دولة بلا ألوان: كوردستان بين خرائط النفوذ وخريطة الوطن
في أن تكون المؤسسة للشعب لا للحزب: مقاربة مؤسسية-تكنوقراطية لتوحيد الجغرافيا الكردستانية
إعداد: مروان فلو
ملخص
تجادل هذه الورقة بأن الأزمة الراهنة في إقليم كوردستان العراق ليست خلافاً بين حزبين على المناصب، بل أزمة نموذج حكم لم يحسم العلاقة بين السلطة الحزبية والمؤسسة العامة. وتقترح أن المخرج لا يكمن في تسوية جديدة لتقاسم الحقائب، بل في مأسسة حقيقية: أجهزة عامة موحدة جغرافياً، يديرها كوادر مهنية مختارة بمعايير الكفاءة والاستقلال، وتخضع للدستور والمساءلة لا لمراكز القرار الحزبي. وتقرّ الورقة بأثر الضغوط الخارجية، لكنها تنطلق من أن للكورد مصلحة جامعة دنيا لا تتعارض فيها الأطراف: مؤسسات تعمل لصالح الناس، لا لصالح الأحزاب.
مدخل: السؤال الذي يتجاوز الحزبين
يمكن قراءة ما جرى في مطلع تشرين الثاني 2026 بوصفه فصلاً جديداً في التنافس بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني. غير أن هذه القراءة، على صحتها، تُبقي التحليل أسير الأشخاص. السؤال الأجدى: لماذا يتحول كل خلاف حزبي في الإقليم إلى تهديد لوحدة المؤسسات نفسها؟ والجواب المقترح هنا أن المؤسسات لم تُبنَ يوماً بوصفها مرجعاً أعلى من الأحزاب، بل بوصفها وعاءً لتوازناتها، فإذا اختلت التوازنات اهتز الوعاء.
أولاً: ما الذي جرى فعلاً
اجتمع برلمان الإقليم في 4 تشرين الثاني للمرة الأولى منذ انتخابات تشرين الأول 2024، بعد نحو عامين من الشلل السياسي، وانتخب هيئة رئاسته رغم مقاطعة الاتحاد الوطني، وفق ما أوردته “الموقع” الإخبارية المتخصصة (Al-Monitor، 5 تشرين الثاني 2026). وفي اليوم التالي أعلن بافل طالباني انسحاب حزبه من حكومة الإقليم، ووصفها بالفاشلة، وهدد بإقامة إدارة موازية رداً على أي خطوات أحادية (Anadolu؛ The New Arab). وتفيد تقارير بأنه ذهب أبعد من الانسحاب الحكومي، إذ أعلن عدم الاعتراف بالبرلمان وقراراته (Yeni Şafak نقلاً عن الأناضول). ونقلت “شفق نيوز” عن مصدر في الاتحاد الوطني أن الحزب يعدّ الجلسة غير شرعية لانعقادها دون مشاركته.
وهنا يلزم تمييز ثلاثة مستويات لا يجوز خلطها:
الانسحاب من الحكومة: أداة سياسية مشروعة في الأنظمة البرلمانية، ولا يُعدّ بذاته خرقاً دستورياً.
الطعن في شرعية الجلسة: مسألة قانونية تُحسم بالنظام الداخلي للبرلمان وإجراءات الدعوة والنصاب، وبأي قضاء مختص، لا بتصريحات الأطراف. فاكتمال النصاب العددي، الذي يتمسك به الحزب الديمقراطي، لا يغلق وحده سؤال الصحة الإجرائية.
التلويح بمؤسسات موازية: هو التطور الأخطر، لأنه ينقل الخلاف من التنافس داخل المؤسسات إلى التنازع على المؤسسات نفسها.
ثانياً: جذور الأزمة – توحيد الهياكل دون توحيد القرار
بعد انتفاضة 1991 ودخول الإقليم مرحلة الحكم الذاتي الفعلي، أُجريت انتخابات 1992 وتأسس البرلمان والحكومة. ثم انزلق التنافس على النفوذ والموارد إلى اقتتال داخلي منذ 1994، أنتج إدارتين منفصلتين، وأنهاه اتفاق واشنطن 1998 دون أن ينهي أسباب الانقسام. وجاء الاتفاق الاستراتيجي عام 2006 فوحّد الإدارتين شكلياً. لكن الحصيلة أن الهياكل الإدارية توحدت بدرجة أكبر بكثير من توحد مراكز القرار الأمني والمالي والسياسي.
وهذا ما تلتقطه الأدبيات الحديثة: فقد حذرت دراسة صادرة عن برنامج “PeaceRep” بجامعة إدنبرة (2025) من أن تجديد ترتيبات تقاسم السلطة دون تحويل النظام “الافتراسي” إلى نظام ديمقراطي لن يعالج جذور الأزمة. وفي السياق ذاته يرى تحليل “تشاتام هاوس” (28 تشرين الأول 2026) أن استمرار الانسداد يهدد بتراجع لا رجعة فيه في الأطر التي مكّنت الحكم الذاتي الكوردي منذ عقدين.
ثالثاً: ليست أزمة ثنائية
يخطئ من يختزل الأزمة في الحزبين. فنتائج انتخابات 20 تشرين الأول 2024 (وفق المعلن من المفوضية العليا المستقلة للانتخابات؛ تُراجع الأرقام قبل النشر) توزعت على النحو التالي:
القائمة
المقاعد
الحزب الديمقراطي الكوردستاني
39
الاتحاد الوطني الكوردستاني
23
حركة الجيل الجديد
15
الاتحاد الإسلامي الكوردستاني
7
حركة الموقف الوطني
4
جماعة العدل الكوردستانية
3
الجبهة الشعبية
2
حركة التغيير
1
تحالف إقليم كوردستان
1
مقاعد المكونات
5
لا يملك أي حزب الأغلبية منفرداً، وهذا يمنح كتلاً أخرى، وفي مقدمتها “الجيل الجديد” والقوى الإسلامية، وزناً في أي صيغة حكم، ويجعل من تعطيل البرلمان تعطيلاً لحقوقها الرقابية أيضاً. أما مقاعد المكونات (التركمان والكلدان السريان الآشوريون والأرمن) فتذكّر بأن “المصلحة الكوردستانية” ليست ملكاً للكورد وحدهم داخل الإقليم، وأن أي مؤسسة غير حزبية يجب أن تكون مؤسسة لكل ساكنيه. وعليه فالخلل ليس في ثنائية قطبين بقدر ما هو في نظام يجعل المؤسسات رهينة لأكبر قطبين.
رابعاً: الحزب والمؤسسة – أربعة ميادين للتداخل
في الديمقراطيات المستقرة تتنافس الأحزاب على إدارة الدولة ولا تملكها. أما في التجربة الكوردستانية فيتجلى التداخل، بدرجات متفاوتة، في أربعة ميادين:
الإدارة العامة: التعيينات والترقيات تتأثر بالولاء الحزبي، فيضعف تكافؤ الفرص والاستقلال الوظيفي.
الأمن والبيشمركة: استمرار القيادات المتوازية يحول دون سلسلة قيادة موحدة. وقد وثّقت دراسة “كارنيغي” (2015) هذه الإشكالية في “الجيوش السياسية في كوردستان”.
الاقتصاد والموارد: تداخل المصالح السياسية مع الإيرادات والمعابر والتجارة.
القضاء والرقابة: الحاجة إلى ضمانات استقلال تحمي هذه الأجهزة من المنافسة السياسية.
والمشكلة بنيوية لا شخصية: فحتى لو حسنت النيات، تبقى بنية الحوافز كما هي. فمن يملك التعيين يملك الولاء، ومن يملك الولاء يملك القرار، مهما كانت الدساتير جميلة.
خامساً: أربيل والسليمانية – حين تتحول الجغرافيا إلى حزبية
أخطر مظاهر الأزمة أن الانقسام السياسي يتحول إلى جغرافي: منطقة نفوذ في أربيل ودهوك وأخرى في السليمانية. وهذا ما جعل “تشاتام هاوس” يحذر من أن الإقليم قد يصبح مكاناً “تفككه أطراف أخرى على حساب الحكم الذاتي الكوردي”. والمدينة العاصمة، أربيل، ينبغي أن تكون فضاء مشتركاً لجميع المواطنين لا هوية حزب؛ وبالمثل السليمانية. فالمواطن في دهوك والسليمانية يحتاج الخدمة نفسها بالمعيار نفسه، لا بالولاء نفسه.
وتزداد الحساسية مع طرح اللامركزية. فهي في أصلها أداة مشروعة لتحسين الإدارة وتعزيز المشاركة المحلية. لكن الفارق جوهري بين نموذجين:
لامركزية ديمقراطية: تنقل الصلاحيات إلى مجالس محلية منتخبة وخاضعة للمساءلة، ضمن إطار دستوري وقانوني موحد.
لامركزية حزبية: تمنح المناطق القائمة غطاءً قانونياً يكرّس مناطق النفوذ.
والمعيار العملي للتمييز: هل تُبنى اللامركزية على مؤسسات عامة موحدة المعايير، أم تُنتج إدارات متوازية بموظفين تابعين لقيادات سياسية متنافسة؟
سادساً: العامل الخارجي ومصلحة كوردية واحدة
لا ننفي أثر الضغوط الخارجية ولا نحجّمه. فتحليل “تشاتام هاوس” يرصد أن لتركيا وإيران أولويات مباشرة في الإقليم: أنقرة معنية بنجاح مسارها الداخلي بعد نزع سلاح حزب العمال الكوردستاني، وطهران بتقييد نشاط جماعاتها الكوردية المسلحة، وأن ضعف المؤسسات وانقسامها يصعّب على الإقليم التعامل مع هذه الضغوط. ويحذر التحليل من أن الانقسام قد يدفع أنقرة إلى الانحياز لطرف دون آخر.
لكن هنا نقطة جوهرية: القوى الخارجية تتعامل مع من تجده أمامها. فإن وجدت ثلاث قنوات حزبية تفاوضت مع كل منها بمصلحتها، وإن وجدت مؤسسة واحدة مهنية موحدة اضطرت إلى التفاوض مع الإقليم بوصفه كياناً. وبهذا المعنى فإن المؤسسة غير الحزبية ليست مطلباً أخلاقياً فحسب، بل أداة تفاوضية ترفع كلفة الاستثمار الخارجي في الانقسام.
ومن هنا المبدأ الذي تنطلق منه هذه الورقة: قد تختلف الأحزاب في الرؤى والتحالفات، لكن للشعب الكوردي مصلحة جامعة دنيا لا تقبل التجزئة: أن تعمل المؤسسات لصالحه لا لصالح الأحزاب الكوردية. وهذه ليست دعوة إلى إلغاء التعددية، بل إلى جعل التعددية تتنافس على برامج الحكم لا على ملكية أجهزته.
سابعاً: ماذا نعني بـ”التكنوقراط”؟ ولماذا لا يكفي الاسم
تتبنى الورقة فكرة إدارة المؤسسات بكوادر متخصصة، لكنها تطرح تحفظاً ضرورياً: التكنوقراط ليسوا بالضرورة مستقلين. ففي أنظمة المحاصصة يتكرر نمط “تكنوقراط الحصة”: وزير أو مدير عام ذو شهادة وخبرة، لكنه اختير عبر الحزب ويدين له. فالمعيار هو آلية الاختيار والمساءلة لا السيرة الذاتية.
ويستلزم ذلك ضمانات مؤسسية، منها:
لجنة خدمة عامة مستقلة تضع معايير التعيين في الوظائف العليا وتشرف على المسابقات.
مدد ولاية ثابتة لرؤساء الأجهزة الحساسة (الرقابة المالية، الإيرادات، القضاء الإداري، القيادة المهنية للأجهزة الأمنية)، مع حصانة من العزل التعسفي.
تصديق برلماني بأغلبية موصوفة (لا بأغلبية الحزب الحاكم) على تعيين هذه المناصب.
فترة تبريد تمنع من يشغل منصباً قيادياً حزبياً من تولي هذه المناصب فوراً، وتمنع العكس أيضاً.
نشر الإيرادات والإنفاق ومعايير التعيين علناً، وإخضاعها لتدقيق مستقل.
كما ينبغي الاعتراف بحدود الفكرة: فالسياسة لا تُلغى بالتكنوقراط، وبعض القرارات (الموازنة، الأمن، العلاقة ببغداد) سياسية بطبيعتها وتحتاج إلى مساءلة انتخابية. وتجربة حكومات “الخبراء” في دول عدة تُظهر أنها قد تحمي الإدارة من التسييس، لكنها لا تعوّض غياب الشرعية السياسية. فالمقصود فصل الإدارة عن الحزب، لا فصل القرار السياسي عن الناخب.
ثامناً: درس المقارنة – لبنان والبوسنة
تفيد المقارنة في اختبار فرضية: متى تتحول المحاصصة من آلية لاحتواء الصراع إلى آلية لإعادة إنتاجه؟ في لبنان، أنهى اتفاق الطائف الحرب الأهلية لكنه ثبّت توزيعاً طائفياً للوظائف والمواقع جعل الدولة ساحة للحصص وعطل مراراً تشكيل الحكومات وانتخاب الرؤساء. وفي البوسنة، أوقف اتفاق دايتون الحرب لكنه أنتج بنية معقدة تتيح لكل مكوّن تعطيل القرارات. والدرس المشترك أن الترتيبات الانتقالية التي تُنقذ السلام قد تتحول إذا طالت إلى عائق أمام الدولة. ويجدر الانتباه إلى فارق مهم: المحاصصة الكوردستانية حزبية لا طائفية، وهذا قد يجعل الإصلاح أيسر نظرياً، لأن الأحزاب قابلة للتنافس والتغير بخلاف الهويات المغلقة.
تاسعاً: مسارات إصلاح مقترحة
المطروح هنا مسارات تحتاج إلى تفاوض وتشريع وتنفيذ، لا خطوات منجزة:
حماية استمرارية البرلمان بقواعد نصاب وإجراءات واضحة تمنع ربط عمله بتوافق القيادات، مع ضمان حقوق المعارضة الرقابية، وإحالة النزاع على شرعية الجلسة إلى مرجعية قضائية متفق عليها.
حكومة ببرنامج معلن يتضمن التزامات قابلة للقياس في الطاقة والخدمات والإدارة والأمن، لا مجرد توزيع حقائب.
قانون خدمة عامة موحد يطبق على أربيل ودهوك والسليمانية وحلبجة على السواء، بمعايير توظيف وترقية واحدة.
توحيد الأجهزة الأمنية وقوات البيشمركة عبر جدول زمني معلن لتوحيد القيادة والتمويل والتدريب والتعيين، وإخضاعها لإشراف مدني وبرلماني.
إدارة شفافة للموارد بنظام إيرادات واحد وحساب موحد ونشر دوري وتدقيق مستقل.
لامركزية ضمن إطار موحد تمنح المجالس المحلية المنتخبة صلاحيات حقيقية دون تحويلها إلى إدارات حزبية موازية.
ميثاق وطني كوردستاني يلتزم باحترام نتائج الانتخابات، وعدم تشكيل سلطات موازية، وعدم توظيف المؤسسات العامة في الصراع الحزبي، وضمان التداول السلمي للسلطة وحقوق المكونات.
وتبقى معضلة الحوافز: لماذا يتخلى حزب عن أدوات نفوذه؟ لا إجابة مضمونة، لكن ثمة مداخل واقعية: ربط الإصلاح بمصلحة تفاوضية مع بغداد، وبالتزامات الشركاء الدوليين، وبضغط الرأي العام والمعارضة البرلمانية، وبمبدأ التبادلية (تتخلى الأطراف معاً أو لا يتخلى أحد).
خاتمة
تكشف أزمة تشرين الثاني 2026 أن النظام الذي أنهى الاقتتال وأعاد توحيد الإدارة لم يصل إلى مرحلة المؤسسة المستقلة. وليس المطلوب إنهاء التنافس بين الأحزاب، فهو طبيعي، بل منع تحوله إلى صراع على ملكية الدولة. فأربيل ليست لحزب، والسليمانية ليست لحزب آخر، والمؤسسات ليست غنيمة موزعة. إنها ملك لمن يموّلها ويخدمها ويحتاج إليها: المواطن. وحدة الموقف الكوردي لا تبدأ بمطالبة الآخرين باحترام الحقوق الكوردية، بل بأن تحترم القوى الكوردية حق مواطنيها في مؤسسات لا لون لها سوى القانون.
+++++++++++++++++&&&
المراجع
مستجدات 2026
- Chatham House, Division between Iraq’s Kurdish parties risks undermining Kurdistan region’s autonomy, 28 October 2026.
- Al-Monitor, PUK leader Talabani withdraws from regional government, deals blow to Kurds globally, 5 November 2026.
- Shafaq News, SCOOP: PUK quits Kurdistan government over parliament dispute؛ وPUK threatens parallel institutions in Kurdistan.
- Yeni Şafak (Anadolu), PUK leader Talabani pulls party from Iraqi Kurdistan government.
- The New Arab, PUK quits Iraqi Kurdistan government, deepening power struggle.
- Associated Press / The National –
دراسات - PeaceRep (University of Edinburgh), Insecure Leaders: How elite infighting may facilitate the end of Iraq’s Kurdistan region, 2025.
- Carnegie Endowment, Kurdistan’s Political Armies: The Challenge of Unifying the Peshmerga Forces, 2015.
- Beston Husen Arif، دراستان عن التسوية السياسية والاتفاق الاستراتيجي في الإقليم (2024؛ 2026) – تُتحقق بيانات النشر قبل الاعتماد.
وثائق - دستور جمهورية العراق 2005، المواد 116 و117 و120 و121.
- المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، نتائج انتخابات برلمان الإقليم، تشرين الأول 2024.
