمام مناورة سياسية وأمنية من طرف واحد، تُقدم “فتاتاً” قانونياً لتلتف به على الجوهر السياسي والقومي للقضية الكوردية.
إن تفكيك هذا النص والظروف المحيطة به يكشف عن ثقوب هيكلية لا يمكن لأي وعي سياسي كوردي أن يتغاضى عنها.
- البرلمان التركي: قبة التشريع أم غرفة عمليات أمنية؟
تعتمد الأطروحة “التاريخية” في هذا القانون على أنه حصد أغلبية برلمانية كبيرة (467 نائباً). لكن الحقيقة هي أن البرلمانات في دول المنطقة باتت تُعبر عن إرادة السلطة الحاكمة ومؤسساتها الأمنية والدائرين في فلكها، لا عن الشارع الحقيقي.
التشريع تحت الإرهاب الفكري والسياسي: كيف يمكن الحديث عن تشريع “يمثل الإرادة الشعبية” في وقت يقع فيه القادة الفعليون والممثلون الشرعيون للشارع الكوردي خلف القضبان؟
تغييب الصوت الحقيقي: إن إخلاء الساحة من قادة مؤثرين مثل صلاح الدين دميرتاش وفيغن يوكسكداغ، واستمرار فرض الحراس القضائيين (القيوم) على البلديات المنتخبة، يعني أن البرلمان يشرّع في بيئة معزولة تماماً عن تطلعات الشارع، وتحت تهديد السلاح والملاحقة القضائية لكل من يجرؤ على المطالبة بحقوق قومية صريحة.
النتيجة الحتمية: إن القانون لم يصدر عن تفاوض ندّي بين طرفين، بل صدر كـ “مرسوم أمني” صِيغَ بأدوات جنائية، ليُخاطب المقاتل والسياسي الكوردي كـ “مجرم غائب” يُعرض عليه التأجيل والمشروطية، لا كصاحب قضية شعب وأرض. - لغز “إمرالي” والتلاعب السياسي بالرموز
من أكبر نقاط الضعف التي تُضعف مصداقية هذه العملية برمتها هي ضبابية وضع المؤسس عبد الله أوجلان:
الغياب المباشر والشكوك المشروعة: منذ سنوات، لم يظهر أوجلان في أي بث مباشر، أو صوت وصورة علنيين يُخاطب فيهما قواعده وشعبه بوضوح. وكل ما يصل للشارع الكوردي هو رسائل مقطوعة، أو صور مسربة، أو بيانات تُنقل عبر وسائط حكومية وأمنية.
صناعة “الميت السياسي”: يسود الشارع الكوردي شك مشروع ومحق حول مدى حريته وإرادته – بل وحتى حول بقائه على قيد الحياة بصحة كاملة – ويتعاظم الخوف من أن السلطات التركية تستخدم اسمه وصورته كـ “ورقة ” مصنوعة أمنياً لفرض إملاءات تسليم السلاح دون مقابل سياسي ملموس.
إن بناء عملية “سلام” على تسريبات ورسائل ينقلها الوسطاء من سجن مشدد العزلة، دون تمكين صاحب الشأن من لقاء الإعلام والشارع والمجموعات الكوردية بحرية، هو محاولة لبناء قصور من رمال. - مسرحية القوميين: أدوار موزعة في سيناريو مكشوف
يمثل الاستعراض الدارمي داخل البرلمان التركي – بين تصريحات دولت بهجلي (MHP) الداعية لإطلاق سراح أوجلان من جهة، ومشادات حزب “إيي” (IYI) من جهة أخرى – مسرحية سياسية مكشوفة الأهداف:
تبادل الأدوار: المعارضة القومية المفتعلة تُعطي انطباعاً للشارع التركي بأن الحكومة تقدم “تنازلات مؤلمة”، في حين أن الهدف الحقيقي للائتلاف الحاكم (AKP – MHP) هو حسابات دستورية بحتة.
البحث عن الولاية الجديدة: أردوغان بحاجة ماسة لأصوات الكتلة الكوردية للالتفاف على السقف الدستوري لولايته الرئاسية التي تنتهي في 2028. والمقايضة المطروحة هي: إعادة صياغة الدستور لتبديد القيود عن أردوغان، مقابل وعود وفضفاضيات حول الاندماج الاجتماعي. - الكورد كـ “جوكر” إقليمي: ما بعد سايكس بيكو أكبر من الفتات
إن المعضلة الأساسية في المقترح التركي أنه يتعامل مع القضية الكوردية بعقلية “المشكلة الداخلية المحدودة” التي تُحل بقوانين العفو المشروط، في وقت تغيرت فيه جغرافية المنطقة برمتها:
الموقع الجيوسياسي الجديد: منذ اتفاقية سايكس بيكو وقرن من الإلغاء والإنكار، لم يكن الموقع الكوردي بهذه القوة. اليوم، الكورد في روجآفا (شمال شرق سوريا)، وباشور (إقليم كوردستان)، ورجهيلات (إيران)، وباكور (تركيا) يشكلون الفاعل الأساسي والرقم الصعب في المعادلات الإقليمية والدولية.
الورقة الرابحة: في ظل انهيار أنظمة مركزية وتغير خريطة التحالفات بين واشنطن وإسرائيل وإيران، لم يعد الشعب الكوردي مجرد “ضحية” تنتظر أمراً إنعامياً من أنقرة. الكورد يدركون أن ورقتهم هي الـ “جوكر” في المنطقة، وأن أي تسوية لا تلبي الحد الأدنى من مطالبهم القومية والسياسية هي تسوية وُلدت ميتة.
الخلاصة: لماذا يرفض الشارع الكوردي هذا المقترح؟
إن “القانون الإطاري” المطروح ينطوي على عيب بنيوي: فهو يطالب بـ نزع السلاح الشامل والانحلال التام كشرط مسبق، مقابل تأجيل محاكمات وتسهيل عودة مشروطة، دون أن يُقدم إجابة واحدة عن المطالب الكوردية الجوهرية:
لا اعتراف دستورياً بالوجود والقومية الكوردية.
لا ضمانات لتعليم اللغة الأم أو ترسيمها.
لا تطبيق للإدارة الذاتية أو الحكم المحلي.
لا تعديل جاد لقوانين “مكافحة الإرهاب” فضفاضة المعايير.
إن ما يُعرض اليوم تحت قبة البرلمان التركي ليس تسوية تاريخية، بل هو محاولة لـ “تمييع” القضية الكوردية واختزالها في ملف أمني/جنائي، وتقديم “أقل من الفتات” لشعب يمتلك اليوم كل أدوات التأثير الإقليمي. والسلام الحقيقي لا يُبنى بالمسرحيات البرلمانية والرسائل المغلقة من المعتقلات، بل بالاعتراف الشجاع والمباشر بحقوق شعب كامل وحريته.
