مقالات

القوة هي الحق قراءة نقدية في اختلال موازين القوة في النظام الدولي، ونحو نظرية استراتيجية لحماية حقوق الشعوب – الحالة الكوردستانية نموذجاً

بقلم: مروان فلو

الملخص

تتناول هذه الدراسة العلاقة بين القوة والحق في النظام الدولي المعاصر، انطلاقاً من فرضية أساسية مفادها أن امتلاك الحقوق المشروعة لا يشكل، بحد ذاته، ضمانة كافية لحمايتها أو تحقيقها، وأن القدرة الفعلية على صون الحقوق وانتزاع الاعتراف بها ترتبط بدرجة كبيرة بامتلاك منظومة متكاملة من عناصر القوة السياسية والمؤسساتية والاقتصادية والأمنية والدبلوماسية والمجتمعية.

وتنطلق الدراسة من مقولة “القوة هي الحق” بوصفها توصيفاً نقدياً لآليات عمل النظام الدولي، وليس بوصفها حكماً أخلاقياً أو قانونياً، أو دعوة إلى تبرير العدوان والهيمنة.

وتناقش الدراسة عدداً من الحالات الدولية، منها كوسوفو وتيمور الشرقية وكتالونيا، إلى جانب التجارب الكوردية في العراق وسوريا وتركيا وإيران، بهدف تحليل الفجوة بين الاعتراف بالحقوق والقدرة على حمايتها، وبين الاستقلال القانوني والسيادة الفعلية.

وتخلص الدراسة إلى أن القوة التي تحتاجها الشعوب ليست القوة المدمرة أو التوسعية، وإنما القوة الوقائية والمؤسساتية والمجتمعية التي تمنع تحويل ضعفها إلى أداة للابتزاز السياسي والاقتصادي والأمني.

وتطرح الدراسة إطاراً أولياً لنظرية استراتيجية يمكن أن تسهم في تفسير هذه العلاقة، وتقديم تصور لبناء القوة الذاتية المستدامة، مع اتخاذ الحالة الكردستانية نموذجاً تطبيقياً.

الكلمات المفتاحية:
القوة، الحق، النظام الدولي، موازين القوى، السيادة، تقرير المصير، الاستقلال، القوة الذاتية، القضية الكوردية، الاستقلال الاستراتيجي.

المقدمة: عندما لا يكفي امتلاك الحق

نعيش في عالم تتقدم فيه المصالح وموازين القوة، في كثير من الأحيان، على المبادئ القانونية والأخلاقية التي يفترض أن تنظم العلاقات بين الدول والشعوب.

فالنظام الدولي المعاصر، على الرغم من امتلاكه منظومة واسعة من الاتفاقيات والقوانين والمؤسسات الدولية، لم يتمكن من إقامة نظام متكافئ يضمن لجميع الشعوب حماية حقوقها بالدرجة نفسها.

وتكشف التجارب التاريخية والمعاصرة أن الشعوب التي تمتلك قضايا عادلة لا تحصل بالضرورة على حقوقها، وأن التضحيات البشرية والنضالات السياسية والشرعية التاريخية والقانونية لا تكفي وحدها لإجبار الأطراف الأقوى على الاعتراف بمطالبها أو احترامها.

وفي المقابل، تستطيع الدول والقوى التي تمتلك عناصر القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية أن تؤثر في مسارات الصراعات والتسويات، وأن تحدد أحياناً طبيعة الحلول الممكنة وحدودها.

من هنا تنطلق هذه الدراسة من مقولة مركزية:

القوة هي الحق.

ولا يُقصد بهذه العبارة أن القوة تمنح الشرعية الأخلاقية والقانونية، أو أن الأقوى يمتلك حق الاعتداء على الأضعف، وإنما المقصود أنها تصف واقعاً دولياً تتحدد فيه قدرة الأطراف على حماية حقوقها بقدر ما تمتلكه من أدوات القوة والتأثير.

فالقانون قد يقر الحق، لكن موازين القوة تؤثر في إمكانية إنفاذه.

والاعتراف الدولي قد يمنح شعباً صفة سياسية، لكنه لا يضمن بالضرورة استقلال قراره.

والتحالفات قد توفر الحماية في مرحلة معينة، لكنها لا تشكل ضمانة دائمة عندما تتغير مصالح الحلفاء.

وعليه، فإن الإشكالية الأساسية ليست فقط في امتلاك الحق، وإنما في امتلاك القدرة على حمايته ومنع الآخرين من تحويله إلى موضوع للمساومة والابتزاز.

وتكتسب هذه الإشكالية أهمية خاصة عند دراسة القضية الكوردية، التي تمثل نموذجاً لشعب يمتلك حضوراً تاريخياً وجغرافياً وديموغرافياً واسعاً، لكنه لم يتمكن حتى الآن من تحويل إمكاناته المتفرقة إلى منظومة قوة استراتيجية قادرة على حماية حقوقه بصورة مستدامة.

أولاً: القوة والحق بين القانون الدولي والواقع السياسي

من الناحية القانونية، تقوم العلاقات الدولية المعاصرة على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، واحترام الحقوق الأساسية، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.

وتؤكد ميثاق الأمم المتحدة، في مادته الثانية، مبدأ المساواة في السيادة، وتحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي للدول.

لكن المشكلة تظهر عند الانتقال من النصوص القانونية إلى التطبيق.

فالقانون الدولي لا يمتلك جهاز إنفاذ مركزياً مستقلاً عن الدول، كما أن مجلس الأمن نفسه يعكس اختلالات تاريخية في توزيع القوة، خصوصاً من خلال حق النقض الذي تمتلكه الدول الخمس دائمة العضوية.

وهذا يعني أن تطبيق القانون الدولي لا يجري دائماً بمعزل عن المصالح السياسية والاستراتيجية للقوى الكبرى.

وتظهر هذه المعضلة في ثلاثة مستويات:

  1. مستوى الاعتراف بالحق

قد تعترف المؤسسات الدولية بشرعية مطالب شعب ما، أو بحقوقه السياسية والثقافية، لكن هذا الاعتراف لا يؤدي تلقائياً إلى تغيير الواقع السياسي.

  1. مستوى تنفيذ الحق

قد توجد اتفاقيات وقرارات دولية، لكن تنفيذها يتوقف في حالات كثيرة على توازنات القوة، ومدى استعداد الأطراف المؤثرة لتحمل تكاليف فرضها.

  1. مستوى حماية الحق

حتى عندما يحصل شعب على اعتراف سياسي أو دستوري، فإن استمرارية هذه الحقوق تتطلب مؤسسات وقدرات ذاتية تمنع الانتقاص منها عند تغير الظروف.

ومن هنا تظهر الفجوة بين الحق القانوني والقدرة السياسية على إنفاذه.

إن هذه الفجوة هي المجال الذي تحاول نظرية “القوة هي الحق” تفسيره.

ولا يعني ذلك أن القانون الدولي عديم القيمة، بل يعني أن فعاليته تتأثر ببنية النظام الدولي وبموازين القوى وآليات الإنفاذ المتاحة.

ثانياً: هل توجد حالات انتصر فيها الحق على القوة؟

لاختبار الفرضية، من الضروري دراسة حالات دولية حصلت فيها شعوب على استقلال أو حكم ذاتي أو اعتراف سياسي، ثم تحليل ما إذا كانت تلك المكاسب قد تحولت إلى سيادة فعلية وقدرة مستدامة على حماية المصالح الوطنية.

  1. كوسوفو: استقلال سياسي لم ينهِ معضلة السيادة

أعلنت كوسوفو استقلالها عن صربيا في 17 شباط/فبراير 2008، بعد سنوات من الصراع والتدخل الدولي والإدارة الدولية.

وقد أسهم التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي عام 1999، ثم الإدارة الدولية اللاحقة، في تغيير الواقع السياسي والأمني الذي كانت تعيشه المنطقة.

وفي عام 2010، أصدرت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً خلص إلى أن إعلان استقلال كوسوفو لم يخالف القانون الدولي.

لكن هذا لم يؤدِّ إلى اعتراف دولي شامل.

فحتى عام 2025، ظلت خمس دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي لا تعترف باستقلال كوسوفو، كما أن روسيا والصين لم تعترفا بها، وهو ما يعيق انضمامها إلى الأمم المتحدة.

ولا تزال العلاقة بين بلغراد وبريشتينا موضوع مفاوضات دولية معقدة.

ويشير تقرير البرلمان الأوروبي الصادر في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 إلى استمرار الاختلاف بين الطرفين بشأن طبيعة التسوية النهائية ومضمون الاعتراف المتبادل.

وهنا تبرز المفارقة: تحقق استقلال سياسي فعلي، لكنه لم يتحول إلى اعتراف دولي شامل أو تسوية نهائية للنزاع.

والأهم أن هذا الاستقلال نفسه لم يتحقق بمجرد عدالة المطالب، وإنما ارتبط بتدخل قوة دولية كبرى وتغير موازين القوى في المنطقة.

الدلالة الاستراتيجية: لا يكفي امتلاك الحق أو حتى الحصول على استقلال سياسي، إذا لم تتوفر الظروف والمؤسسات والتحالفات التي تحمي استمراره وتوسع هامش السيادة الفعلية.

  1. تيمور الشرقية: الاستقلال لا يعني بالضرورة الاستقلال الاقتصادي

استقلت تيمور الشرقية عام 2002، بعد احتلال طويل ونضال سياسي وشعبي، وبدعم من تحولات المواقف الدولية والضغط الدبلوماسي والتدخل الدولي.

وقد حققت البلاد إنجازاً سياسياً مهماً باستعادة استقلالها وبناء مؤسساتها الوطنية.

لكن الاستقلال السياسي لم ينهِ جميع التحديات.

فقد واجه الاقتصاد اعتماداً كبيراً على عائدات النفط والغاز والإنفاق الحكومي، مع محدودية التنوع الإنتاجي.

وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن الإنتاج النفطي والغازي وفر مورداً مالياً مهماً، لكنه لم يحقق وحده تحولاً اقتصادياً إنتاجياً مستداماً.

كما أن انتهاء الإنتاج من حقل بايو أوندان عام 2025 وضع الاقتصاد أمام تحديات إضافية تتعلق بالاستدامة المالية وتنويع مصادر الدخل.

ولا ينبغي تفسير هذه الصعوبات باعتبارها دليلاً على أن الاستقلال كان فشلاً؛ فهناك فارق بين نجاح التحرر السياسي وبين صعوبة بناء اقتصاد مستقل.

لكن التجربة تثبت أن السيادة السياسية لا تعني تلقائياً امتلاك الاستقلال الاقتصادي.

الدلالة الاستراتيجية: لا تكتمل السيادة بمجرد الاعتراف الدولي، وإنما تحتاج إلى قاعدة اقتصادية إنتاجية تقلل من التبعية وتوسع القدرة على اتخاذ القرار المستقل.

  1. كتالونيا: الإرادة الشعبية في مواجهة القوة الدستورية والسياسية للدولة

تقدم كتالونيا حالة مختلفة.

فهي تمتلك مؤسسات حكم ذاتي وبرلماناً وحكومة محلية وقاعدة اجتماعية واسعة تطالب قطاعات منها بالاستقلال.

وفي الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2017، أُجري استفتاء الاستقلال الذي رفضته الحكومة الإسبانية والمحكمة الدستورية الإسبانية باعتباره مخالفاً للنظام الدستوري.

وأعقب ذلك إعلان أحادي للاستقلال، ثم تدخل الحكومة المركزية وتعليق الحكم الذاتي مؤقتاً بموجب المادة 155 من الدستور الإسباني.

ولم يتحول الاستفتاء إلى استقلال معترف به دولياً.

وتكشف هذه التجربة أن الإرادة الشعبية، حتى عندما تتخذ شكلاً انتخابياً، لا تكفي وحدها لتحقيق الانفصال” الاستقلال” إذا لم تتوفر شروط سياسية ودستورية وواقعية تسمح بذلك.

ولا يمكن مساواة الحالة الكتالونية بالحالات التي تعرضت فيها شعوب للاحتلال أو الاضطهاد القومي؛ فلكل حالة سياقها القانوني والتاريخي المختلف.

لكنها تقدم مثالاً واضحاً على أن امتلاك المؤسسات والقاعدة الشعبية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تغيير الوضع السيادي القائم.

الدلالة الاستراتيجية: الإرادة الشعبية عنصر أساسي من عناصر الشرعية، لكنها تحتاج إلى أدوات سياسية وقانونية ومؤسساتية قادرة على تحويلها إلى واقع.

الاستنتاج من الحالات الثلاث

لا تمثل هذه الحالات دليلاً على أن القوى الكبرى تتآمر دائماً وفق اتفاقات مسبقة لتقسيم الحقوق بين الشعوب؛ فإثبات ذلك يحتاج إلى أدلة خاصة بكل حالة.

لكنها تكشف نمطاً عاماً:

إن مآلات القضايا الوطنية تتأثر بمصالح الدول المؤثرة، وبالقدرة التفاوضية للأطراف، وبطبيعة المؤسسات الداخلية، وبمدى امتلاكها أدوات تنفيذ وحماية مكتسباتها.

وبذلك لا تشكل الحالات الثلاث نقضاً لمقولة “القوة هي الحق” بالمعنى الوصفي الذي تتبناه هذه الدراسة، بل تقدم نماذج مختلفة للفجوة بين الحق والقدرة على حمايته.

ثالثاً: القضية الكوردية بوصفها اختباراً عملياً للنظرية

إذا كانت الحالات الدولية السابقة تكشف العلاقة بين الحق والقوة، فإن القضية الكوردية تقدم نموذجاً أكثر تعقيداً، لأنها تتعلق بشعب يعيش في أربع دول، ويمتلك تاريخاً وهوية ولغة وامتداداً جغرافياً واجتماعياً، لكنه لا يمتلك دولة وطنية موحدة.

وتكمن خصوصية الحالة الكوردية في أن عناصر القوة موجودة، لكنها موزعة بين أحزاب وحركات سياسية وإدارات ومؤسسات مختلفة، وتعمل ضمن بيئات سياسية وقانونية متباينة.

وهنا تبرز المشكلة الاستراتيجية الأساسية:

لماذا لم تتحول الإمكانات البشرية والجغرافية والتاريخية والسياسية للشعب الكوردي إلى قوة مشتركة تحمي مصالحه في الأجزاء الأربعة؟

  1. كوردستان العراق: امتلاك مؤسسات الحكم دون اكتمال منظومة القوة

تمثل تجربة إقليم كوردستان العراق أبرز تجربة كوردية معاصرة في بناء مؤسسات حكم ذاتي دستوري.

فقد امتلك الإقليم حكومة وبرلماناً ومؤسسات إدارية وقوات بيشمركة وعلاقات خارجية واقتصاداً خاصاً.

لكن التجربة ظلت تعاني من انقسام مؤسساتي وحزبي، خصوصاً في المجالات الأمنية والعسكرية والمالية.

وجاء استفتاء 25 أيلول/سبتمبر 2017 ليكشف حجم هذه الإشكالية.

فعلى الرغم من التصويت الواسع لصالح الاستقلال، لم تكن الظروف السياسية والإقليمية والدولية مهيأة لتحويل النتيجة إلى استقلال فعلي.

وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، وتحديداً في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2017، استعادت القوات العراقية السيطرة على كركوك ومناطق متنازع عليها كانت خاضعة للسيطرة الكوردية.

وتشير دراسة مجموعة الأزمات الدولية، الصادرة عام 2019 بعنوان:

After Iraqi Kurdistan’s Thwarted Independence Bid

إلى أن الانقسامات الداخلية وسوء تقدير المواقف الدولية، إلى جانب الضغوط الإقليمية، أسهمت في إفشال مسعى الاستقلال.

كما أن دراسات الإصلاح الأمني في الإقليم رصدت استمرار الانقسام الحزبي في المؤسسات العسكرية والأمنية.

والدرس الاستراتيجي هنا واضح:

إن امتلاك مؤسسات الحكم لا يعني بالضرورة امتلاك دولة مؤسسات متماسكة.

وإن امتلاك قوات عسكرية لا يعني امتلاك قوة دفاعية موحدة إذا كانت سلاسل القيادة والولاءات موزعة بين مراكز حزبية متنافسة.

إن تجربة 2017 تؤكد أن الإرادة الشعبية لا تستطيع وحدها حماية المكتسبات السياسية في غياب التماسك المؤسساتي والقدرة على إدارة الأزمات.

  1. كوردستان روژ آڤا ” سوريا”: التضحيات وبناء المؤسسات ومشكلة الضمانات

استطاعت الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وقوات سوريا الديمقراطية، خلال سنوات الحرب، بناء مؤسسات مدنية وعسكرية وأمنية وإدارية.

كما شكلت قوات سوريا الديمقراطية شريكاً أساسياً للتحالف الدولي في الحرب ضد تنظيم داعش.

وقد امتلكت التجربة قاعدة مؤسساتية ومجتمعية وعسكرية، وقدمت تضحيات بشرية كبيرة.

لكن المشكلة الاستراتيجية ظهرت في العلاقة بين القوة الميدانية والضمانات السياسية والدستورية.

ففي 10 آذار/مارس 2025، وُقع اتفاق بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية، نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في مؤسسات الدولة السورية، مع الإقرار بحقوق المكون الكوردي.

غير أن الاتفاق لم يتحول فوراً إلى تسوية مستقرة، واستمرت الخلافات حول آليات التنفيذ وسلسلة القيادة وطبيعة الترتيبات السياسية والأمنية.

وفي كانون الثاني/يناير 2026، دخلت العملية مرحلة جديدة من الترتيبات العسكرية والإدارية، في ظل تغيرات ميدانية وضغوط داخلية وخارجية.

وبحسب المعلومات المنشورة حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2026، أعلنت قيادة قوات سوريا الديمقراطية في آب/أغسطس انتهاء مهمتها بوصفها قوة عسكرية مستقلة، في سياق عملية الدمج في مؤسسات الدولة السورية.

وهذا تطور مهم، لكنه لا يسمح وحده بالحكم النهائي على مستقبل الحقوق الكوردية أو على مدى تحقق الضمانات السياسية والدستورية.

إن المسألة الجوهرية هي أن امتلاك قوة عسكرية وإدارة ومؤسسات لا يضمن الاستدامة عندما لا تكون هناك تسوية دستورية واضحة، وضمانات تنفيذية، وتوافق سياسي قادر على الصمود أمام تغير موازين القوى.

الدرس الاستراتيجي: القوة الميدانية التي لا تتحول إلى ضمانات سياسية ومؤسساتية قابلة للاستمرار قد تفقد جزءاً كبيراً من قدرتها التفاوضية عندما تتغير الظروف.

  1. كوردستان باكور” تركيا”: التضحيات وضرورة تحويل النضال إلى مكاسب مستدامة

تمثل التجربة الكوردية في تركيا واحدة من أطول التجارب السياسية والصراعية في المنطقة.

فقد تأسس حزب العمال الكوردستاني عام 1978، وبدأ الصراع المسلح عام 1984.

وتشير تقديرات مجموعة الأزمات الدولية إلى أن إجمالي ضحايا الصراع منذ عام 1984 بلغ نحو 30 إلى 40 ألف شخص، مع صعوبة التحقق من الأعداد الدقيقة وتوزيعها بين أطراف الصراع.

ومن المهم هنا عدم نسبة إجمالي الضحايا إلى جانب واحد؛ فهذه الأرقام تتعلق بمجموع ضحايا الصراع.

وعلى امتداد العقود الماضية، شهدت المطالب والتحولات السياسية تغيرات جوهرية.

فقد انتقلت أجزاء من الخطاب السياسي من المطالبة بدولة مستقلة إلى التركيز على الحقوق الثقافية والسياسية والديمقراطية واللامركزية.

ولا يمكن إنكار ما حققه النضال السياسي الكوردي من إبقاء القضية حاضرة وتحقيق بعض المكاسب الثقافية والسياسية، لكن السؤال الاستراتيجي يبقى قائماً:

كيف يمكن تحويل عقود النضال والتضحيات إلى تسوية سياسية تضمن الحقوق بصورة دستورية وقانونية، وتمنع إعادة إنتاج الصراع؟

إن المشكلة ليست في قبول السلام أو رفضه، وإنما في طبيعة السلام وشروطه وضماناته.

فالسلام الذي يقوم على الاعتراف المتبادل والحقوق المتساوية والضمانات القانونية يمكن أن يكون مكسباً تاريخياً.

أما التسوية التي تترك الحقوق الأساسية رهينة لتغير مواقف السلطة السياسية، فإنها لا تعالج جذور المشكلة.

الدرس الاستراتيجي: لا ينبغي أن يكون معيار النجاح هو حجم التضحيات، بل مقدار ما يتحقق من حقوق قابلة للحماية والاستمرار.

  1. كوردستان روژ هلات “إيران”: الإمكانات السياسية أمام اختبار التحولات

تواجه الحركة السياسية الكوردية في إيران ظروفاً مختلفة، ترتبط بطبيعة النظام السياسي والأمني وبالتركيبة القومية والمذهبية للبلاد.

ورغم وجود أحزاب كوردية ذات تاريخ سياسي طويل، وحضور اجتماعي وثقافي، فإن هذه القوى لم تتمكن من تحويل مطالبها إلى ضمانات دستورية وسياسية مستقرة.

إن أي تحول سياسي واسع في إيران يمكن أن يفتح المجال أمام إعادة صياغة العلاقة بين المركز والمكونات القومية.

لكن التحولات السياسية الكبرى لا تضمن وحدها تحقيق الحقوق.

فقد تؤدي إلى فرص جديدة، كما قد تنتج فراغات سياسية وأمنية وتنافساً بين القوى الداخلية والخارجية.

ولذلك ينبغي أن تكون الأولوية لبناء رؤية سياسية كوردية واضحة، تتضمن تصوراً دستورياً وحقوقياً لمستقبل الكورد، وتحدد طبيعة العلاقة مع بقية مكونات المجتمع الإيراني.

كما ينبغي أن تتجنب الحركة السياسية الكوردية الارتهان لوعود التدخل الخارجي أو ربط مستقبلها بنتائج صراعات لا تتحكم في مساراتها.

الدرس الاستراتيجي: لا تكمن قيمة الفرصة التاريخية في ضعف النظام القائم وحده، بل في مدى استعداد القوى السياسية لامتلاك مشروع واضح لإدارة المرحلة التي تلي التحول.

رابعاً: التبعية للحليف الخارجي ومأزق القوة المستعارة

من أهم القضايا التي تبرزها التجارب الكوردية العلاقة مع القوى الدولية.

فقد ارتبطت أجزاء من الحركة الكوردية، في مراحل مختلفة، بتحالفات مع قوى دولية وإقليمية، انطلاقاً من تقاطع المصالح أو الحاجة إلى الدعم السياسي والعسكري.

لكن المشكلة تظهر عندما يتحول التحالف إلى مصدر القوة الوحيد.

فالقوة المستعارة لا يمكن أن تكون بديلاً عن القوة الذاتية.

والتاريخ السياسي يقدم أمثلة كثيرة على أن الدول الكبرى قد تدعم حليفاً في مرحلة، ثم تعيد حساباتها عندما تتغير المصالح.

ولا يعني ذلك أن جميع التحالفات تقوم على الخداع أو أن القوى الدولية تتصرف دائماً بصورة واحدة، وإنما يعني أن التحالفات بطبيعتها تخضع لتوازن المصالح والالتزامات المتبادلة.

وفي الحالة الكوردية، تبرز هذه المشكلة بوضوح.

فقد وجدت القوى الكوردية نفسها في مراحل مختلفة أمام تفاهمات دولية وإقليمية لم تكن طرفاً رئيسياً في صناعتها، أو لم تمتلك القدرة الكافية للتأثير في نتائجها.

وهذا يفرض إعادة تعريف العلاقة مع الحلفاء.

فبدلاً من أن يكون الهدف الحصول على دعم خارجي بأي ثمن، ينبغي أن يكون الهدف بناء علاقة مصالح متبادلة، يمتلك فيها الطرف الكوردي أوراقاً سياسية واقتصادية ودبلوماسية ومؤسساتية تضمن له حضوراً مستقلاً.

الحليف الذي لا يحتاج إلى مراعاة مصالحك يستطيع التخلي عنك بسهولة أكبر. أما الشريك الذي تتقاطع مصالحه مع وجودك واستقرارك، فإن العلاقة معه تصبح أكثر قابلية للاستمرار.

وهذه ليست دعوة إلى التصعيد أو افتعال الصراعات، بل إلى امتلاك القدرة على التفاوض من موقع أكثر استقلالية.

خامساً: التشرذم الحزبي بوصفه عائقاً أمام بناء القوة

إن أحد أبرز أوجه الضعف في التجربة الكوردية يتمثل في استمرار تقديم المصلحة الحزبية على المصلحة الوطنية المشتركة.

فالأحزاب الكوردية، في الأجزاء الأربعة، تمتلك تاريخاً وتقاليد سياسية ومرجعيات فكرية مختلفة.

وهذا التنوع ليس مشكلة في حد ذاته، بل يمكن أن يشكل مصدراً للقوة إذا أُدير في إطار ديمقراطي.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحزب إلى مرجعية أعلى من المؤسسات الوطنية، وعندما تصبح السيطرة على الموارد والمؤسسات والأجهزة الأمنية هدفاً يتقدم على المصلحة العامة.

وفي هذه الحالة تتحول القضية الوطنية إلى مجموعة مشاريع حزبية متنافسة.

وتظهر النتائج في:

تعدد مراكز القرار.
ضعف التنسيق السياسي.
ازدواجية المؤسسات.
تسييس الأجهزة الأمنية.
غياب التخطيط الاستراتيجي المشترك.
ضعف الثقة بين الأحزاب والمجتمع.
قابلية الخلافات الداخلية للاستغلال الخارجي.

وهنا ينبغي التأكيد على مبدأ جوهري:

الأحزاب أدوات لبناء المشروع الوطني، وليست بديلاً عنه.

ولا يمكن بناء قوة كوردستانية مستدامة إذا ظلت المؤسسات خاضعة للولاءات الحزبية، أو إذا بقيت المصالح الوطنية رهينة التفاهمات المؤقتة بين القيادات.

إن بناء القوة يتطلب الانتقال من منطق التنافس على احتكار القرار إلى منطق الشراكة في إدارة المصالح المشتركة.

سادساً: نحو تعريف متكامل للقوة التي تحمي الحق

إن القوة التي تدعو إليها هذه النظرية ليست القوة العسكرية وحدها، ولا القوة التي تهدف إلى السيطرة على الآخرين.

بل هي منظومة متعددة الأبعاد، تتكامل فيها القدرات السياسية والمؤسساتية والاقتصادية والأمنية والدبلوماسية والمجتمعية والمعرفية.

ويمكن تحديد عناصرها الأساسية على النحو التالي:

  1. القوة السياسية والمؤسساتية

تتمثل في وجود مؤسسات شرعية ومستقرة، قادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها، وإدارة الخلافات، وضمان استمرارية المشروع الوطني بعيداً عن تغير الأشخاص والقيادات.

  1. القوة الأمنية والدفاعية

تتمثل في مؤسسات مهنية تحمي السكان والمؤسسات والحقوق، وتعمل وفق القانون والرقابة المدنية، وتمنع استخدام القوة في الصراعات الحزبية أو الانتقام السياسي.

  1. القوة الاستخباراتية والمعلوماتية

تتمثل في القدرة المهنية والقانونية على جمع المعلومات وتحليل التحولات واستشراف المخاطر وحماية المؤسسات من الاختراق والتلاعب، بما يدعم القرار السياسي ويحمي الأمن المجتمعي.

  1. القوة الاقتصادية والمالية

تتمثل في امتلاك قاعدة اقتصادية إنتاجية، وموارد مالية متنوعة، ومؤسسات مالية مستقرة، وقدرة على تقليل الاعتماد على مصادر خارجية قابلة للاستخدام في الضغط السياسي.

  1. القوة الدبلوماسية

تتمثل في القدرة على بناء علاقات دولية متوازنة، وتوسيع شبكة المصالح المشتركة، والتفاوض من موقع يمتلك أوراقاً سياسية واقتصادية وقانونية.

  1. القوة المجتمعية

تتمثل في بناء كتلة اجتماعية تؤمن بالمشروع الوطني، وتشعر بأن المؤسسات تمثلها وتحمي مصالحها، وتضمن العدالة والمشاركة السياسية وتكافؤ الفرص.

  1. القوة المعرفية والإعلامية

تتمثل في امتلاك مؤسسات بحثية وإعلامية قادرة على إنتاج المعرفة وتحليل الأحداث وصياغة الرواية السياسية الموثقة، والتأثير في مراكز صنع القرار والرأي العام الدولي.

إن هذه العناصر لا تعمل بصورة منفصلة، بل تشكل منظومة متكاملة.

فالقوة العسكرية دون اقتصاد مستدام تصبح عبئاً.

والدبلوماسية دون أوراق تفاوضية تصبح طلباً مستمراً للدعم.

والمؤسسات دون شرعية مجتمعية تصبح هياكل هشة.

والشرعية الشعبية دون مؤسسات قادرة على حمايتها تظل معرضة للانتكاس.

سابعاً: مبدأ الاستقلال غير المحمي

من خلال الحالات الدولية والتجارب الكوردية، يمكن استخلاص مفهوم إضافي ضمن النظرية، وهو ما يمكن تسميته:

مبدأ الاستقلال غير المحمي.

ويقصد به أن حصول شعب على اعتراف دولي أو استقلال سياسي أو مؤسسات حكم لا يعني بالضرورة امتلاكه القدرة الكافية على حماية قراره الوطني ومصالحه الاستراتيجية من الضغوط الخارجية والداخلية.

فقد يتحقق الاستقلال القانوني، بينما تبقى السيادة الفعلية مقيدة بالتبعية الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية.

وقد تمتلك إدارة سياسية مؤسسات وقوات، لكنها تظل معرضة لفقدان جزء من مكتسباتها عندما تتغير موازين القوى.

ومن هنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:

الأول: الاعتراف بالحق، وهو الحصول على الشرعية القانونية أو السياسية.

الثاني: امتلاك الحق، وهو تحويل الاعتراف إلى مؤسسات وصلاحيات ومكتسبات فعلية.

الثالث: حماية الحق، وهو امتلاك منظومة قوة ذاتية تمنع الانتقاص من تلك المكتسبات أو إخضاعها للابتزاز.

إن المستوى الثالث هو الأكثر أهمية من منظور هذه النظرية.

فالمطلوب ليس مجرد الوصول إلى اتفاق سياسي أو الحصول على اعتراف دولي، وإنما بناء ضمانات داخلية ومؤسساتية واقتصادية ومجتمعية تجعل الحقوق قابلة للاستمرار.

ثامناً: مبدأ عدم الارتهان للخارج

تطرح النظرية مبدأ آخر لا يقل أهمية، وهو أن التحالفات الخارجية يجب أن تكون امتداداً للقوة الذاتية، لا بديلاً عنها.

فالشعوب التي تعتمد بصورة شبه كاملة على الحماية الخارجية تظل عرضة لتغير أولويات الحلفاء.

ولذلك ينبغي بناء ثلاثة مستويات من القوة:

القوة الذاتية: وهي المؤسسات والاقتصاد والشرعية المجتمعية والتماسك السياسي.

القوة التفاوضية: وهي القدرة على التأثير في القرارات والتسويات، وتقديم مصالح متبادلة تجعل تجاهل الطرف الوطني أكثر صعوبة.

القوة التحالفية: وهي شبكة العلاقات الدولية والإقليمية التي توسع هامش الحركة وتحمي المصالح المشتركة.

والقاعدة الاستراتيجية هنا أن التحالفات لا ينبغي أن تتحول إلى علاقة تبعية، وأن الدعم الخارجي لا يمكن أن يعوض غياب المشروع الوطني المستقل.

تاسعاً: خارطة طريق لبناء القوة الكوردستانية

إن تحويل النظرية إلى مشروع عملي يتطلب الانتقال من التشخيص إلى بناء المؤسسات والقدرات.

وأقترح أن يقوم المشروع الكوردستاني على سبعة مسارات مترابطة:

المسار الأول: تأسيس إطار استراتيجي كوردستاني مشترك.

ليس المطلوب إلغاء الأحزاب أو فرض نموذج سياسي واحد على الأجزاء الأربعة، بل تأسيس إطار تنسيقي يضم القوى السياسية والمجتمعية والمستقلين والكفاءات، ويتولى تحديد المصالح المشتركة وصياغة المواقف العامة تجاه القضايا المصيرية.

المسار الثاني: تحرير المؤسسات من الهيمنة الحزبية.

من خلال تطوير مؤسسات مهنية مستقلة، وإصلاح الأجهزة العامة، وتعزيز استقلال القضاء والرقابة المالية، وضمان خضوع المؤسسات الأمنية والدفاعية للسلطات المدنية والقانون.

المسار الثالث: بناء قاعدة اقتصادية مستدامة.

من خلال تنويع مصادر الدخل، وتطوير الإنتاج والصناعة والزراعة والتعليم التقني، وتوسيع الاستثمار، وتقليل التبعية الاقتصادية.

المسار الرابع: بناء دبلوماسية استراتيجية.

تقوم على تعدد العلاقات الدولية، وعدم الارتهان لمحور واحد، وتطوير القدرة على التفاوض وإدارة المصالح المشتركة.

المسار الخامس: بناء عقد اجتماعي وطني.

يضمن المواطنة والعدالة والمشاركة السياسية والتعددية وحقوق النساء والشباب والمكونات الدينية والقومية.

المسار السادس: بناء قوة معرفية مستقلة.

من خلال إنشاء مراكز دراسات استراتيجية وقانونية واقتصادية، وإعداد كوادر متخصصة في العلاقات الدولية والتحليل السياسي وإدارة الأزمات.

المسار السابع: وضع رؤية سياسية متدرجة لكل جزء.

فالأوضاع القانونية والسياسية في العراق وتركيا وسوريا وإيران مختلفة، ولذلك لا يمكن فرض صيغة سياسية واحدة عليها جميعاً.

وقد تتباين المطالب بين الفيدرالية واللامركزية والحكم الذاتي والضمانات الدستورية وحق تقرير المصير وفق السياقات القانونية والسياسية لكل حالة.

لكن ينبغي أن يجمع هذه الصيغ إطار حقوقي واستراتيجي مشترك يحمي الهوية واللغة والثقافة والحقوق السياسية والاجتماعية.

عاشراً: المحاذير التي تمنع تحول القوة إلى نقيض للحق

إن بناء القوة لا يعني تحويلها إلى غاية مستقلة عن الحقوق التي وجدت لحمايتها.

وهنا ينبغي أن تضع النظرية حدوداً واضحة لاستخدام القوة.

أولاً، يجب ألا تتحول القوة إلى وسيلة للهيمنة على المجتمع أو قمع الاختلاف السياسي.

ثانياً، يجب ألا تصبح المؤسسات الأمنية والعسكرية أدوات في الصراع الحزبي.

ثالثاً، يجب ألا يتحول المشروع الوطني إلى أداة لإقصاء المكونات الأخرى أو الانتقاص من حقوقها.

رابعاً، يجب ألا تكون التحالفات الخارجية مبرراً للتخلي عن استقلال القرار الوطني.

خامساً، يجب ألا تُقاس قوة الشعب بعدد الأسلحة أو حجم القوات وحده، بل بقدرته على حماية مؤسساته واقتصاده ومجتمعه وحقوقه.

فالقوة التي تدمر المجتمع لا تستطيع حمايته، والقوة التي تفقد شرعيتها الشعبية تتحول تدريجياً إلى عبء على المشروع الوطني.

ومن هنا فإن القوة التي تتبناها هذه النظرية هي قوة الحماية والاستقلال والقدرة على الردع السياسي والقانوني والدبلوماسي، وليست قوة العدوان والتوسع.

الخاتمة: من امتلاك الحق إلى امتلاك القوة التي تحميه

إن التجارب الدولية والتاريخية تكشف أن الشعوب لا تحصل على حقوقها دائماً وفق معيار العدالة وحده.

فقد تمتلك قضية مشروعة، وتحصل على اعتراف سياسي، وتقدم تضحيات بشرية كبيرة، لكنها تظل عاجزة عن حماية مكتسباتها عندما تفتقر إلى أدوات القوة الذاتية والمؤسسات المستقرة.

وتقدم القضية الكوردية مثالاً واضحاً على هذه المعضلة.

ففي العراق، كشفت أحداث عام 2017 عن خطورة الانقسام السياسي والعسكري.

وفي سوريا، أظهرت التطورات اللاحقة أن القوة الميدانية والمؤسسات لا تكفيان وحدهما لضمان الاستمرار دون تسوية دستورية وسياسية وضمانات قابلة للتنفيذ.

وفي تركيا، كشفت عقود الصراع عن الفجوة بين التضحيات والنتائج السياسية المستدامة.

وفي إيران، لا تزال الحقوق السياسية والقومية الكوردية تواجه تحديات كبيرة في ظل غياب ضمانات مؤسسية مستقرة.

إن تكرار هذه التجارب دون استخلاص الدروس يعني استمرار إنتاج الضعف نفسه بأشكال مختلفة.

ولذلك فإن المطلوب ليس مجرد التضامن بين الأحزاب، ولا تحالفات مؤقتة، ولا الاعتماد على وعود القوى الدولية، وإنما بناء مشروع استراتيجي طويل الأمد يحول الإمكانات المتفرقة إلى منظومة قوة متكاملة.

مشروع تكون فيه المؤسسات فوق الأحزاب، والمصلحة الوطنية فوق المصالح التنظيمية، والعدالة أساس الشرعية، والاقتصاد قاعدة الاستقلال، والتحالفات امتداداً للقوة الذاتية، والمجتمع مصدر الشرعية والاستمرار.

إن القضية الكوردية لا تحتاج إلى مزيد من التأكيد على عدالة مطالبها بقدر حاجتها إلى امتلاك الأدوات التي تحمي تلك المطالب من التراجع والابتزاز.

وهنا تتجلى الفكرة الأساسية التي تقوم عليها هذه الدراسة:

القوة هي الحق، لا باعتبارها مصدراً للشرعية الأخلاقية والقانونية، بل باعتبارها الوصف الأكثر تعبيراً عن واقع دولي تتوقف فيه قدرة الشعوب على حماية حقوقها إلى حد كبير على ما تمتلكه من عناصر القوة والتأثير.

إننا لا ندعو إلى قوة تنتزع حقوق الآخرين، بل إلى قوة تمنع الآخرين من انتزاع حقوقنا.

ولا ندعو إلى قوة تفرض الهيمنة، بل إلى قوة تمنع الهيمنة علينا.

ولا ندعو إلى بناء قوة مدمرة، بل إلى بناء قوة مؤسساتية واقتصادية ومجتمعية ودفاعية تحمي الاستقرار والحقوق والكرامة الإنسانية.

ففي عالم تتقدم فيه موازين القوة على عدالة المطالب في كثير من الأحيان، لا يكفي أن يكون الشعب صاحب حق، بل ينبغي أن يمتلك القدرة على حماية هذا الحق.

إن معركة الشعوب في العصر الراهن ليست فقط معركة الاعتراف بالحقوق، وإنما معركة امتلاك القوة التي تجعل هذه الحقوق قابلة للحماية والاستمرار.

وهذه هي الفلسفة التي تنطلق منها نظرية “القوة هي الحق”.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *