الرئيسيةمقالات

الواقعية السياسية وإعادة تشكيل العقد الاجتماعي السوري

قراءة تحليليّة في تحولات خطاب دمشق واستراتيجية قيادة “قسد/مسد” ما بعد “أحداث الحسكة”
بقلم: مروان فلو

مقدمة
تُشكّل التطورات الجيوسياسية الأخيرة في المشهد السوري نقطة تحول مفصلية في تاريخ الصراع وتوازنات القوة. فلم تعد معادلات إدارة الأزمة القائمة منذ أعوام صالحة للاستمرار، إذ فرضت المتغيرات الميدانية والسياسية واقعاً استراتيجياً جديداً لا يمكن فيه مقاربة ملف الإدارة الذاتية والحقوق الكوردية بالأدوات والمفاهيم التي سبقت “أحداث الحسكة” (التحولات العسكرية والسياسية الكبرى في نيسان/أبريل).
تأتي تصريحات نجيب الغضبان، مستشار وزارة الخارجية السورية لشبكة “رووداو”، والتي ألمح فيها إلى أن “الحكم الذاتي الموسع أو الحكم المحلي هو الخيار الأنسب لسوريا”، لتطرح تساؤلاً جوهرياً:

هل تعكس هذه التصريحات تحولاً عقائدياً في أدبيات السلطة بدمشق، أم أنها استجابة تكتيكية لامتصاص الصدمة والاعتراف بالواقع الميداني الجديد؟

تحاول هذه الدراسة التحليلية تفكيك أبعاد هذا التحول عبر أربعة محاور رئيسية تناقش الأبعاد الجيوسياسية لتصريحات الدبلوماسية السورية، وأهمية لقاء أربيل، وصوابية منهج قيادة قسد ومسد، وصولاً إلى استراتيجية التدرج والردع.

أولاً: حدود الخطاب الدبلوماسي السوري: بين امتصاص الصدمة والتكيف مع الواقع

يمثل الحديث عن “الحكم الذاتي” أو “الحكم المحلي الموسع” من قبل مسؤول في الخارجية السورية سابقة في الأدبيات السياسية الرسمية، إلا أن تحليل هذا الخطاب ضمن سياقه الجيوسياسي يُظهر أنه يتجاوز كونه رأياً شخصياً ليغدو خطاباً موثقاً للسلطة يُراد منه تحقيق أهداف مرحلية:
امتصاص الصدمة الجيوسياسية:
جاءت التصريحات في أعقاب “أحداث الحمسكة” التي أعادت رسم الخارطة العسكرية وأثبتت عدم قدرة أي طرف على فرض الحسم العسكري الشامل أو العودة بسوريا إلى مربع ما قبل 2011. يسعى الخطاب الرسمي من خلال الاستعانة بمصطلحات مرنة إلى امتصاص الاندفاعة الجيوسياسية للطرف الكوردي ومحاولة احتواء مفاعيل هذه الأحداث.

الاعتراف بالواقع كضرورة استقرار:
تعكس هذه التصريحات إدراكاً متزايداً لدى السلطة بأن استعادة مفهوم “الدولة المركزية الصارمة” بات أمراً مستحيلاً. وبالتالي، فإن قبول صيغ الحكم الذاتي الإداري أو الحكم المحلي يشكل الحد الأدنى المقبول للاعتراف بالواقع، وضمان دمج المؤسسات ضمن إطار الدولة العام دون الدخول في مواجهة مفتوحة.

ثانياً: إعادة ترتيب البيت الكوردي والتحالفات الإقليمية (لقاء أربيل)
لا يمكن فهم القوة التفاوضية للمكون الكوردي بمعزل عن التحركات الإقليمية الأخيرة، وعلى رأسها اللقاء التاريخي بين الجنرال مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وقيادة إقليم كوردستان العراق:
توحيد موقف البيت الكوردي:
أزال هذا اللقاء التوترات التاريخية وركّز على إيجاد مظلة سياسية وإقليمية متماسكة. هذا التنسيق مع قيادة الإقليم منح مشروع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا عمقاً استراتيجياً ورصيداً إقليمياً لا يمكن لتل أبيب أو أنقرة أو دمشق التغاضي عنه.

إعادة تموضع في المعادلة الإقليمية:
يعكس التحرك نحو أربيل انتقال قيادة “قسد” و”مسد” من الاعتماد الحصري على التحالفات الدولية إلى بناء شراكات إقليمية وقومية راسخة، مما عزز القدرة التفاوضية للمجلس والقيادة العسكرية وجعل دمشق تدرك أن التفاوض يتم مع طرف يملك أوراق قوة ديموغرافية، عسكرية، وسياسية متكاملة.

ثالثاً: إنصاف نهج “قسد” و”مسد”: من الاتهامات بالانفصال إلى صناعة الحل
طوال السنوات الماضية، تعرضت قيادة “قسد” ومجلس سوريا الديمقراطية (مسد) لحملات تخوين واتهامات بالانفصال وتنفيذ أجندات خارجية. غير أن التطورات الراهنة وتصريحات دمشق الأخيرة تؤكد صوابية وواقعية المنهج السياسي الذي اعتمدته هذه القيادة:
من المركزية إلى اللامركزية الجامعـة:
بينما كانت دمشق تُصِرّ سابقاً على المركزية الصارمة وترفض أي خصوصية للمناطق، فإن التحول الحالي أثبت صحة رؤية “مسد” الداعية منذ البداية إلى حُكم ذاتي ولا مركزية سياسية وإدارية تجمع السوريين ولا تُفرّقهم.
من حَلّ القوات إلى الدمج المتوازن:
كانت القراءة المركزية التقليدية تطالب بتفكيك قوات “قسد” وحلها، بينما يُظهر الواقع اليوم صوابية التمسك بدمج متوازن يحافظ على الخصوصية العسكرية والعملياتية والمكتسبات الأمنية التي تحققت في شمال وشرق سوريا.
صوابية التمسك بالحل السوري-السوري:
أثبتت قيادة “مسد” أن طرحها لنموذج “الإدارة الذاتية” لم يكن مشروعاً انفصالياً، بل كان رؤية مبكرة لصياغة عقد اجتماعي جديد. وإقرار دمشق المتأخر بأهمية الحكم الذاتي يمثل دحضاً عملياً لكل الشكوك والاتهامات السابقة.

رابعاً: استراتيجية “خطوة بخطوة”: الدبلوماسية المستندة إلى قوة الردع
تستند الاستراتيجية المستقبلية للمكون الكوردي وقيادته إلى معادلة مزدوجة قائمة على التدرج والمرونة مع الجاهزية العسكرية:
التقدم خطوة بخطوة (Step-by-Step):
المضي قدماً في المفاوضات والتفاهمات التقنية والإدارية والسياسية مع دمشق، بغية تثبيت الحقوق الكوردية وحقوق كافة مكونات المنطقة دستوريّاً، وتحويل الشعار الشفهي إلى نصوص قانونية ملزمة.
أبواب الحرب المفتوحة كضمانة للردع:
إن الرغبة في السلام والتفاوض لا تعني الضعف؛ فالجاهزية العسكرية لقوات “قسد” والتماسك الشعبي حول مشروع “مسد” يمثلان خط الدفاع الأول. وفي حال حاولت السلطة الالتفاف على الحقوق أو العودة إلى العقلية الأمنية القديمة، فإن خيار الدفاع عن المكتسبات والحروب المفتوحة يظل حاضراً كأداة ردع حاسمة.

خاتمة
تؤكد المعطيات التحليلية أن “ما بعد أحداث الحسكة ليس كما قبلها”. إن تصريحات مسؤول الخارجية السورية حول الحكم الذاتي، حتى وإن بدت في ظاهرها محاولة لامتصاص الصدمة والتكيف الاضطراري، إلا أنها تشكل اعترافاً بشرعية الواقع الجديد الذي كرسته “قسد” و”مسد”.
إن الطريق نحو تسوية شاملة يمر عبر إدراك جميع الأطراف أن العودة للوراء مستحيلة، وأن تطوير تجربة الحكم الذاتي خطوة بخطوة ضمن سوريا ديمقراطية مركزية القرار الخارجي والسيادي، لامركزية الإدارة والسياسات المحلية، هو السبيل الوحيد لتجنب جولات صراع جديدة تكون أبوابها مفتوحة على كافة الاحتمالات.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *